شيخ بقارَّة

كتب بواسطة: طاهر الزهراني | في أدب . بتاريخ : Jul 3 2012 | العدد :84 | عدد المشاهدات : 2500

شيخ بقارَّة

نسخة للطباعة
ترك  كل شيء ..كل شيء..
الجاه.. والمنصب.. وحرف الدال المغرور..
ترك الوطن الذي يشبه امرأة برجوازية مكتنزة نفطا..
ألقى عباءة الفقيه السوداء، ورداء الطبيب الأبيض..
وفي القارة السوداء كانت له حياة،
حياة الروح، بعيد عن الجسد..
بعصاه يتكئ، ينكث الوهن بعصاه..

يشبه غاندي من بعيد، لكن لا يشبهه أحد من قريب..
يعبر الحقول والأحراش، يشق الأنهار، يغور في المستنقعات ..
يسرح بين وحوش إفريقيا، يهش الدواب ،ويطفو فوق التماسيح ،
يطأ بقدمه الهرمة طحالب المياه الآسنة ..
يغمر ثوبه بالوحل وغيره يرفعه..
يحثو الخطى نحو القرى..
 القرى التي تموت ..
لم يكن بحاجة إلى مقارعة طواحين دون كيخوته، ولا إلى صرخات سانشو المشجعة..
لم يكن له سيفاً، اكتفى ببرد كفّيه وبياض روحه..
يحمل الهياكل العظيمة السوداء..
يقلّب الرضع الذابلين، الذي ينهشون الصدور الخاوية ..
يقدم لهم الخبز و الدواء..
ويحفر لهم بئرا .. يشيد لهم كوخا..
ثم يطلق حروفا من نور..

عقوده الستة لم تردعه عن همه..
شيبته التي شابها أنارت له قلوب البشر فأحبوه..
ترك قارته وذهب إلى أخرى..
يريد أن يقول: "إني أريد أن أجوع مثلكم، وأتعرض للشمس والجفاف،
سوف نجاور الخوف لنعيش تحت أمان الله"
همه أعظم من بدنه..
والنفوس الكبيرة تتعب الأجساد التي تسكنها الأمم والشعوب ..
والبدن ذبل، أصبح مأوى للأمراض..
سكر..
ضغط..
جلطات..
شلل..
والهرم له حكايات إذا خالط روحا متقدة ..

ثم تردد : " لم تفعل شيئاً" !
أتعبت جسدك فتداعى..
لم تفتنك الأضواء،
ولا تذاكر الدرجة الأولى،
ولا الفنادق ذات النجوم بحجة أنك داعية !
أصبحت الكلمات مبتذلة أمامك،
بعد أن زرعت قمحًا في جبين الدهر..
كن مباركا أيها الشيخ أينما كنت، وحيثما كنت..
لا تلتف خلفك، لأنك أتعبت من بعدك ..