خيري شلبي : الحكّاء وتد الرواية المصرية

كتب بواسطة: محمد سيد بركة | في متابعات . بتاريخ : Jul 3 2012 | العدد :84 | عدد المشاهدات : 6358

خيري شلبي : الحكّاء وتد الرواية المصرية

نسخة للطباعة
كنت على وشك الالتحاق بالجامعة منذ ما يزيد عن الثلاثين عامًا حين بدأ الوعي يتفتح لدي، وولجت عالم القراءة، وذات يوم وجدت عند بائع الصحف كتابًا جذب انتباهي، عنوانه: "الأوباش"، للكاتب: خيري شلبي- الذي غيبه الموت فجر الجمعة التاسع من شهر سبتمبر 2011 م عن عمر يناهز 73 عامًا إثر أزمة قلبية حادة- فاشتريته وأخذت في قراءته فأعجبني أسلوب الكاتب في روايته الجميلة هذه، وما جذبني أكثر أن الطبقة التي تحدث عنها في الرواية كانت تأتي إلى قريتنا في بعض مواسم الحصاد وجني القطن وتطهير الترع والمصارف من الحشائش التي كانت تعوق جريان الماء فيها.
في هذه الرواية، والتي صدرت للمرة الأولى عام 1978م، يكشف الكاتب خيري شلبي صفحة من أسرار ريف دلتا مصر في بدايات الخمسينيات من القرن الميلادي المنصرم، حيث ينسج عالم واسع الثراء وبلغته التي تعرف هؤلاء الفلاحين، وتنتمي إليهم، وتقبض على حقيقتهم، يحكي لنا خيري شلبي ما طال الفلاحين من قهر السلطة ومكرها، وفساد الأفندية الذين يعملون من أجلها.
في "الأوباش" التي كانت بوابتي للدخول في عالم خيري شلبي فيما بعد، يأسر خيري شلبي كلًّا من أبطاله وقرائه بحكايات أخَّاذة، وتحقيقات رسمية، وشكاوى كيدية، ونمائم لا تنتهي. فيصحبنا جميعًا إلى عالم ساحر نود لو بقينا فيه رغم ما فيه من آلام.
كان خيري شلبي - يرحمه الله - رجلًا ظريفًا جدًا، ضحوكًا جميلًا، مشاغبًا فوضويًا وبعفوية ممسوكة جدًا، الباشا المتمسكن بمهارة وببعض من عبثية تعيش الفكرة وتثير فرحًا في مجالسه ولقاءاته... "بورتريه" روائية أدبية أخرى يخسرها الوسط الثقافي، وهو الذي اشتغل على تقديم بورتريهات لمائتين وخمسين شخصية من فاعليات مصر في جميع المجالات الأدبية والفنية والسياسية والعلمية والرياضية، على امتداد أجيال ثلاثة، من جيل طه حسين إلى جيل الخمسينات والستينات.

أنس الحبايب
قبل رحيله بشهر تقريبًا أصدرت هيئة الكتاب المصرية الكتاب الأول من السيرة الذاتية له، بعنوان: أنس الحبايب، معتمدًا على حُجة قوية من وجهة نظره، تصدرها في مقدمة عمله، وهي أنه لم يلجأ لكتابة السيرة من باب مواكبة الموجة، أو من باب التفاخر، ولكن كراويةٍ تحكي حياة طفل بقرية شباس عمير بمحافظة كفر الشيخ، مرورًا بمراحله العمرية والدراسية المختلفة، وكيف أثرت تلك البيئة على حياته الثقافية والأدبية.
وكعادته، اعتمد خيري شلبي في سرد سيرته على طريقته السهلة البسيطة في تجسيد علاقته بالحيوانات وأهل بلدته، وكيف كان هؤلاء الناس البسطاء يؤمنون بأعمال السحر والشعوذة، حتى استحوذ ذلك التفكير على جزء كبير من حياتهم، متحدثًا عن لجوء أهل البلدة للعرَّافين وفتح المنديل عند حدوث سرقات في القرية.
كما يتحدث عن العوامل التى غذت بذور الحكاية عنده منذ الطفولة، حيث كان والده شاعرًا ومن ظرفاء العصر، وصاحب خيال خصب وتعبيرات لافتة، كما كان يستمع إلى حكايات النساء المسنات عندما يتذكرن أيامهن الخاليات، ويرافق عمال التراحيل الذين تناول سيرتهم في روايتي "الأوباش" و"السنيورة"، واستطاع من خلال احتكاكه بهذا العالم اكتشاف لغة جديدة مستوفية شروط الكتابة، تؤلِّف بين اللغة المنطوقة والمكتوبة، وقد استفاد من أربع مدارس أسلوبية لها رصيد في اللغة، وصنعت تصالحًا مع العامية، وعلى رأسها المازنى، ويحيى حقي، وعبدالرحمن الشرقاوي ويوسف إدريس.
صورتان تظهران في مواجهة المكتب الذي يجلس عليه في منزله. الأولى ليحيى حقي، والثانية لنجيب محفوظ. الأول يقول عنه: هو والدي الروحي.. يحي حقّي من أكثر الرواد تأثيرًا فيّ معرفيًا ولغويًا، وأسلوبيًا، وأيضًا من خلال الروح المصرية الحقيقية التي أنْعشَها في أبناء جيلي. ويضيف: أما محفوظ، فهو مؤسس فنّ الرواية في الثقافة العربية ورائد التكنيك الروائي. أعدّهما تميمة. عندما يصيبني الإحباط، أرفع رأسي فتقع عيناي عليهما، فاستمد منهما طاقة معنوية وقدرة على المقاومة، لأنّني أتذكر ما قدّماه لحياتنا الثقافية. وإن استمر إحباطي، أعود إلى أشعار فؤاد حداد، فهو كشاعر يملأكم قدرةً على المقاومة.

