أليس ووكر الكتابة مهنة إنسانية

كتب بواسطة: نورة سعد الشريف | في بروفايل . بتاريخ : Jul 3 2012 | العدد :84 | عدد المشاهدات : 4064

أليس ووكر الكتابة مهنة إنسانية

نسخة للطباعة
حبات العرَق والعِرق
لم تجد بديلاً عن الأدب لحكاية/حياكة واقعها المؤلم. تلتمع على جبينها حبات العرق والعِرق. تتوق للحرية التي حُرم منها ذوو عِرقها. لذا قررت أن تكفّ عن اللوم المكبوت، لتراها صارخة به في روايتها/ مقالاتها/ شعرها عن عبودية السود ومعاناة المرأة الأفروأمريكية ليسمعها الجميع، وتتعداه لتؤثر فيهم.
(أليس ووكر) ذائعة الصيت كناشطة اجتماعية تُعدّ أحد أهم الشخصيات الرائدة بين الكاتبات الأمريكيات. لها العديد من الروايات، القصص القصيرة، المقالات وكذا الكتابات النقدية.
نقرؤها تصوّر النضال المزمن للزنوج عبر التاريخ، ذاعت كتابتها لحسِّها الرفيع الملامس للنفس في تصوير حياة السود وثقافاتهم، لاسيما المرأة الزنجية ومشاكل حياتها المزدوجة: النوعية والعنصرية، مسلّطة الضوء على قضايا بني عرقها وجنسها الإناث.
أتت للعالم في فبراير من العام 1944م كابنة  ثامنة صغرى لعائلة كبيرة من المحاصصين (₁) بالقرب من إيتنتون  في ولاية جورجيا، والدها (ويلي لي ووكر) حفيد عائلة من العبيد عانت بعنف من العنصرية الأمريكية المعروفة ضد السود. والدتها (ميني غرانت) خادمة أجيرة ومزارعة كادحة وأم لعائلة كبيرة تتكون من ثمانية أشخاص كانت (أليس) آخر تلك الأسرة الكبيرة. ولنشأتها في هذا الوسط تحديدًا أثر كبير على كتابتها الأدبية وأنشطتها الاجتماعية.

العزلة مفتاح العالم
عرفت والدة ووكر (ميني ووكر) ولع ابنتها بالعلم والقراءة، فأعفتها من الأعمال المنزلية وألحقتها بالدراسة الأولية، وكانت والدتها تدّخر من أجرها الزهيد لتهديها في كل حين هدية ذات أثر كبير على حياة (ووكر)، أهدتها والدتها حقيبة سفر ألهمتها التجوال في العالم،  وآلة كاتبة لتكتب روايات وقصائد عن معاناتها.
أُصيبت (ووكر) بطلق ناري من بندقية أخيها عندما كانت في الثامنة فقدت على إثرها عينها اليمنى الإبصار كليةً. اعتزلت العالم الخارجي (ووكر) بعد الحادثة لسبع سنوات لاقتناعها ببشاعة الندبة التي تركتها البندقية على عينها، فكانت تلك العزلة مفتاح العالم لها حيث قرأت وكتبت بنهم، وكانت الداعم الأول لتعليمها.
على الجانب الآخر ساد التوتر حياة (ووكر)؛ فقد شاب علاقتها بوالدها الكثير من المعارضة وسط رغبتها ووالدتها في إكمال تعليمها، فقد كان يخشى أن التعليم سيخلق حواجز بينه وبين أولاده، واستمر ذلك حتى قطعت (ووكر) علاقتها بوالدها فعليًّا مغادرة المنزل ملتحقة بكلية سبلمان في أتلانتا.

