الروائيّة سهام مرضي : أكتب .. لأنهم حرَّموا «صوتي»

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في حوار . بتاريخ : Jul 3 2012 | العدد :84 | عدد المشاهدات : 2093

الروائيّة سهام مرضي : أكتب .. لأنهم حرَّموا «صوتي»

نسخة للطباعة
واثقةٌ حدّ الإيمان بقدرتها على الكتابة والإبداع. بينها وبين المعنى تحدٍ، وعندما تصل أقصى حالتها الشعورية فإنها تُسكنها الشعر بكل صوره، والكتابة هاجسها الأول والأوحد. تملك نفسًا طويلاً لانتظارِ النُضج والنجاح، ومع إدراكها بأن الطريق طويل فهي سعيدةٌ بالسير البطيء.
سهام مرضي، روائية سعودية تأتيك بالمعنى ناضجًا، وتقدمه لك في قالبٍ من اللغة فريد.
حصدت روايتها الثانية في المملكة العربية السعودية (حين رحلت) مكانها بين أكثر الكتب مبيعًا في المعرض الدولي للكتاب بالرياض، ولكنها حتى الآن لم تحظ بالفسح في الداخل السعودي.
"الإسلام اليوم" التقتها في حوار خفيف تُطلعكم من خلاله على ما يجري في تخوم الكتابة.
 ما الذي يجعلُكِ كاتبةً أوّلاً؟
حسنًا؛ لأنني لا أملكُ جناحين، ولأنّهم حرّموا صوتي، ولأنني أشعُر، ولأنني - على ما يبدو- أريدُ أنْ أقول شيئًا.
 كيف تبدأ لحظةُ الكتابةِ لديكِ؟
كما يبدأ الجرحُ، والسؤالُ، والخيبةُ، والحبُّ، والألمُ، والخيالُ، والخَلق! الكتابةُ هيَ كل ما سبق، وهي لا تنتظرُ  مطرقةً على البابِ كطفلٍ للتوّ علّمتهُ أمّهُ آداب الزيارة، إنّها تأتي متى شاءت كحاكمٍ عربيّ تعدُني باحترام مواعيدِ نومي، وسعاداتي المُستقطعةِ من زحمةِ الآلام، ثم لا تنفذُ من وعودها إلاّ أن تعطيني وعودًا أخرى جديدة، وتأخذ بيعة منّي لم أوافق عليها. الكتابةُ حالةٌ وجدتُ نفسي فيها، وليست لحظةً أختارُها بعنايةِ امرأةٍ ترتّب شُموعها انتظارًا لحبيبها، لَم تكنِ الكتابةُ يومًا بذلك الذوقِ معي، إنها تُشبهُ الشر الذي لا بُد منه، والصديق الذي يسكبُ الماءَ في وجهِك في عزّ نومِك ليُريكَ قميصَهُ الجديد!
 هل تفعلين الكتابة للإبداع أم للمواجهة؟
لحظة منْ فضلِك، وهل كان الإبداعُ سوى مواجهة لشبحِ القُبحِ الذي يجتاحُ حياتنا؟! إننا بالكتابةِ نمشي باتجاهِ الإبداع، في زمنٍ لم تعدِ المعاني هيَ المُلقاةُ على الطّريق كما كانت أيام الجاحظ، بل بات الإنسانُ هو المُلقى على الطريق، جثث الدافعين لثمنِ الحُرية، ودماءُ الظامئين إلى وطنٍ سرقهُ منهم اللصوص، ثُمّ سجنوهم جميعًا بدمٍ كذب ورصفوا بحياتهم طرقاتِ المدينة، وعلّقوا موتهم على مشانقِ الصمت، فكيف بربّك لا يكتبون، وكيفَ بربّك لا يُدمنون الكتابة؟! لسنا يا عزيزي في دعةٍ من الحريّة لنكتب للإبداع وللترفيهِ والمتعة، مازالَ الوقتُ مبكرًا لنجلس على أرجوحةٍ بشاطئ ذهبي، ونُطلق العنان لالتقاطِ فكرة حالمةٍ وماتعةٍ وملوّنة، الرّمادُ والموتُ اليوميّ والسّحلُ والفسادُ والجوعُ والفقرُ بإمكانها أن تصنع من الحجرِ كاتبًا هُنا، فيا لسعادةِ الكتابة!
