إزالة ملامح المدن المقدسة

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Jul 3 2012 | العدد :84 | عدد المشاهدات : 3155

إزالة ملامح المدن المقدسة

نسخة للطباعة
ليس ثمة شك أنَّ تدمير المواقع التاريخيَّة (الآثار) لصدر الإسلام, أصبحت ظاهرة في العصر الحديث، تحدث باستمرار في كثير من المدن. ولدينا في الحجاز وبخاصة في المدينتين المقدستين: مكة والمدينة. ويتركز هذا الهدم على المساجد والمقابر والأماكن التاريخيَّة التي لها علاقة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وصحابته عليهم رضوان الله, كما تقع معظم عمليات الهدم كجزءٍ من عملية توسيع المسجد الحرام والمسجد النبوي، لكي يتناسب مع الزيادة الهائلة في أعداد الحجاج كل عام.  
ونظرًا لأنَّ المملكة العربية السعوديَّة تعتبر مهد الإسلام, حيث تقع بها البقاع المقدسة في مكة والمدينة, فإنها لا تَعْتبر ضيافة الحجاج مسئوليَّة قانونيَّة فحسب، بل إنّه واجب ديني, لذلك يحافظ العاهل السعودي على التطور السريع لمكة والمدينة استجابة للزيادة السنويَّة في أعداد الحجاج الزائرين للأماكن المقدسة, لأنَّ الكثير من هوية السعوديَّة وسمعتها بين العالم الإسلامي تعتمد على هذا الدور, وبالتالي فإنَّ الحاجة لبناء مزيدٍ من المنشآت التي تستوعب أعداد الحجاج الضخمة, فضلاً عن أنها أحد أبرز اهتمامات السعوديَّة في الاقتصاد وزيادة الموارد.
أما المنتقدين لمشاريع التطوير وعمليات البناء الحديثة في مكة والمدينة فيقولون أنَّها محاولة سريَّة من السلطات الدينية السعودية للحد من الأماكن التي يزورها السائحون, بوصفها تدخل في الوثنية والشرك والبعد عن العقيدة الإسلاميَّة الصحيحة, وزعم هؤلاء أن تطوير مكة والمدينة يفسح المجال أمام الوهابيين داخل الهيئة الدينية في المملكة لهدم وتجديد المدينتين، ومحو كل ما يربط المجتمع بالماضي وعدم ترك أي فسحة للشرك والوثنية.

