ليلٌ طرابلسي

كتب بواسطة: د.سلمان العوده | في طفولة قلب . بتاريخ : Jul 3 2012 | العدد :84 | عدد المشاهدات : 2449

ليلٌ طرابلسي

نسخة للطباعة

املأ يدك منه.. فلا تدري متى تتلمس يدك باحثاً عن بقايا ذكريات جمعتك به.. أحسِن لقاءك بمن تحب، لأنك لا تعلم متى هو اللقاء الأخير بينكما؟
طرقات خفيفة على الباب في الموعد ذاته، العاشرة صباحاً من يوم الخميس، كان يوماً مشمساً كعادة أيام الصيف، هذا المكتب شهد لقاءات مع كثيرين غابت وجوههم في الزحام، وآخرين ظل حضورهم يملأ المكان.
(الشيخ علي) كان أحدهم.
اليد باليد والبسمة تعلو الوجوه، بينما درجات السلم المؤدي لأرض المكتب تنقل الخطى عبر ثلاث عتبات بدت وكأنها توحي بالمراحل القادمة التي تنتظر وراء سجف الغيب.
تخرج تواً من الجامعة الإسلامية، وهو يبحث عن الخيار الأمثل الذي يقضي فيه بقية حياته.
ليس غريباً أن يعرف صاحب هذه السطور شاباً ليبياً مشرداً، أومحكوماً بالإعدام، أوهارباً تسلل خلسة من سجانيه ليفارق أماً مكلومة، أو أسرةً تفرّقت بأبنائها السبل، ليفوّت على ظالميه فرصة التنكيل به والحيلولة دون عطائه.. فالبؤس السياسي الذي اغتال الشعب الليبي عوّدهم على كل شيء طوال العقود الأربعة.
لقاء كان أشبه بخطة عمل للمستقبل، وليس عجباً أن يفصلهما عن اللقاء الآخر عشر سنوات أو تزيد، الخلاصة أنهما اتفقا على أن الأفضل أن ينشغل الشيخ علي بالعمل العلمي والتوعوي، وأن يقيم على مقربة من بلده، ويقدّم للناس تنويراً معرفياً مثرياً.
شخصية موحية.. لا تدري ما الذي يشدّك فيه؟ أي سر غامض ينبعث من عينيه؟
الروحانية والصفاء والاتصال بكلمات الله المنزلة، قراءة وتدبراً وإيماناً واستشهاداً، أم الهدوء والصمت، أم الحديث الموزون، أم التجربة المنبثقة من معايشة مختلفة.. وتقلبات مبكرة في الحياة، ومن قراءة التاريخ والتعرّف على أحداثه وتحولاته.
خريج شريعة، ولكنه مهموم بالتاريخ وسننه ونواميسه، (فقه التمكين) من أوائل ما كتب، فهل دار بخلده أنه سيشهد بعد سنيات معركة حاسمة مع الطغيان، وأن شعبه سينتصر في نهاية المطاف وسيكون بالفعل تمكيناً يتطلب مزيداً من الفقه والتعايش والسعة كما قدّر؟
وهل ظن يوماً أن بيت "الحاجة فاطمة" في بنغازي سيستعيد وهجه، وسيجمع أشتات روح تفرّقت في شرق الأرض وغربها بعد رحيل "الشيخ محمد" صاحب المنزل في حادث اغتيال مروع؟
سنوات عشر تحول فيها الليبي إلى "ليببري" وتنكر ليسيح في أرض الله ما بين السودان وقطر واليمن ومكة وبلاد أخرى.. يجد نفسه حيث وقفت به رجلاه .. يبحث في الأرض ويبعث العلائق التي تشده للمشتركات.
الشاب أصبح قامة علمية، وكتبه في السيرة والتاريخ والإيمان طبعت بمئات الآلاف وترجمت إلى الإنجليزية والتركية، وقررت للتدريس في جامعات وفي جماعات.
والعين على ليبيا
"من ليبيا يأتي الجديد"
كما يقول فيلسوف يوناني..
ليبيا التي تقدم عمر المختار كل مرة .. فكأنها كلما ذكرت "عمر المختار" تشتم كل طغيان.. وكل استعمار.. وكأن اسم عمر المختار بذاته "نضال" ممتليء بكل أشكال القوة والمتانة .
