الآثار في نظر الإسلام

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Jul 3 2012 | العدد :84 | عدد المشاهدات : 4846

الآثار في نظر الإسلام

نسخة للطباعة
في ظل تعدُّد وتنوُّع الآثار على امتداد الوطن العربي والإسلامي، فإن هناك العديد من التساؤلات التي تطرح نفسها فيما يتعلق بعلاقة الإسلام بهذه الآثار، وموقفه منها.
يأتي هذا في ظل ما قد يعتقده البعض من أن هناك الكثير من الآثار ما هي إلا أصنام، ولذلك يواجهها بالتحطيم والتكسير. غير أن من يرى خلاف ذلك يعتقدها فرية يتم ترويجها بحق الإسلاميين وتحديدًا السلفيين، وأنهم على الرغم من تأكيدهم على أن الآثار المصرية القديمة "الفرعونية" أشبه بالأصنام وأنها تماثيل، فإنهم ينفون تحطيمها أو العمل على تكسيرها، على نحو ما تردده بعض الوسائل الإعلامية.
ويؤكد علماء دين ومؤرخون، ومنهم آثاريون، أن القرآن الكريم دعا إلى التفكر والتدبر والسير في الأرض للنظر في سير الآخرين، وأخذ العظة منهم. غير أنهم أكدوا أن ما خلَّفه المصريون القدماء من تماثيل لا يتم عبادتها كما كان يحدث إبَّان الجاهلية الأولى، علاوة على ذلك فإنها يمكن أن تُتخذ للعظة والعبرة، خلاف أن منها ما هو آثار إسلامية، عبارة عن قلاع وحصون، كان يتم استخدامها للذود عن ديار المسلمين، كما كان يفعل القائد صلاح الدين في مواجهة التتار، مما دفعه إلى إقامة قلعتيه في كل من القاهرة ودمشق.
وفي هذا السياق، يُعرف أن مثل هذه الآثار تم تشييدها للدفاع عن المسلمين، والذود عن الديار الإسلامية، وصد هجمات المعتدين وجهادهم بمختلف السبل، حتى أصبحت الاستحكامات العسكرية من أربطة وقلاع وأبراج من عناصر الدفاع في المدن الإسلامية، ومن ثم مثَّلت جملة من الآثار الإسلامية، التي تقف شامخة ببعض الدول العربية والإسلامية.
فتوى دينية تثير جدلًا
وقبل عام تقريبًا أثير في مصر جدل واسع حول فتوى دينية للداعية الإسلامي الشيخ محمد حسان، وهو المحسوب على التيار السلفي، بخصوص تحريمه للتماثيل الأثرية، وأحقيّة المواطنين في الاستيلاء على ما يعثرون عليه من آثار في منازلهم، وهو ما أثار ردود فعل غاضبة في أوساط مسئولي الآثار المصرية.
وورد في نص هذه الفتوى ردًّا على أحد المستفتين أنه "إذا كانت الآثار في أرض تملكها أو في بيت لك، فهذا حقك ورزقك، ساقه الله لك، ولا إثم عليك ولا حرج، وليس من حق دولة ولا مجلس، ولا أي أحد أن يسلبك هذا الحق، سواء أكان ذهبًا أو كنزًا، أما إذا كانت تلك الآثار تجسد أشخاصًا فعليك أن تطمسها، لأن النبي نهى عن بيعها، ومن حَرُمَ بيعه حرم ثمنه، وأما إن كانت هذه الآثار في أرض عامة تمتلكها الدولة فليس من حقك أن تأخذها أو تهرِّبها أو تسرقها وتبيعها، فهذا حرام ومالُها حرام".
غير أنه لما أثارت هذه الفتوى جدلاً واسعًا في الأوساط المصرية المختلفة، أصدر الشيخ حسان بيانًا أعلن فيه تراجعه عن فتواه بجواز بيع القطع الأثرية التي يعثر عليها المصريون في منازلهم، أوفي أثناء حفر أساساتها.
واعتبر أن فتواه تم فهمها بطريقه خاطئة، وأنه لم يقصد على الإطلاق دعوة الناس إلى تكسير التماثيل وتحطيم الأصنام، وأنه تراجع عما ورد في أحد أجزائها، بعدما علم أن الحكومة المصرية أصدرت قوانين تمنع المتاجرة في الآثار باعتبارها ملكًا للإنسانية.
وعليه فقد أفتى الشيخ حسان مجددًا بعدم جواز بيع الآثار أو المتاجرة بها، و"على المواطنين التواصل مع الجهات الرسمية المختصة فيما يتعلق بالآثار، لأنها ملك للشعب، ليست ملكًا لأحد".
ويرفض الشيخ حسان ما وصفهم بمن يزايدون عليه. مؤكدًا: "أنا أحب مصر، ولا أريد مزايدةً من أحد على حبي لمصر، وأقدر دائمًا مصرنا الغالية". ومن جانبهم رحب مسئولو مجلس الآثار المصري بهذا التراجع. مؤكدين أنه في الوقت الذي انتقدوا فيه إطلاق مثل الفتوى "المجمدة"، فإنهم يرحبون في الوقت نفسه بكل ما يمكن أن يصدر عن أي شخص بما يمكن أن يدعو من خلاله إلى الحفاظ على الآثار وصيانتها، وإعادتها للدولة، ممثلةً في المجلس الأعلى للآثار.
تجريم تحطيم الآثار