البداية
وُلِدَ خيري شلبي في 31 يناير 1938 في قرية شباس عمير، أكبر قرى مركز قلين بمحافظة كفر الشيخ المصرية (150 كيلومترًا شمال غرب القاهرة).
كان والده رجلًا سياسيًا ناشطًا في حزب الوفد وخطيبًا مفوهًا، اعتُقل أكثر من مرة. وهو سليل أسرة عريقة بالمناصب الكبرى والألقاب. يقول خيري شلبي: المؤكد أنني كنت سأصبح كاتبًا لأنّني ورثت الإحساس باللغة من والدي الذي كان شاعرًا وسياسيًا محبطًا، كما أن عائلتي كان فيها أكثر من عالم أزهري. لكن لو استمرت ظروف عائلتي الاجتماعية على ما كانت عليه، باعتبارها من الطبقة الوسطى العليا، لتغير ربما طريق التعليم بالنسبة إليَّ وتغيرت ثقافتي. كان تكويني سيتخذ اتجاهات أخرى، فتأتي تجربتي مختلفة. بالتالي، العالم الذي أصوره كان لا بد من أن يتغير. ربما كنت سأقدّم عالمًا آخر… أرقى طبقيًّا..
بدأ تعليمه في مدرسة القرية، ثم في معهد المعلمين العام في دمنهور، واستكمل دراسته الثانوية والجامعية في الإسكندرية، وفي أثناء الإجازة الصيفية كان يعمل في أراضي الإصلاح الزراعي، ومع عمال التراحيل، كما عمل في مهن كثيرة، مثل بائع خردوات وأدوات منزلية، ثم عمل مندوبًا لشركة، ثم قهوجيًا في مقاهٍ عديدة، (أشهرها قهوة إبراهيم الطنوبي).
تحدث خيري شلبي في كتابه "أنس الحبايب"، عن التحاقه بمدرسة عبد الله النديم عام 1944 وحصوله على الشهادة الابتدائية، وعن الشخصيات التي أضاءت أيام طفولته وصباه، ويتحدث أيضًا عن عائلته وأهل بلدته، كما يتناول ثورة يوليو، وكيف أثرت في إدراكه ووعيه بما يدور في البلاد وفي الدنيا، أيضًا يتحدث عن ذكرياته مع الأدب، والكتب التي سحرت خياله، ومنها: "ألف ليلة وليلة"، التي جعلت الكاتب يتخيل خروج "النداهة" له من بين صفحات الكتاب، ويتحدث كذلك عن الحكايات والطرائف والأمثال والفلكلور الشعبي، ويحكي عن لجوء أهل البلدة للعرَّافين وفتح المنديل عند حدوث سرقات في القرية، كما يتناول كتابته للقصة التي وصفها بالرومانسية، ويحكي كيف أعطاها لصديقه إسحاق ليأخذ رأيه فيها، وعن أساتذته في معهد المعلمين العام في مدينة دمنهور
بالبحيرة، ثم التحق بمعهد السيناريو لمدة عامين واتجه بعدها للقاهرة.
بدأ مشواره بالكتابة في أواخر عام 1967، حيث عمل في مجلة الإذاعة والتلفزيون، وكتب فيها النقد المسرحي إلى جانب المراجعة اللغوية، ثم ترأس مجلة الشعر الصادرة عن وزارة الإعلام المصرية لعدة سنوات، قبل أن يقوم بتدريس تاريخ المسرح المصري المعاصر بمعهد الفنون المسرحية كأستاذ زائر، وبعد ذلك تولى رئاسة تحرير سلسلة مكتبة الدراسات الشعبية، وقبل رحيله كان يشغل منصب "مقرر لجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة"، التابع لوزارة الثقافة المصرية، كما كانت له مقالات صحفية في العديد من الدوريات الثقافية والصحف المصرية.