  هل تفكّرين بالقارئ؟
إنّ الذي يقودُ خيلاً جامحةً ولا يملِك سرجًا في الثانيةِ بعد مُنتصفِ الليل، لا يُفكر سوى في كيف يصلُ إلى نهايةٍ تتوقفُ عندها لحظةُ الكتابةِ ومازال على قيدِ الوعي. أفكّر في القارئ حين أرغبُ في النّشر، أهذّبُ النّص كثيرًا من أجله، وأطرّزهُ كفستانٍ سأحضُر بهِ مناسبةً عامة فيها نساءٌ كبيراتٌ يُكثرن اللمز، وتتبعَ الزلاّت، القارئ مسؤوليةٌ، يكذب مَن يقلّل من قيمتها، فلمن نكتب إن لم يكن هُناك قارئ نبحثُ عنه، ونهتم لرأيه، ونطربُ لثنائه.
 هل تفترضين أن ثمّة سُلطةً تجبُ إدانتها؟
في ظلّ كل هذهِ السلطات الخانقة لا أتوقع أنه يُمكننُي أن أجلس مُسترخيةً في طرفِ غُرفتي لافتراض سُلطةٍ جديدةٍ عليّ إدانتُها، فأنا مُحاطةٌ بجيشٍ من السُلطات – لحُسن حظ الكتابةِ – أنها كلّها بلا استثناء تُدينُني، أنا كأعزلٍ فقدَ صوتهُ في ساحةِ حرب، وقطعوا إصبعهُ الذي يُشيرُ بهِ إلى قاتله، فاستلّ بقيّة أصابِعه ليكتُب!

 هل لكتابتكِ إطار محدود أم أنها تأتي دون حدود؟
إن كنت تقصد الإطار الفنّي فأنا أفضّل الرواية؛ لأنها تخلقُ لي المساحات الواسعة في البوح والاستفاضة، لكنّني أميلُ إلى تحدي المعاني والزيادة في الاحتفاء ببعضِ حالاتي الشعورية، فأسكنها وطن الشّعرِ العمودي والحر، وسابقًا كتبت القصيدة العامية، ولديّ قصائد أحبّها وأحتفظ بها.
 هل يؤرقك هاجسُ النشر والانتشار؟
ليس إلى الدرجة التي يُحولُني فيها إلى بهلوان يتقافز في الأقنيةِ الإعلامية. أثقُ تمامًا في قُدرتي على الكتابة، وفي نَفَسي الطويل على انتظارِ النُضج والنجاح، وأعرفُ أن الطريق طويل، وأنني سعيدةٌ بمجرد المشي بتؤدة، إن كان ما أكتُبُه جيّدًا فسيصل، ولا أغامرُ بأن يسبق وجهي صوتي، ولا سُمعتي قُدرتي وسطوري، وحدها الكتابة هاجسي ووحدها تؤرقني في الحقيقة.
 هل تهتمين بصدى الكتابة أكثر من فعلها؟
أنا أكتُب لأتنفس، وأكتب لأحلّق، وأكتبُ لأحيا حياةً أخرى، حياةً تبقى بعد موتي،  إنني أحققُ وجودي من خلالِ الكتابة؛ لذلك أنا أركزُ على فعلِ الكتابة، وأحترقُ لأكتب بشكلٍ يُدهشُني أنا أولاً، لكنني حين أنشر أهتم بصدى الكتابة، لكنه يبقى اهتمامًا لا يُقارنُ بفعل الكتابة نفسها.
 هل يبدو مؤثرًا حجم قول الناقد فيما كتبتِ؟
لو كان سيؤثر سلبًا لتوقفتُ عن الكتابة منذ أول قصيدة مكسورةٍ كتبتها في أمي يومًا، فلقد تلقيت على هذه القصيدة أكبر مهرجان سُخرية في حياتي، لكنني وعوضًا عن تقطيعها علّقتُها كتميمةٍ على بابِ غُرفتي وذيّلتها بلقبِ الشاعرةِ والكاتبةِ والأديبة سهام!
النقد فعلٌ تكاملي مع الإبداع بكل أنواعه وفي غيابه يتوقف الإنتاج ويقتل الغرور حافز الكتابة، أهتمّ جيّدًا بكل ما يُقال عمّا أكتبه، وأحاول باستمرار معالجة نصوصي، وآخذ بالملاحظات والتوجيه، وأفرحُ كطفلٍ بأيةِ إشادة أو تشجيع.