(علي) ..الاسم المتداول علمياً يصل إلى أسماع علية القوم هناك، الثنائي الذي يدير ملفات الأمن والسياسة والاقتصاد من طرابلس "سيف والسنوسي" يجري تعديلات إصلاحية بطيئة الحركة متخوّفة من النتائج، ربما كانت شجاعة في وقتها، ولكن حركة التغيير السريعة كانت أعجل منها، واختبار بسيط للمصداقية في السماح للناس بالتعبير والتظاهر والاحتجاج فشلت فيه العقلية الأمنية القمعية.. فالوقت فات بما يكفي، والعرب تقول : "الصيفَ ضيعتِ اللبن"!
اتصال بالشيخ علي ورغبة في عودته..
هل سيصبح اسماً يضاف لقائمة موسى الصدر والمغيبين بعدما كان يحاذر أن يكون من قائمة المغتالين حول العالم؟ أم سيحدث الثغرة التي يتوقعها ويفتح كوةً للشمس في السجن الكبير.
بعد فترة من الدراسة وسؤال أصدقاء من الداخل بدا أن العرض جاد، وأن ملف شهداء (أبو سليم)، وعائلاتهم، وسجناء الجماعة المقاتلة يلح على النافذين بالمعالجة .
الوجهة إلى الله، لا دينار ولا درهم ولا منصب، فلنطرق الباب إذاً!
ستكون عند أولياء السلطة مخادعاً يحاول الاختراق أو إخوانياً بلغ حد الاحتراق! وستكون عند المعارضة التاريخية مهادناً أو متزلفاً أو باحثاً عن دور.. ليس مهماً فلنبدأ.
ثمَّ من يبحث عن دور، وثمَّ من يبحث عنه الدور، و« كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا »، كما قال النبي -عليه السلام-، و"السفن تهدأ في المرفأ ولكنها لم تصنع لتقيم فيه"!
إيقاف كل المشاريع التلطيفية والمعالجات الجزئية بانتظار حسم ثوري لم يبدأ ليس عملاً رشيداً، والحسم الثوري ذاته ربما احتاج إلى كثير من الأعمال التي تمهد له الطريق، وفي التنزيل لم يكن الخضر قادراً على زحزحة الملك الظالم، وكان قادراً على حماية سفينة المساكين (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً)(الكهف: من الآية79)
يحط –الشيخ علي- رجله في مطار طرابلس بعد غياب طويل، ويلتقي برجال يكتشفهم لأول مرة وسلاحه كلمة عمر "لست بالخب ولا الخب يخدعني" الصراحة والوضوح والمكاشفة جعلتهم يعرفونه من أول لقاء ويمنحونه الثقة.
زيارات تتكرر، واقتحام لمجاهل السجون، لقاءات وأحضان ودموع برجال سبقوا إلى اكتشاف أن المستقبل عقيم تحت سطوة الطاغية، على أن حداثة السن وقلة التجربة وضعف الصلة بالقيادات العلمية أوقعتهم في أخطاء، كانت شجاعة عقولهم لا تقل عن شجاعة قلوبهم حين قرؤوا وصححوا وأخرجوا من سجنهم كتاب "المراجعات".
"عبد الحكيم"، و "سامي"، و "خالد"، و "إسماعيل".. ومئات خرجوا وتنسّموا عبير الحرية بعدما كانوا محكومين بالإعدام، وآخرون ينتظرون!
حديث عن انفراجات وتحولات واستجابة وتحضير لمرحلة جديدة، وسؤال يتكرر:
- هل تعتقد أن "سيف" سيكون وريث والده؟
- هو يعدّ لذلك، والأمر "ما فيه كلام" إلا إذا كان الله أراد شيئاً آخر..
حين تسمعه يقول هذا القفلة في حديثه تشعر بأنها ليست كلمة تقليدية تجري على اللسان، بل استثناء حقيقي يفسح الميدان للقدر المكتوب والنواميس الجارية مما لم تستوعبه دراسات البشر وتقديراتهم!
يحقق نجاحات غير مسبوقة، ويثمر في وادٍ غير ذي زرع، وحين يرى ما لا يعجبه لا يعبأ أن يندفع إلى "قناة الجزيرة" ليصدع بما يراه وينتقد الأداء غير عابئ بما يكون، ولا ملقياً أذناً لتهدئة المهدئين، ولا مكترث لما قد يكون إجهازاً على تجربة وليدة محفوفة بالتحديات!
تأتي على ما يحب، فتكون المداعبة:
- لعلك من أولياء الله الصالحين!
ضحكة فصمت..
- ستكون أنت أول من يزور ليبيا من شيوخ الخليج، ستكون زيارة مدوية، هناك ترقّب ورغبة شديدة في حضورك.
إبراهيم عبد السلام وزير الأوقاف الرجل الدمث يتصل ويرسل الدعوة ويرتب الزيارة من الألف إلى الياء.