باحث دءوب
 وإنتاج غزير
استهوته كتابة الأغنية الشعبية لفترة، ثم انصرف إلى القصة القصيرة والنقد الأدبي، حيث تتلمذ على يد محمود كامل المحامي ويوسف السباعي وإبراهيم الورداني وإحسان عبد القدوس، ويحيى حقي ومحمود البدوي ويوسف إدريس ومحمود السعدني ويوسف الشاروني. لكن مَثَلُه الأعلى في الكتابة كان طه حسين.
وفي فترة السبعينيات من القرن الماضى كان خيري شلبي باحثًا مسرحيًا، اكتشف من خلال البحث الدءوب أكثر من مائتي مسرحية مطبوعة في القرن التاسع عشر وأواسط القرن العشرين.
كما أن خيري شلبي هو مكتشف قرار النيابة في كتاب الشعر الجاهلي؛ إذ عثر عليه في إحدى مكتبات درب الجماميز، المتخصصة في الكتب القديمة، ولم يكن كتابًا؛ بل كراسة محدودة الورق متهرئة، ولكنها واضحة، وعليها توقيع النائب العام محمد نور، الذي حقق مع طه حسين في القضية. وكان المعروف إعلاميًّا أن طه حسين قد استُتيب لتنتهي القضية، وبظهور هذا القرار النيابي اتضحت القضية، واتضح أن النائب العام حفظ القضية لعدم كفاية الأدلة، وكانت أسئلة النائب العام وردود طه حسين عليها شيئًا ممتعًا وعظيمًا، كما أن المستوى الثقافي للنائب العام كان رفيعًا، كل ذلك حفز الكاتب لتحقيق هذا القرار من الزاوية القانونية، وإعادة رصد وقائع القضية وردود أفعالها، اجتماعيًا وأكاديميًا وسياسيًا وأدبيًا، ثم نتج عن ذلك واحد من أهم كتب خيري شلبي، وهو: كتاب "محاكمة طه حسين"، الذي طُبع أكثر من مرة.
يُعَدُّ خيري شلبي واحدًا من أهم الروائيين الذين قدموا تشريحًا للمجتمع المصري في الريف، وأيضًا عالم الفئات المهمشة في المدن، وتشابكات العلاقات المتوازية والمتقاطعة لمن هُم في أسفل السلم الاجتماعي وأعلاه، وبالتالي جمع خيري شلبي في رحلته الإبداعية بين تجربة نجيب محفوظ، التي كانت تركز على القاهرة، حيث ولد محفوظ ومات، وتجربة يوسف إدريس، التي ركزت على الريف، والمدينة بشكل أقل.. هو مؤرخ طبقة المهمشين.
يقول: لولا نجيب محفوظ، ما كنت أنا ولا كان أبناء جيلي. محفوظ افتتح ملعبًا، ودربنا على اللعب فيه. وإذ بكلٍّ منّا يلعب على طريقته الخاصة.. قد تكون تجربته مختلفة عنّي، لأن تكويني الثقافي الاجتماعي والثقافي مختلف عن تكوينه. عالمه عالم الحارة المصرية التي أصبحت معادلًا موضوعيًا لمصر كلّها. بينما أنا ابن القرية، صاحب تجربة تشرّد وشقاء. عالمي مختلف حتى عن أبناء جيلي. ولعل محفوظ نفسه أنصفني عندما سُئل عن سبب عدم كتابته عن القرية، فأجاب: كيف أكتب عن القرية ولدينا خيري شلبي؟. حتى القرية التي أكتب عنها مختلفة عن تلك التي قدّمها يوسف إدريس والشرقاوي. هما قدّما القرية المصرية من وجهة نظر بورجوازية. أما أنا فأكتب من مكان آخر: بحكم تجربة الطفولة، والتراجع الطبقي لأسرتي، واضطراري للعمل مع عمال التراحيل (عمال جوالون يعملون في الحقول مقابل طعامهم فقط)، وتنقّلي بين مهن مختلفة، من الخياطة والحدادة إلى النجارة.. كلّ ذلك جعلني أُقَدِّم قرية القاع، قرية الفلاح المعدم... عالم القرية أعتمد فيه على الحنين إلى الأربعينيات. أما عالمي الذي يتشكل من شوارع القاهرة وحواريها، فهو تجربتي الحقيقية، بعيدًا عن الحنين. هو تجربة تواكب الزمن بعد مجيئي إلى القاهرة. وتلك التجربة المتواصلة إلى الآن، أغنَى في تقديري من تجربة القرية.
تميز شلبي بغزارة إنتاجه الإبداعى المتنوع، ما بين الرواية والقصة والمسرح والدراسات النقدية، فأمدّ المكتبة الأدبية بما يزيد على سبعين عملًا إبداعيًّا، وتميزت هذه الأعمال بتيمات فنية بالغة الخصوبة والإبداع، مثل صورة المرأة، والفلكلور الشعبي، وامتصاص روح المكان، والغوص في أعماق الشخصية المهمشة والكادحين وسكان المقابر، وكأنه واحدٌ منهم، يعيش ليل نهار بينهم، يأكل ويشرب معهم.