 لماذا في العمل الأخير "حين رحلت" بدت المرأة لديكِ سلبية أو سِلعية بعض الشيء تُفكر بالغريزة أكثر من غيرها؟
هل كانت الرواية يومًا سوى حكاية واقع ما، وهل كان الروائي يوما بمعزل عن مجتمعه؟ هيَ هكذا فعلاً، المرأة لدينا في الأغلب سلبية، اعتقدت من حيثُ تدري أو لا تدري أن طريقها للرجل وامتلاكها له بطريقته هو، الرجل عندنا هو الذي صنع المرأة، وهو الذي سنّ قوانينها، وشكّل وجودها، ومدى سلطاتها. أنت لا تتحدث عن امرأة يابانية ولا استرالية ولا أمريكية، أنت تتحدث عن امرأة سعودية وجدت نفسها مجرد تابعة للرجل، وانعكاسًا لصورته، إذًا الرجل ابتداءً هو الذي سلعها، وهو الذي اشتراها أيضًا، وإن كانت الصورة أو السؤال بهذا الشكل يبدو مُغالطًا للحقيقة أو للبطلة في العمل، فلم تحضر الغريزة بشكل سلعي إلاّ لدى صديقة البطلة، ولم تكن أمرًا مستحسنًا ولا سباقًا محمودًا، دائمًا كانت النساء في العمل يجدن أنفسهن في دائرة الجسد، رغم محاولات الهرب منها إلى عالم أرحب، ويبدو لي أن هذا مازال قَدر المرأة عندنا وفي الثقافة الشعبية كلما حاولت أن تتمرّد أو تكسر قيدًا ما ضد إنسانيّتها فإنها المدانة الأولى والأخيرة، سواء تمكنت من النجاح في قضيتها أم لم تنجح.
 ألا ترين أن العنوان في الرواية الأخيرة "حين رحلت" قد قتل مضمونًا كبيرًا وكثيرًا فيها من خلال وضعه في خانة الفعل الشخصي: الرحيل؟ لماذا كان العنوان بهذه الطريقة؟
الرحيل كان رمزيًّا أكثر من كونهِ إشارةً إلى فعلِ الرحيلِ المجرّد، فهو مقارنة بين رحيلين، رحيلٍ حقيقي للبطل إلى حيثُ يعيشُ الحرية، ورحيلٍ لروح الإنسانية والحقوق والهواء الطلقِ والوجود المستحق لإنسانِ هذا الوطن، لَم يبقَ منهُ سوى الاسم، فهو وطنٌ بالإيجار، يرمي لأبنائهِ الفُتات، ويقبّلُ جبين اللصوصِ والطُغاةِ كل صباح، وطنٌ لا نملكُه هُو وطنٌ رحلَ بشكلٍ أو بآخر وكان على البطلةِ أن تصرخ للبحثِ عنه، لإيصال صوتها إليه، لكنها لم تجدهُ حتى الساعة رُبّما سرقُوا أذُنَهُ هيَ الأخرى! العنوان لم يكن رومانسيًّا، ولا يحملُ دلالةً شخصية بقدرِ ما هي رمزية لرحيلٍ أعمق، رحيلٍ يمتصُ أرواحنا، ويقذُفنا إلى الخواء كما ورَد في أحدِ سطورِ العمل، على أنّ الرّحيل الرمز كان اختيارًا إجباريًا أتحاشى بهِ سطوة الرقيبِ الذي يكتفي بطرد عمل من عنوانه؛ لأنه لا يملُك وقتًا ليقرأ، ولو امتلك فإنه لا يملك وعيًا كافيًا ليتعامل مع المعرفة على أنها باتت ملكًا للجميع، وأن الجدران لم يعد لها آذانًا بل ألسنة، وأنا كأي كاتبة شابّة أطمع في رؤية روايتي في مكتبات محلية، فوجدتُ نفسي أشوّهها بشكلٍ ما لتُرضي رقيبًا مشوّهًا بطبيعة الحال؛ فقد كان عنوانُ روايتي "حيثُ لا وطن"، واضطررتُ إلى تغييرهِ قبل دقائق من النشر؛ لأنني أردتُ أن يقرأني السعودي أولاً، ومع ذلك مازالت لم تُفسح محليًّا حتى الآن.
