الطائفية.. وإذكاء الفتن ما تقدمه أمريكا وإسرائيل للثورات العربية

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Jun 17 2012 | العدد :86 | عدد المشاهدات : 1777

الطائفية.. وإذكاء الفتن ما تقدمه أمريكا وإسرائيل للثورات العربية

نسخة للطباعة
في ظل نجاح الثورات العربيّة في تونس ومصر وليبيا، وانتظار أخرى لتحقيق نجاحات مماثلة في سوريا واليمن، فإن هناك مخاوف وتحدّيات من وصول هذه الدول إلى حالة من التطور والنضج الديموقراطي، وعرقلة ما تحقق من نجاحات، سواء في البلاد التي نجحت فيها الثورات، أو الأخرى التي تنتظر.
هذه المخاوف لا تقف فقط عند حدود ما تتعرض له الدول التي قامت شعوبها بثورات، ولكن تتجاوزها إلى عثرات تعترض الدول التي نجحت ثوراتها بالأحرى؛ فعلى سبيل المثال التحدّيات التي صارت تتعرض لها الثورتان المصريّة والليبيّة تحديدًا لم تظهر إلاّ بعد سقوط نظامي حسني مبارك ومعمر القذافي، في ظل ما صارت تخطط له الثورة المضادّة في كلا البلدين لإجهاض الثورة بالأساس، الأمر الذي يؤكد أنه لتحقيق الثورات لأهدافها بالكامل فإن هناك شوطًا كبيرًا ينبغي خوضه لفوز الثوّار في نهايته.

المشهد التونسي
على الرغم مما تعرّضت له الثورة التونسيّة في بدايتها من مخططات لتعطيل المسار الانتخابي، أو التحوّل الديموقراطي، إلاّ أنه سرعان ما تمّ إجهاض هذه المخططات، خاصة وأن تونس لا يُنظر إليها بقدر ما يُنظر إلى ليبيا ومصر، وخاصة القاهرة، التي تعتبر مركزًا يمكن أن تنعكس كافة تحوّلاته ومساراته على الشأن الإقليمي والدولي.
غير أنه مع نجاح الثورة التونسيّة، فإنّ فزّاعات العلمانيّين ضد نجاح الإسلاميّين في الانتخابات الأخيرة تمكن أن تكون بمثابة الثورة المضادّة، أو التحدّي الأكثر الذي يمكن أن يهدّد مسيرة مسار التحوّل في تونس، إلاّ أنّ أهل القيروان والزيتونة قادرون على مواجهة هذا التحدي، بالتمسّك وتحقيق الوحدة فيها بينهم، خاصة وأن الأغلبيّة في تونس قالت كلمتها تجاه الإسلاميّين.
وفي المقابل، يُنظر إلى أن مصر وليبيا يمكن اللعب في بلديهما بإثارة بؤر الثورات المضادّة، بشكل يفوق تونس، فضلاً عن أهميّة القاهرة وطرابلس بالنسبة للدول الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكيّة وإسرائيل، فإذا كان النفط الليبي يثير لعاب الدول الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة وانجلترا وفرنسا، فإن مصر بالنسبة لذات الدول وإسرائيل ذات أهمية كبرى، في ظل انعكاسات ما تشهده على المنطقة بأسرها، فضلاً عما يمكن أن تؤثره في محيطها العربي.