مواقع بارزة
جدير بالذكر أنَّ عمليات الهدم الأوليَّة للآثار بدأت في عام 1806, حيث تمت بشكلٍ منتظم العديد من الإنشاءات في مدافن البقيع, والذي يُعد أضخم المدافن الموجودة في السعودية بجوار المسجد النبوي, وفيه يوجد رفات العديد من آل البيت والصحابة والشخصيات المحورية في صدر الإسلام, وقد سُويت جميع الأضرحة التي شيدها العثمانيون الأتراك حول مقابر البقيع بالكامل, كما جرت محاولات لاستهداف بعض المساجد القديمة, ومن المؤكد أنَّ مثل هذه العمليات الأخيرة لاقت انتقادات واسعة النطاق من قِبل المجتمعات الإسلاميَّة.
وفي بداية القرن العشرين, كانت هناك حملة قويَّة ضد كل الآثار, حيث هُدمت في 21 أبريل 1925 الأضرحة والقباب في البقيع, كما كانت هناك مؤشرات لهدم مواقع معينة من بقية المواقع لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلالتهم, لكنها بقيت حتى يومنا هذا, ومن بين المقابر التي استهدف هدمها في هذا الوقت، هي مقابر شهداء غزوة أحد, بما فيها قبر حمزة بن عبد المطلب, عم النبي صلى الله عليه وسلم, ومسجد فاطمة الزهراء بنت النبي صلى الله عليه وسلم, ومسجد المنارتين, وقبة الثنايا (قبة بُنيت لموقع دفن أسنان النبي المكسورة في غزوة أحد).
وبعدما تحقق الاستقرار السياسي داخل المملكة بجانب تدفق الثورة النفطيَّة, كان من الضروري على المملكة أن تواجه الزيادة غير المسبوقة للحجاج, وذلك بحاجتها الماسة لتوسيع الحرمين في مكة والمدينة في عهد الملك عبد العزيز بن سعود ونجله الملك فهد, وقد استلزمت برامج التوسعة تجريف بعض الأحياء السكنيَّة، وبالتالي فقدان العديد من النماذج المعمارية التقليديَّة الرائعة, والأهم من ذلك لكي يتم توسيع المسجد الحرام في مكة, فكان لابد من هدم بعض الأعمدة والقباب في الأروقة التي بنيت في العصور العثمانيَّة، وإزالة نماذج رائعة من التصميمات التركيَّة.
وخلال هذه الحقبة في المدينة, هُدمت مشربية أم إبراهيم, منزل ماريه القبطية زوجة النبي محمد ومهد ميلاد ابنه إبراهيم, وقد سُوي المكان بالأرض، وهو في الوقت الحالي جزء من الساحة الرخامية الضخمة بجوار المسجد, وقد شهد العقد الأول من القرن الأخير الطمس والمحو الأكبر للمواقع التاريخيَّة البارزة, وقد بدأ الهدم (لم ينتهِ بعد) للمساجد السبعة الشهيرة في المدينة, ومنهم مسجد فاطمة بنت محمد, ومسجد علي ابن أبي طالب, ومسجد سلمان الفارسي, ومسجد أبو بكر, ومسجد عمر بن الخطاب, ومسجد الفتح, ومسجد القبلتين, بالإضافة إلى هدم بيت السيدة خديجة بنت خويلد, كما هُدم المنزل الذي وُلد فيه النبي محمد، وتم تحويله إلى مكتبة ومن المقرر هدمها كذلك داخل مشروع التوسعة.
وفي السنوات العشر الأخيرة شهدت مكة المكرمة والمدينة المنورة المزيد من عمليات الهدم للمواقع التاريخيَّة, ومع توافد الحشود الكبيرة من الحجاج عامًا بعد عام, فقد صار من الضروري على السلطات السعوديَّة إزالة مساحات واسعة من الأحياء السكنية حول المسجدين لإفساح الطريق للبنية التحتية المتصلة بالسياحة الدينيَّة.
وبدورهم, تناول المعارضون لهذه الظاهرة بشكل واسع, فبينما يعتقد العديد منهم أن فقدان الطابع القديم في المدينتين هو نتيجة حتمية للتقدم والتحديث التي تشتد الحاجة إليه، فإنَّ البعض الآخر يخشى أن البنايات الصلبة والخرسانة المواجهة، والتي ييتم إعادة تشكيل المواقع بها، يمكن أن تنتقص من روحانيَّة المدن.
نظرًا لأنَّ من المتوقع أن يصل زوار مكة المكرمة في الحج خلال الأعوام المقبلة, فمن المقرر أن يقوم المطورون بإنفاق حوالي 13 مليار دولار أمريكي في أكبر مشروع توسعة في تاريخ المدينة, فضلاً عن وجود توافق واسع النطاق بضرورة تطوير المرافق التي يمكن أن تستوعب أعدادًا أكبر من الحجاج مثل الفنادق والأبراج السكنيَّة الراقية، والمطاعم، ومراكز التسوق والمنتجعات الفاخرة, مما قد يسبب في انتقاد هذه المبالغة في الترويج عن البقاع المقدسة, والذي يعتبره الكثيرون ملاذًا ربانيًا للبشرية "حرمًا أمنًا".
ويعتقد الكثير من منتقدي هدم هذه الآثار الإسلاميَّة بأن التدفق السريع للاستثمارات الرأسمالية في مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ جعل المال والنمو الاقتصادي هو بيت القصيد بالنسبة للسلطات السعوديَّة في نهاية المطاف  

مُترجم ومختصر بتصريف من موقع "ويكيبيديا" عن موضوع هدم الآثار في السعودية.