 ربما كانت قيمة الجنس عالية في الرواية. لماذا يتم الاعتماد غالبًا في الرواية السعودية النسوية على هذا الأمر؟
سأقُولُها لك بصراحة: من أرادَ أن ينزعَ الجنس من جسدِ الرواية، أو العملِ الفنّي والإنسانيّ فعليهِ أن يبحثَ عن مكتبةٍ في كوكبٍ آخر، وعليهِ أن يقرأ لكائناتٍ أخرى غير البشر، لَم يكنِ الجنسُ يومًا سوى جزء من تركيبة الإنسان والكتابة والإبداعِ بكل أشكاله، لست فرويدية أبدًا، وإنما أعتقد أن الذكاء يكمُن فقط  في كيفية وجوده مع عدمِ الابتذال، وفي كيفية خدمتهِ للنّص لا وقوعهِ كعبء عليه، أو تحويلهِ إلى نص مُخلٍّ بالذوقِ العام.
 كان هناك اجتياز أحمر لخطوط دينية في الرواية. لماذا يتكرر السؤال هذا إزاء أغلب الروايات العربية؟
أولاً هي حكايةٌ على لسان شخصياتٍ لا نزمعُ أنها فضائية، وبالتالي التجاوزات التي تحدثت عنها هي جزءٌ من النسيج الديني في المجتمع، مجتمعٌ مازال الدينُ فيهِ هو الأولوية، والصراعاتُ المذهبية أو الإثنية مازالت إحدى خصائصهِ المؤثّرة في كل قضاياهُ وحكاياتهِ ووجوده. تحدثت الرواية عن مجتمع ديني بالكامل، وليس عن آخر علماني أو لا ديني، وبالتالي من الطبيعي أن تكون هُناك خطوط حمراء، ومن الطبيعي أن تُقاربها الشخوصُ والسرد أو تتخطّاها، ذلِك أنّ الخطايا نزلت بآدم من الجنة، وذلك أننا ما زلنا حتى هذه اللحظةِ على الأرض، ولم يقُل أحدٌ حتى الآن إنّ الملائكة تُوزّعُ الورود والبركاتِ على رؤوس السعوديين بشكلٍ عام.
 هل يمكن أن تدرجي قائمة مراجع لما تكتبين من رواية، أم أنها اعتماد الخيال والذاكرة وحدهما؟
حينَ أكتُب بالتأكيدِ في داخلي عشراتُ الروايات التي قرأتُها أو تأثّرتُ بها يومًا، لكنّني في النهايةِ أكتبُ روايتي أنا، بوجهة نظري، وبشخصيّاتي التي تتمرّدُ حينًا وأكبتها حينًا، وتتجاوزني في بعضِ الأوقات، فأجدني أطاردها، وفي كل الحالاتِ شيءٌ يُشبهُني هُو العمل؛ لأنه خيالي ولأنها ذاكرتي، ولأنني أختلقُ الآخرين وأسرقُ حكاياتهم.
 يقول (لوكاتش):" إن أهمية أيّ كاتب تكون بالنظر إلى  الرؤية الكلية لديه، وبالفروق الفردية التي تميزه من غيره من الكتاب. ما مدى انطباق هذا الرأي على عمليك المنشورين أو تلك التي تنتظر؟
بالنّسبِة للنظرةِ الكُلية، أعتقدُ دائمًا أنني بالكتابةِ أغتسلُ بشكلٍ أو بآخر. إن الكتابة تطهيرٌ لي من آثامٍ ألصِقُها بأبطالي، وتطهيرٌ لي مِن شعورٍ تحدّيتهُ فكتبتهُ وكشفتهُ، فاكتشفتُ كم كان صعبًا لتُمسكهُ لحظة الكتابة، إنني بالكتابةِ أسجّلُ موقفًا من الوجود، وأقتربُ أكثر من الإنسانية، وأحتمي من لعنةِ الصّمت والخَرس، وأعلّقُ جثامين جراحي لتجفّفها شموسُ القُرّاء فتعودُ كائنًا حيًّا من غيرِ سوء، تعيشُ في أذهانِ القُرّاء حيواتٍ أخرى وترتدي ملابس تجدها في خزائنهم الاحتياطية، ويطرُدها بعضهم، ويرقُص معها آخرون.
