أصداء ميدان التحرير تتردَّد في جنبات نيودلهي

كتب بواسطة: حسن شعيب | في الجهات الاربع . بتاريخ : Jul 3 2012 | العدد :84 | عدد المشاهدات : 2181

أصداء ميدان التحرير  تتردَّد في جنبات نيودلهي

نسخة للطباعة
جيوتي توتام
ترجمة/ حسن شعيب

مثلما اعتصم المصريون في ميدان التحرير بالقاهرة, احتشد الهنود في ميدان رامليا بـ نيودلهي؛ دعمًا للاحتجاجات التي اندلعت في البلاد لمناهضة الفساد ومساندة المعارض الأبرز "آنا هازاري"، أحد الناشطين الاجتماعيين (74 عامًا)، في إضرابه عن الطعام حوالي أسبوعين, مما أجبر البرلمان على سَنِّ تشريعٍ صارمٍ لمكافحة الفساد وانتشار الرشوة بين مؤسَّسات الدولة.
وقد أشار الرئيس الأمريكي باراك أوباما, في اليوم الذي أُطيح فيه بمبارك عن السلطة, إلى أوجُهِ تشابه بين المصريين والجيل السابق من المحتجين الهنود, قائلا: "غاندي يقود شعبه إلى طريق العدالة"، وبالفعل انتفض كثيرون في كلٍّ من نيودلهي والقاهرة ربما للمرة الأولى في حياتهم, واستخدم المنتفضون في كلا الجانبين أسلوب التظاهُر والاعتصام السلمي.
لكن ربما لا يقبل بعض الهنود مقارنتهم بسكان الشرق الأوسط؛ حيث إنَّ الهند, على عكس مصر (أو تونس أو ليبيا), ظلَّت خالية من الديكتاتوريَّة منذ حصولها على الاستقلال. ويستدلّ الهنود على ذلك بتجربة أنديرا غاندي التي علّقت كثيرًا من الحريات المدنيَّة خلال عامين من حكم الطوارئ في منتصف السبعينات, إلا أنَّها عندما سعت في نهاية المطاف لنيل شرعيَّة التصويت, قُوبِلت برفض الناخبين الهنود بسبب الاستبداد؛ وبذلك تعرَّضت لهزيمة ساحقة في انتخابات عام 1977, لكنها وافقت على النتيجة, تحقيقًا للديمقراطيَّة.
ربما يحلو لبعض المدافعين عن الحكومة الهندية القول بأن حركة آنا هازار لمكافحة الفساد على وجه التحديد تعتبر تأكيدًا على أن الديمقراطيَّة الهنديَّة ما زالت قوية للغاية, إلا أنّ الهنود لم يقتنعوا حتى الآن بديمقراطيتهم, بل إنهم يشعرون بخيبة أمل ويشجبون بقوة الفساد اليومي المتغلغل داخل المجتمع, وهذا ما دفعهم إلى الاحتجاج ضد رجال الشرطة الذين لا بدّ من رشوتهم للحصول على تأشيرة, أو ضد الموظفين الذين يطلبون الرشاوى لصرف البطاقات التموينيَّة أو الإعانات الزراعيَّة.
وللتخفيف من ضخامة الفساد يطلق السياسيون على الفساد في الهند مجازًا بأنه "مشكلة تنفيذيَّة" كما لو كانت عقبة إداريَّة طفيفة يمكن التغلب عليها بالبطاقات الذكية البيومترية والماسحات الضوئيَّة, وهذا ما جعل الهنود يضيقون ذرعًا بالديمقراطيَّة الموجودة شكلاً وليست مضمونًا, مما أجبر الحكومة على مواجهة الحقيقة غير المريحة.
جدير بالذكر أنّ فضائح العام الماضي أقنعت أيضًا كثيرًا من الهنود بأنّ الفساد قد يذهب إلى أبعد من مجرد الرشوة الصغيرة للموظفين الذين يتقاضون أجورًا زهيدة, حيث هيمنت فضائح فساد بمليارات الدولارات في قطاعات الاتصالات والرياضة والتعدين على الساحة السياسيَّة في الهند في العام الماضي, كما واجهت الهند فضيحة أخرى مدوية, في ذروة أزمة الغذاء العالميَّة لهذا العام: فقد تَمَّ العثور على عدة أطنان من الحبوب المدعوم المخصصة للفقراء متعفنًا داخل المستودعات, وبذلك لا يمكن للجائع أن يأكله, حتى عندما يكون هناك ما يكفي من الغذاء.. شكرًا للحكمة الفاسدة.
قد لا يكون الهنود يناضلون من أجل الإطاحة بالديكتاتور, إلا أنهم يشاركون العالم العربي تَوْقَهم وشوقهم للكرامة, وفقًا لما أشارت إليه افتتاحية "كريستيان ساينس مونيتور" حول هذه النقطة التي ينبغي تطبيقها على كلا الجانبين: إنها الكرامة, حيث تقول: "لا يمكن للحكومة المضي قدمًا بالبلاد, إذا كان القادة والزعماء لا يقدرون ولا يرون أي قيمة للشعب, ولا يجدونهم جديرين بها".
وبرغم هذه الديمقراطيَّة المزعومة في الهند, فإنّ المواطنين يعانون بذلك نوعًا مختلفًا من المهانة, قد تشبه إلى حدٍّ كبير ما يتعرض له شعوب الأنظمة القمعيَّة, مثل الموجودة في تركمانستان أو زيمبابوي حينما يتمّ توريطهم وإشراكهم في نظام فاسد وغير أخلاقي, بحيث لا يملك الشعب هناك أي اختيار, وبرغم أنّ هذا التواطؤ على الفساد في الهند أصبح من المستحيل مقاومته حتى داخل الدولة الديمقراطيَّة, إلا أنّ الأمل في التغيير سيظل باقيًا, لذلك فقد طلب هازاري من أنصاره بعدما أنهى إضرابه يوم 28 أغسطس, ألا يدفعوا الرشوة مرة أخرى أبدًا, ويبدو أنّ النضال من أجل تحقيق الكرامة للشعب الهندي قد تكون بدايته من هنا