هل ستتم الزيارة؟
كان هذا محل شك كبير، فالسور الحديدي الشاهق، والتاريخ المظلم وقصص الخطف والصمت والاغتيال وأشباح المغدورين تملأ الذاكرة، والمجالس تمتلئ بالتحذير.
- التحفّظ طيب، لم العجلة، الفرص في غير ليبيا كثيرة ، والأمر محفوف بأخطار، والعلاقة بين بلدك وبين ليبيا متوترة، فالزيارة لن تكون محل رضا هنا أيضاً!
القرار الأخير هو الذهاب
والصحبة تبدأ بعبد الوهاب
والثلاثة ركب، وخير الأصحاب أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة. في المرفوع عند أحمد وأهل السنن.
خالد القفاري -  عبد العزيز السحيمان كانا نِعمَ الرفيقين في السفر.
صباح يوم الثلاثاء 18 / 06 / 1431 هـ حطّت الطائرة الإماراتية القادمة من دبي في مطار طرابلس الدولي المتواضع، والمعبر عن الماضي البائس، وإلى جواره أساسات المطار الجديد يشير إلى مستقبل حافل بالمفاجآت!
يَفْدي بَنيكَ عُبَيْدَ الله حَاسِدُهم            
بجَبهَةِ العَيرِ يُفدى حافرُ الفَرَسِ
دانٍ بَعيدٍ مُحِبٍّ مُبغِضٍ بَهِجٍ              
أغَرَّ حُلْوٍ مُمِرٍّ لَيّنٍ شَرِسِ!
أكارِمٌ حَسَدَ الأرْضَ السّمَاءُ بهِمْ           
وَقَصّرَتْ كلُّ مصرٍ عن طَرَابُلُسِ
في ليبيا كل شيء مختلف!
الرجال نمط متميز يعز نظيره.. الوجوه ضاحكة مستبشرة ..
الأطفال والبنيات يستقبلون القادم بالزهور والأغاريد, وكأنهم أكثر قرباً للزهور من الزهر الذي يحملونه.. وكأن قلوبهم الريانة.. أكثر سعةً.. من الصحراء الليبية العطشى !
الوجوه الصافية الصادقة تعبير جميل لا يتكرر.
السمات الحلوة العفوية المعبرة عن الصفاء والود والوفاء لم تستثن أحداً
"آنستونا"
تسمعها هنا بشكل مختلف، وكأنها تطرق سمعك لأول مرة!
تعبير شعبي عن عمق من العواطف بعيد الغور!
لا تكلف ولا مجاملة بل القلوب المصطفة تنبض بالحب، وتبوح به بلا تردد، تهتف له دون تزويق أو صناعة، إنها وهلة المفاجأة تصنع تعبيراً صادقاً قريباً هو أجمل من القصائد الشعرية.
أن تهديك طفلة وردة فوّاحة العبير، أو يهديك فتى سبحة هي كل ما يملك يُقدّمها كأجمل تعبير، وأن تفسح لك الصدور بفرحة غير مكتومة، وأن تقرأ في وجه كل من تلقاه معنى الحب والإخاء فيتفوق على تضاريس الجغرافيا وحواجز الزمان، فهو ميثاق الصلة الأبدية التي لا تنفصم عراها.
أكابر الرجال في تواضعهم وبساطتهم يعملون كل شيء ويبدون وكأنهم لم يقدموا شيئاً ويعتذرون عن التقصير.
تستغرب من رجل الصحراء والجبل الجرعة الزائدة من الحب والعطف والود، والبوح الصادق فوراً ودون انتظار، والاستسلام للمشاعر الوجدانية العذبة الرائعة التي بها تحلو الحياة وتطيب.. وكأن الله خلق الصحراء كقلب ساكنيها سعةً ورحابة.. ولذا يظل المشتاق يردّد:
أَحِنُّ لَهُم وَدونَهُمُ فَلاةٌ       
كَأَنَّ فَسيحَها صَدرُ الحَليمِ
تستغرب من رجل الصحراء ألا يملك دموعه وهو يصافحك وكأنه كله قلب ينبض.
كيف تحتفظ بمشاعرك الجياشة حيال ما ترى وتسمع لتوصلها لأصدقائك وأحبابك وأولادك الذين هم شركاؤك وأنت شريكهم في كل شيء!
تعد الفرحة ناقصة ما لم يكونوا طرفاً فيها أو جزءاً منها، يعيشونها لحظة لحظة، ويشهدون تفاصيلها ومفاجآتها وروعتها حين تستهل صارخة لحظة الميلاد بعدما تشم أنفاس الحياة!