من أعماله
تنوعت أعماله ما بين الرواية والقصة القصيرة والمسرحية والدراسة الأدبية والسّير الذاتية والغيرية، ومن مجموعاته القصصية: صاحب السعادة اللص، المنحنى الخطر، سارق الفرح، أسباب للكيّ بالنار، الدساس، أشياء تخصُّنا، قداس الشيخ رضوان، وغيرها. إضافة إلى مسرحياته: صياد اللولي، غنائية سوناتا الأول، المخربشين. ومن مؤلفاته ودراساته: محاكمة طه حسين: تحقيق في قرار النيابة في كتاب الشعر الجاهلي، أعيان مصر (وجوه مصرية)، غذاء الملكات (دراسات نقدية)، مراهنات الصبا (وجوة مصرية)، لطائف اللطائف (دراسة في سيرة الإمام الشعراني)، أبو حيان التوحيدي (بورتريه لشخصيته)، دراسات في المسرح العربي، عمالقة ظرفاء، فلاح في بلاد الفرنجة (رحلة روائية)، رحلات الطرشجي الحلوجي، مسرح الأزمة (نجيب سرور) وغير ذلك.
ومن أشهر رواياته: السنيورة، الأوباش، الشطار، الوتد، العراوى، فرعان من الصبار، موال البيات والنوم، ثلاثية الأمالى (أولنا ولد - وثانينا الكومى - وثالثنا الورق)، بغلة العرش، لحس العتب، منامات عم أحمد السماك، موت عباءة، بطن البقرة، صهاريج اللؤلؤ، نعناع الجناين، وكالة عطية، سارق الفرح، صحراء المماليك، زهرة الخشخاش، نسف الأدمغة، اسطاسية.
وشكَّلت أعمال الراحل الأدبية هدفًا لصناع السينما، فتحولت روايتي الشطار وسارق الفرح إلى فيلمين سينمائيين، فيما تحوّلت رواية الوتد إلى مسلسل تليفزيوني حمل الاسم ذاته، وتمثل هذه الرواية سيرة ذاتية تقع حوادثها بمسقط رأس الروائي بقرية شباس عمير، وتحكي تاريخ عائلته، وكانت البطلة فاطمة تعلبة زوجة عمه التي توفت في السبعينيات من القرن الماضي وتأثر بها، وكان يكِنّ لها حبًّا شديدًا.
كما تُرجمت معظم رواياته إلى الروسية والصينية والإنجليزية والفرنسية، وخصوصًا رواياته: الأوباش، الوتد، فرعان من الصبار، بطن البقرة، وكالة عطية.
وحصل الروائي الراحل -الذي يعده جمهورعريض من النقاد والعرب رائد الفانتازيا التاريخية في الرواية العربية المعاصرة- على عدة جوائز، أهمها: جائزة الدولة التشجيعية في الآداب، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، وجائزة أفضل رواية عربية عن رواية وكالة عطية، والجائزة الأولى لاتحاد الكتاب للتفوق، وجائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عن رواية وكالة عطية، كما حصل على جائزة أفضل كتاب عربي من معرض القاهرة للكتاب عن رواية صهاريج اللؤلؤ، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب‏، كما رشحته مؤسسة إمباسادورز الكندية للحصول على جائزة نوبل للآداب. وذكر أحد أصدقائه أنه رفض عرضًا إسرائيليًا من إحدى دور النشر بترجمة أعماله للغة العبرية، على الرغم من ضخامة المبلغ المعروض عليه، والتلويح بجائزة نوبل.
وليس ثمة شكٌّ في أن خيري شلبي من سلالة زمن الروائيين والحكائيين الذين غاصوا أكثر في العالم السفلي للواقع الاجتماعي المصري الحديث، وبطاقة حضور هائلة، وبطبقات غنية في ذاكرة وعلاقات وحكايات ولقاءات ومساحات من الزمن الجميل، زمن الصعاليك الرائع والجميل، وهو حالة أدبية اقتربت كثيرًا من سلوكيات الحياة نفسها، وبذائقة حقيقية مصرية، حيث لا حدود كبيرة بين الكتابة والحياة نفسها.. عاش عمره رافضًا كتابة سيرته الذاتية، وعندما كتبها مات