حياكة وحكاية
تخرّجت (ووكر) في العام 1961م لتنال منحة جامعية في كلية (سبلمان) التي فيها قابلت مارتن لوثر كينج والذي أثّر لقاؤه في حياتها مستقبلاً، التحقت بكلية سارة لورنس بعد رحلة قامت بها لإفريقية،
نشاطاتها
الاجتماعية

نشطت (ووكر) خلال العطل الصيفية، فعملت لصالح حركة الحقوق المدنية في جورجيا، وانخرطت في العمل الحقوقي بعد تخرجها من الكلية العام 1965م أكثر. تزوّجت في العام 1967م من المحامي اليهودي (ميل لينفتال) الذي كان يعمل كمحام للحقوق المدنية في مؤسسة (جاكسون) للدمج العنصري، بينما كانت ناشطة اجتماعية للبرامج التوعوية في ذات المجال. لم يقتصر نشاطها الاجتماعي على قضايا عبودية السود فقد دعمت جماعات مناوئة لاستخدام العنف ضد المرأة والتفرقة العنصرية وأنظمة التسلح النووي وغيرها، بل كانت معارضة لحرب العراق، وقد اعتقلت عام 2003م أثناء تظاهرة كبيرة مناهضة للغزو.
في العام 2008 كتبت (ووكر) رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأمريكي باراك أوباما حدثته فيها عن الصعوبات التي تلفّ العالم اليوم وعن دقة الخطوات التي عليه اعتمادها أو أخذها بالاعتبار لتحقيق مستوى أفضل في العام التالي أي  عام 2009م، وقعت عريضة مع أكثر من خمسين سينمائي لمقاطعة مهرجان تورنتو والذي كان يُلقي الضوء على الفن اليهودي، متعجبة كيف يكون هناك فن في دولة إرهابٍ وفصل عنصري!
واليوم تتوجه إلى أوباما، بعد مرور ثلاثة أعوام على رسالتها تلك متسائلة: "لماذا يتجاهل أوباما الأطفال الفلسطينيين في حديثه وتصريحاته حول عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية؟
كتبت (أليس والكر) بمقال لها في صحيفة (تلغراف) البريطانية "لو كنت فلسطينية من غزة، فلن أرشق الإسرائيليين على الحدود بالحجارة فقط؛ بل سأهينهم من خلال المشاركة في أسطول (جرأة الأمل)، وأوبّـخ الأمريكيين كذلك الذين يتباكون على موت فقمة مائية هناك أكثر ممّا يبدونه من اهتمامٍ واجب للفلسطينيين".