وفي هذا الإطار، يجرّم قانون الآثار الجديد في مصر، والذي أقره مجلس الشعب "البرلمان" في شهر فبراير من العام الماضي، السماح للأشخاص بالتنقيب عن الآثار أو الاتجار فيها، وأن من يخالف ذلك يعرض نفسه للحبس سبعة أعوام.
وتحظر المادة الثامنة من القانون الجديد العبثَ بالآثار، حتى لو كانت مملوكة، ولا تسمح لأي شخص بامتلاك آثار، إلا بعد موافقة المجلس الأعلى للآثار، وفي حال إتلافها يتعرض لعقوبة الحبس لمدة خمس سنوات وغرامة تصل إلى 100 ألف جنيه.
رأى الآثاريين
ويطالب مسئولو مجلس الآثار المصري الدعاةَ بعدم إصدار فتاوى يمكن أن تدعو إلى تحطيم الآثار، أو الدعوة إلى التنقيب للأفراد، وهو ما يخالف القانون حسب تأكيدهم، على اعتبار أن الفتاوى الدينية بتحطيم الآثار وإتاحة التنقيب عنها للآحاد يخالف واقع القانون الذي يعتبر الآثار ملكية للدولة، وليس ملكية خاصة، حتى ولو عثر عليها المواطنون في قلب منازلهم، وتحت أساسها.
ويستندون في ذلك إلى أن ملكية المواطن لمنزله لا تزيد عن بيته، بينما ما يكون في باطن الأرض هو ملك للدولة، وعليه فلا يجوز لأي شخص الاحتفاظ بالآثار التي يعثر عليها في منزله، ليضمها إلى ممتلكاته الخاصة، أو يقوم ببيعها والاتجار فيها.
وفي هذا السياق، يحذر مسئولو الآثار المواطنين من مغبة الاحتفاظ بأي آثار قد يعثرون عليها أثناء حفر أساس منازلهم، "وإلا تعرضوا للمساءلة القانونية".
ويؤكد الأثري محمد عبد الفتاح، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار في مصر، أن الفاتحين المسلمين لمصر بقيادة عمرو بن العاص، رضي الله عنه، لم يتعرضوا للمواقع الأثرية التي شاهدوها، سواء الأهرامات أو تمثال "أبو الهول" أو غيرها، بأي سوء، "فلم يقوموا بتحطيمها، مادامت لا تُعبد من دون الله".
ويعيد عبد الفتاح التذكير بواقعة احتفاظ مفتي الديار المصرية الدكتور علي جمعة بمخطوطات في بيته، وأنه لما خشي أن تكون أثرية، فيخالف بذلك القانون، قام بإبلاغ مسئولي الآثار عنها، الذين شكلوا لجنة متخصصة لفحص هذه المقتنيات، حتى توصلوا إلى عدم أثريتها.
وفي هذا السياق، يقول: إن اللجنة أثبتت وقتها أن ما يحتفظ به المفتى هو مخطوط نسخة من كتاب "وصف مصر" المطبوع في باريس عام 1820، وليست له قيمة أثرية، وأنه نتاج آلات طباعة ولا يخضع لقانون الآثار.
ويستند محمد عبد الفتاح في ذلك على أهمية أن يحذَّر المواطنون من الوقوع في مغبة الاحتفاظ بقطع أو مخطوطات أثرية بدعوى أحقية الأفراد بملكيتها.
رئيس اتحاد الآثاريين العرب الدكتور علي رضوان، يؤكد أن الإسلام أمر المسلمين بأخذ العبرة عن الآخرين، والتفكر والتدبر في أحوال من سبقنا، "ولذلك فإنه لو كان هناك تحريم للإبقاء على هذه الآثار، لكان الأمر القرآني بتحطيمها أو الدعوة إلى تكسيرها، ولذلك لأن أخذ العبرة عادة ما يكون مما هو قائم".
ويقول د. رضوان: إنه لذلك فلا ضير أن تبقى مثل هذه الآثار في ديار العرب والمسلمين لأخذ العبرة والعظة منها، دون تحطيمها أو تكسيرها، أو نسمح لأنفسنا بالتنقيب عنها، ما دام ذلك ينبغي أن يكون في إطار مهام الجهة الرسمية، وهي المجلس الأعلى للآثار، خاصة وأن هناك قانونًا ينبغي الحفاظ عليه والالتزام به.
رأي ديني
فضيلة الشيخ الدكتور نصر فريد واصل، مفتي الديار المصرية الأسبق، يؤكد نفس المعنى السابق، وهو أن الإسلام دعا إلى التفكر والتدبر في الأمم التي سبقتنا، ولذلك فإنه ينبغي أخذ العظة والعبرة من أحوال أمثال هؤلاء.
ويعرف أن د. واصل كان من بين فريق ضم علماء المسلمين منذ أكثر من عقد سافروا إلى أفغانستان لحث حركة "طالبان"، التي كانت تتولى مقاليد الحكم حينذاك، على عدم تحطيم تمثالي بوذا، باعتبار أن ذلك إرث إنساني، ولا يجب تحطيمه مادام لم يُعبد من دون الله.
ويستذكر هدف الوفد الإسلامي وقتها إلى أفغانستان، وهو أنه كان يتركز في أن التماثيل التي تحاول طالبان تدميرها لا تُعبد، وبالتالي ليس وراءها فتنة على المسلمين، وإنما في تدميرها تشويه لصورة الإسلام وتأليب الرأي العام العالمي وبخاصة من يعتقدون فيها من البوذيين المنتشرين في العالم، والذين يقدر عددهم بأكثر من 300 مليون بوذي، ينتشرون في اليابان والصين وغيرهما