الثورة المصريّة
من هنا، فإنه ومنذ نجاح الثورتين المصريّة والليبيّة، وأيدي الثورة المضادّة لا تقف عند حدود نجاحهما، فتحاول جاهدة العبث بمقدّرات الشعبين المصري والليبي من ناحية، وإفشال أي تقدّم يمكن أن تحرزه الثورتان من ناحية أخرى.
ولذلك وجدنا في القاهرة على سبيل المثال التفافات على الثورة بمخطّطات عدة، سواء من جانب من يدّعون القيام بالثورة ونسبها إلى ذواتهم، أو من أعداء البلاد الحقيقيّين، الذين لا يرغبون إحراز أي تقدّم على الأرض للثورة في مصر، بفعل تآمر قوى إقليميّة ودوليّة على القاهرة لإجهاض ثورة 25 يناير.
ليس هذا من باب الأحاديث النظريّة، أو انطلاقًا من نظريّة المؤامرة، ولكنه واقع على الأرض؛ إذ إن وزير العدل المصري المستشار محمد عبد العزيز الجندي وغيره من المسؤولين كثيرًا ما أعلنوا عن تورّط قوى إقليميّة ودوليّة كبرى فيما تشهده مصر من اشتباكات وأعمال انفلات أمني، وإثارة وقيعة بين المصريّين، للدرجة التي نجحت معها أجهزة المخابرات المصرية في الإيقاع بنحو خمس من شبكات التجسّس في أقل من ستة أشهر، محسوبين على إيران وإسرائيل.
ولذلك، فإنّ كل المحاولات الجارية لمصر الثورة تستهدف بالدرجة الأولى إنهاك الدولة المصريّة، وليس فقط إضعاف مقوّماتها، وهو ما يظهر في الاعتداءات المتكرّرة على مرافق الدولة الأمنيّة من وقت لآخر، والتهديد بعزل محافظات وإعلان العصيان المدني، إلى غيرها من مظاهر الثورة المضادّة، التي يلعب فيها بقايا النظام السابق دورًا بارزًا، خلاف الدور الذي تؤديه بعض الحركات التي تدّعي الثوريّة، وهى تحمل في الأساس "أجندات" خارجيّة بفعل أدوار إقليميّة ودوليّة.

المشهد الليبي
الصورة نفسها تكاد تتكرّر مع الثورة الليبيّة، ولكن بشكل مغاير؛ إذ إن رئيس المجلس الانتقالي الشيخ مصطفى عبد الجليل ومنذ إعلانه تعليق القوانين المخالفة للشريعة الإسلاميّة، وهناك حالة من الاستنفار من جانب الثورة المضادّة بدأت في بلد عمر المختار، واستفادت خلالها الثورة المضادّة من انتشار السلاح في البلاد، فبدأت وقائع إثارة الفتن، وتنمية القبليّة بين صفوف الثوّار.
وتعاظم هذا من الناحية السياسيّة بترشيح عبد الرحيم الكيب رئيسًا للحكومة الانتقاليّة، وهو الشخصيّة الغامضة وغير المعروفة، وجهل هوية من قام بترشيحه، أو قدّمه للثوار، ليتمّ اختياره رئيسًا للحكومة، وهو الذي تعلم في الولايات المتحدة الأمريكيّة، وقضى وقته خلاله الثورة خارج ليبيا، ولم يكن في أثناء اندلاع الثورة ببلد عمر المختار، ليقف على تخوّف الثورة.
هذه الشخصيّة تكاد تتشابه مع شخصيّة رئيس الحكومة المصريّة الحالي عصام شرف، الذي فوجئ كثيرون بأن من يرشحه هم من ثوار ميدان التحرير، في الوقت الذي لم يكن أحد يعرفه وقت الثورة، للدرجة التي يؤكد فيها البعض حاليًا بأنه كان عضوًا بلجنة السياسات في الحزب الوطني "المنحلّ"، الحاكم سابقًا.
مثل هذه الشخصيّات التي تفاجئ الثوّار، ويتسم أداؤها بالضعف، هي نفسها شخصيّات تُعدّ بمثابة حجر عثرة ضدّ نجاح الثورات، وللحيلولة دون إكمال الثورات لمهامها، على نحو ما سبق أن فعله الاحتلال الأمريكي في العراق بالاستعانة بشخصيّات ضعيفة ومغمورة، لا يتمّ التعرف على هويّاتها، أو دورها الوطني، ويُفاجأ الشعب بعد ذلك بأن أدوراهم تقف ضد الصالح العام بقرارات مرتعشة وضعيفة، ولا تتناسب مع حالة المدّ الثوري.
وعلى الرّغم ممّا كان يتوقعه كثيرون بأن مسار الثورة الليبيّة سيكون أكثر استقرارًا من نظيرتها المصريّة، غير أن المشهد الليبي بدا مشابهًا للثورة المصريّة، وإن كان صار أكثر عنفًا، نتيجة انتشار السلاح على الأرض الليبيّة، ونتيجة إثارة الفتنة بين القبائل، الأمر الذي جعل رئيس المجلس الأعلى للإفتاء في ليبيا الشيخ الصادق الغرياني يستنكر الأحداث التي شهدتها بلاده، وخاصة التي وقعت بين أهالي منطقتي الزاوية وورشفانة. واتهم خلالها بعض القنوات الفضائيّة بنقل أخبار وشائعات ليس لها أي أساس من الصحة، واستضافتها أناسًا قد يكونون كاذبين ومخادعين ليقولوا كلامًا غير صادق بهدف إثارة وإشعال الفتنة. منبهًا إلى خطورة دور الإعلام وأنه سيف ذو حدين، وقال: "الإعلام قد يصلح أحسن الإصلاح، وقد يفسد أكبر وأشد الفساد، ولذلك فعليه مسؤوليّة عظيمة".
أجواء الفتنة، جرّاء الثورة المضادّة، والتي تُعدّ من أبرز تحدّيات الثورة الليبيّة، جعلت رئيس المجلس الأعلى للإفتاء يطالب الليبيّين بالحفاظ على الثورة والبلاد. قائلاً: "إن المعركة لا تزال مستمرة، والمحافظة على التحرير والاستقلال أصعب من نيلهما، فالمعركة الآن هي معركة البناء والاستقرار، وتتطلب منا الانضباط وإلقاء السلاح والائتمار بأوامر المجلس الانتقالي".
إلاّ أنّه مع كل هذه التحدّيات، فإنّ الثوّار الذين وفّقهم الله تعالى لإسقاط نظام بوليسي، اتّسم بالحديد والنار، قادرون على تجاوز المرحلة الراهنة، والتغلّب على ما تواجهه ثورتهم من تداعيات، بما يحقق الهدف الذي أعلنه رئيس المجلس الانتقالي الليبي بأن أي قوانين غير الشريعة الإسلاميّة لن يتمّ العمل بها، في إطار توق الليّبيين إلى الحكم بكتاب الله.