وبالنسبة للفروقُ الفردية، أثقُ تمامًا في امتلاكي لخطٍّ كتابيّ يميّزني، ومن يقرؤني باستمرارٍ لن يأخذ وقتًا طويلاً قبل أن يعرفني، قد لا يكون فرقًا يعني الأفضلية، لكنهُ فرقُ يميّزني على الأقل.
 هل تتفقين مع الرأي الذي يقول: إن الرواية هي الفن الأكثر ملاءمة للقرن الحالي، خاصة وأنت تمارسين كتابة القصة القصيرة أيضًا؟
نعم بكل تأكيد، إن الرواية هي الفن الأكثر ملاءمة لحياتنا اليوم، لم يعد عصر فصاحةٍ ولا معلقات ولا زخارف الكلام. التقنية الحديثة جعلتنا محتاجين باستمرارٍ إلى حياةٍ إنسانية وحميميّة وحقيقيّة أكثر نخلقها في الرواية ونعيشُها، وتفسرنا وتقتربُ منا، وتتحرّك في أعماقنا كوطنٍ وكمناف. الرواية باتت ضرورة في بعضِ الأحيان، وخصوصًا في المجتمعات التي تغيبُ فيها حرية الرأي وتُكمّم فيها الأفواه، وتتعملقُ الخرافات، ويصبح التقليد والعرفُ قانونًا، تتخذُ الرواية دروبًا سرية إلى اختراقِ كل هذا النسيج والقيود، لتتلمّس الإنسان والهمس والحكايات المحرمة، وتتسلل من تحتِ الأبوابِ الُمغلقةِ لتُخبرنا عنهم/ عنّا، لذلك أجد الرواية أقرب إلى نفسي من الشّعر ومن القصة القصيرة وأكثر تعبيرًا عن مرحلة ما في تأريخنا الحديث مِن كتابٍ أكاديمي تاريخي.
 هل يمكن أن نقول أن ثمة موضة كتابة روائية نسائية في السعودية؟
بالتأكيد أن الكتابة النسوية السردية على وجه التحديد تضافرت كطفرة في السنوات الأخيرة، وكصمتٍ كان مقبورًا ففتحت إحداهُن جزءًا من مقبرته، وحين أبصَر النّور أغراهُ إلى الدرجة التي لم يخرج فحسب، بل بات يُثرثر كثيرًا وفي كل شيء باسم الأدب النسوي، أو المنجز الإبداعي النسوي. هو ظاهرةٌ صحية ابتداءً لأنه مع الوقت ستصمد الأقلام التي تستحق، والتي تمتلك الموهبة والإبداع والمعرفة، وسيسقط القارئ بطبيعة الحال تلك التي تتخذ الرواية مجالاً للثرثرة اليومية والقفز على قيم المجتمع، وتعتقد أن النجاح يعني أن تقفز على التابوهات بصبيانية ونزق، لقد مرّت دهشةُ التمرّد الأولى وأحدثت فعلاً قرائيًّا لا بأس به، لكنّ الصوت الواثق المثقف الواقعي هو وحده الذي ينجح، كما فعلت طوق الحمام في البوكر برزانة وثقة وتاريخ رجاء عالم.
 ماذا عن الرواية عمومًا. عالميًّا. وعربيًّا. ومحليًّا. من يستوقفك أكثر من كل الأقاليم السابقة؟
أقرأ كل ما يقعُ تحت يدي من روايات، بعضُها قادرٌ على الإمساك بتلابيب دهشتي حتى النهاية، وبعضها أكون قد كوّنت فكرة كاملة عنها من الصفحات العشر الأولى. عالميًّا وقعت في غرام سطور الكاتب المكسيكي كارلوس فوينتوس في روايته "الغرينغو العجوز" ورسول حمزاتوف في روايته "بلدي"، عربيًا أتابع ابراهيم الكوني الروائي الليبي  وفضيلة الفاروق الروائية الجزائرية باهتمام بالغ، ومحليًّا أجدني بقوة في روايات محمد حسن علوان، وفي الحقيقة محليًّا أتابع كُلّ ما يُكتب في فن الرواية بدون استثناء