إزالة الآثار محوٌ لتاريخ الأمّة وإضعاف للإيمان في نفوس الشباب

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Jul 3 2012 | العدد :84 | عدد المشاهدات : 4547

إزالة الآثار محوٌ لتاريخ الأمّة وإضعاف للإيمان في نفوس الشباب

نسخة للطباعة
دعا معالي الشيخ الأستاذ الدكتور عبدالوهاب أبو سليمان عضو هيئة كبار العلماء في السعودية إلى الاهتمام بالآثار والمحافظة عليها ، وعدم إزالتها مؤكداً على اهتمام السلف الصالح بالآثار النبوية الشريفة من حيث التدوين والتوثيق لكل ما له علاقة بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، وبأصحابه الكرام. وقال بأن التواتر العلمي حجة في الشريعة الإسلامية، والتواتر المحلي، وثبوت الأماكن التاريخية في مكة المكرمة والمدينة المنورة من بابٍ أولى ، والتشكيك فيها أمر خطير شرعًا لمَن يدرك حقيقة هذا النوع من الاستدلال وأهميته الشرعية.
واعتبر أبو سليمان في حديثٍ لـ"الإسلام اليوم"  أنّ إزالة الأماكن التاريخية التي تقع في المدينتين المقدستين: مكة المكرمة والمدينة المنورة يجعلُ من التاريخ الإسلامي أسطورة بائدة. وأنّ الدعوات المتصاعدة لإزالةِ الآثار المقدسةٍ هو محو لتاريخ الأمة، وإضعاف لجذوة الإيمان في نفوس الشباب، وأنّ مسئولية المحافظة عليها تقع على عاتق كل جيلٍ بوصفها شواهد تاريخية حيّة للتاريخ الإسلامي، ولا ينبغي أن نُلغي التاريخ بسبب بعض الممارسات والانحرافات العقدية".
ولم ينسَ د. أبو سليمان الحجاج والمعتمرين والقادمين إلى المدينتين المقدستين في السعودية أنّ لهم مشاعر روحية ودينية ، وقال: يترقب كل مسلم منهم بفارغ الصبر ليقف على التاريخ من خلال زيارة هذه الأماكن المأثورة، وتستحب زيارتهم لها بعيدًا عن الممارسات الخطأ ليستلهموا التاريخ، ويستعيدوا المعاناة التي تكبدها الرسول صلّى الله عليه وسلّم وصحابته في سبيل تبليغ الرسالة، ورأى أن زيارتها مستحبة، بل تصل إلى درجة السنّة.
وأشار إلى أبرز الشواهد التاريخية ومنها أنّ المحدث المعروف الإمام البخاري -رحمه الله- دوّن بابًا مستقلاً للأماكن التي صلّى بها الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وأن الخليفة الوليد بن عبدالملك عندما كتب لأمير المدينة المنورة عمر بن عبدالعزيز بإدخال حجرات الرسول صلى الله عليه وسلم في توسعة المسجد النبوي بكى الناس حتى قال عطاء الخرساني: "فما رأيت باكيًا أكثر من ذلك اليوم وسمعتُ سعيد بن المسيب -سيد التابعين- يقول يومئذٍ: "والله لوددت لو تركوها على حالها؛ ينشأ ناشئ من أهل المدينة، ويقدم القادم من الأفق فيرى ما اكتفى به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حياته فيكون ذلك ممّا يزهّد الناس في الدنيا".
 وذكر الشيخ أبو سليمان في كتابه بعنوان (الأماكن المأثورة المتواترة في مكة المكرمة) أن عمر بن عبدالعزيز قام ببناء المساجد على كل موضع صلّى فيه الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولم يعترض عليه أحد من الصحابة والتابعين في ذلك الوقت. معتبراً أنه بهذا المفهوم الواضح البعيد عن الغلو والمبالغة، أو التجافي والتقصير، أو الإهمال تعامل المسلمون في الصدر الأول مع الآثار النبوية وكل ما يتصل بها استشعارًا لأهميتها، ولتبقى أثرًا بارزًا للأجيال التي لم تُحظَ بمشاهدتها.
وقال: "المحافظة على الآثار أمر مهم جدًّا في تاريخ الإسلام، وأقر ذلك التابعون في العصر الأول. فالإمام الشافعي -رحمه الله- يقول: ما من خير جاءنا ويأتينا في الدنيا والآخرة إلاّ ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم السبب الهادي لذلك، ولذلك يقول القاضي عياض وهو من علماء الحديث: من إعظامه صلّى الله عليه وسلّم وإكباره إعظام جميع أسبابه، وإكرام جميع مشاهده وأمكنته من مكة والمدينة، ومعاهده وما لمسه بيده.
وأضاف د.أبو سليمان وهو يصف مكة المكرمة بأنها بداية التاريخ ومهدُ الإسلامي وأرضُ الصراع بين الحق والباطل: إنها تحتضن تلك الأماكن التاريخية المهمة في تاريخ الإسلام، وهي سجل حافل لصفحات موثقة يتوارث معرفتها الخلف عن السلف في تسلسل تاريخ منضبط منذ ظهور الرسالة المحمدية، حتى الوقت الحاضر وحرص السلف الصالح (محدثون، فقهاء، مؤرخون، أدباء) منذ القرن الأول الهجري على تحديد تلك الأماكن تحديدًا للحدث، فللمكان إيحاءاته وإشعاعاته التي بقيت تراثا خالدًا عبر الأجيال المتعاقبة بأمانة وصدق دون أن تمس بسوء.
وعرض د.عبدالوهاب لذكر أن الأماكن المأثورة المتواترة حصل فيها التواتر العلمي والمحلي، فوردت في كتب المؤلفين في السيرة النبوية، والمدونات التاريخية المتخصصة في التاريخ المكي التي أراد العلماء أن يحددوها ويوثّقوها لنفي البدعة والخرافة وانتهت عند بعضهم إلى (25) موضعًا من (53) موضعًا عند مَن عدّها كذلك، وأن الأماكن التاريخية المتواترة في مكة المكرمة التي ثبتت بالتواتر العلمي والمحلي بعد دراسة وتمحيص وتدقيق في الآراء التي حملتها كتب الفقهاء والمؤرخين المكيين أثبتت مكان مولد النبي صلّى الله عليه وسلّم، ودار الأرقم، ودار السيدة خديجة -رضي الله عنها-، ومسجد الراية بالجودرية، ومسجد الجن، ومسجد الإجابة، ومسجد الجعرانة، ومسجد البيعة، ومسجد الخيف، ومسجد عرفات، ومسجد أبي بكر الصديق، ومسجد الفتح، وغار حراء الذي كان به مسجد في أعلاه.
وختم حديثه بالقول : إن الأماكن المأثورة تشكل تاريخًا مهمًّا ينبغي أن تظهر بالشكل الملائم الذي يليق بها، وقد زكّى هذا الرأي العديد من العلماء دون مغالاة أو مجافاة بالتبلد في الشعور، ومن الوسطية تعظيم كل ما عظمه الله، وتشريف ما شرفه الله