ثورات ناقصة
أما الدول التي اندلعت فيها ثورات، وتنتظر نجاحها مثل اليمن وسوريا، فإن بطش المحتل الوطني لا يزال يعمل على تماسك الشعبين السوري واليمني في مواجهة قوى الاستبداد التي يستحرّ فيهم القتل، غير أنه مع وجود بعض التجاذبات بين الثوّار لا يمكنّهم بحال إيقاف مسيرة الثورة، خلاف ما يراهن عليه الاستبدادي علي عبد الله صالح، الرافض للمبادرة الخليجيّة بإطالة أمد الوقت، أو ما يراهن عليه أيضًا الطاغية بشار الأسد من استئساد على شعبه. كلها ستكون مراهنات خاسرة، فما فعله مبارك ليس قليلاً، وإن كان القذافي قد فاقه، فانّ مصيرهما كان السجن والقتل.
وعليه، فإن مسيرة الشعوب تجاه سفينة النجاة، حتمًا ستحقق أهدافها لنيل حرّياتها، فلا يمكن للشعبين السوري واليمني، اللذيْن ضحّيا بآلاف الشهداء خلاف المصابين، أن يستسلما بحال للاستبداد مرة أخرى، وهو ما يدركه الأسد وصالح جيدًا، غير أن طول الأمل والأمد يجعلهما يرتديان نظارة قاتمة، لا ترى أمامها فرار ابن علي، أو سجن مبارك، أو قتل القذافي. ليكون بعد سقوطهما مسيرة أخرى من الثورة المضادّة، ستلعب الولايات المتحدة وإسرائيل أدوارًا تُضاف إلى الأخرى التي تلعباها في مصر وليبيا، إلاّ أن تحالف الثائرين حتمًا سيجهض أي محاولات للالتفاف على هذه الثورات