حياة مزدحمة
تنوّعت حياتها المهنية  فتارةً كاتبة مقيمة في كلية توجالو وفي جامعة جاكسون، وتارةً محاضرة تدرس في كلية ويلزلي وجامعة ماساشوستس في آمهيرست وجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وجامعة برانديز، تتاليًا مزدحمًا  في السبعينيَّات.
نحو الحرية وأسطولها
فجعت (أليس والكر) من حجم الدمار التي خلّفته آلة الحرب اليهودية على قطاع غزة، لتنسيها المعاناة التي عاشتها والإهانات التي لحقت بها على الحدود لدخول الأراضي الإسرائيلية، ورأته وعاشته على الرغم من أنها لا تملك إلاّ عين واحدة فقط؛ فلقد رأت ما لا يراه ويعيشه العرب المتخمين بالقضية نفسها!
تقول في أحد المشاهد عند عبورها "جسر الملك حسين" لدخول غزة أنها استُجوبت لأكثر من مرة، مشيرة إلى التعامل المهين الذي لقيته من الجنود الإسرائيليين  الشباب والذين قد لا تتجاوز أعمارهم العشرين. توالت الحواجز ومعها توالت الأسئلة والإهانات.
عاشت (ووكر) في هذه اللحظات ما يعيشه العرب بالمطلق عند عبورهم هذه النقطة.
شاركتهم في هذه اللحظات العطش والجوع والحرّ وقبل هذا وأقساه "الإهانة".
وحين سُئلتْ: لماذا قررت الانضمام إلى أسطول الحرية؟
قالت إن أسطول الحرية 2، "جرأة الأمل"، ساعي بريد يحمل رسائل أخوّة وحبّ إلى غزة فإذا ما "تعرّضت القوات الإسرائيلية لهذا الأسطول تكون قد تعرّضت لساعي البريد، ولكن ما العمل إذا ما تعرّضنا إلى التعذيب والجرح والقتل كما حدث في أسطول الحرية1؟"
وأضافت: الفلسطينيون يعيشون عذاباتٍ يومية من القهر والغمّ، مؤكـدة أن الفلسطينيين شعب قادر على ممارسة الديموقراطية وحقوقه السياسية، ويجب أن تُوفَّر له الحماية من "إسرائيل الشريرة".
وتابعـــت: "للأســـف لقــــــد تحــــــوّل الفلسطينيون إلى قصةٍ بائسة و ضحايا تعلو وجوههم علامات الحزن، ويحملون رسائل ملطخةً بالدماء، ويطلبون الاستغاثة".
ونقلت الصحيفة عن الكاتبة قولها: إن الدول الغربية قد تعير اهتمامًا لنباح كلبٍ في مأزق، أكثر مما قد تعيره للفلسطينيين، بل قد تمارس عليه ضغوطًا أكثر، على الرغم من الضغط الممارس عليه أصلاً.
يُشار إلى أن (ووكر) توجّهت لقطاع غزة منتصف العام 2009 برفقة ناشطات أخريات بهدف لفت الانتباه إلى الدمار الذي ألحقه العدوان الصهيوني بالفلسطينيين هناك.
و أعلنت أثناء زيارتها للقطاع "أنه من المهم بالنسبة للأمريكيين -الذين يقدمون مساعدات عسكرية كبيرة لإسرائيل- أن يفهموا أين تذهب أموالهم"، مضيفة أنه "من الضروري أن يفهم الأمريكيون ما يحدث، وعلينا أن نجعل حكومتنا عرضة للمحاسبة".

ووكر: الإنسانية أولاً
"ما أريده من العالم هو إزالة الغبار عن مبدئي العدالة والاحترام، وإعادة الطفل الفلسطيني دون إرجاء أو تفكير  إلى قائمة الاهتمامات القصوى. ستكون عدالة واحترامًا ناقصين، ولكن يفسر ذلك خلفية قساوة الظلم والاحتقار اللذين خيّما طويلاً. غير أنها تجربة تستحق الخوض. لذا؛ أنا سأبحر".
في مقابلة لها في يونيو لهذا العام  2011م، وصفت (ووكر) في الولايات المتحدة و إسرائيل على أنها "منظمات إرهابية" قائلة: "عندما تكون حياة الناس مروّعة، وتكون في خوف مستمر، وتكون أنت مجردًا من رحمة الضعفاء والجرحى، وتساعد آلة الحرب تلك: فأنت  إرهابي".

الكتابة
مهنة إنسانية
تعتبر (ووكر) من أهم كتاب ما بعد الحداثة إن لم تكن أهمهم على الإطلاق، وكما أسلفت فمُذ نعومة حياتها كتبت (ووكر) الشعر والمقالة والرواية والقصص القصيرة والنقد، ناظمة الشعر في كلية سارة لورانس، لتترك الكتابة متفرغة  للنشاط الاجتماعي في ولاية مسيسبي في مؤسسة حركة الحقوق المدنية، لتستأنفها وبعد توقف يسير عندما انضمت محررة للمجلة في الجامعة، قبل انتقالها إلى كاليفورنيا في أواخر 1970م. اهتمت (ووكر) في أعمال (زورا نيل هورستون)، الذي ألهمت كتابتها (ووكر)، و  بالإضافة إلى قصصها القصيرة التي جمعت مع الشعر الذي نظمته قصائدَ.
نُشرت الرواية الأولى لووكر (الحياة الثالثة كوبلاند غرانج) في العام في عام 1970م، وكانت تروي راويتها ذات الأبعاد النفسية للنساء السمروات حول بطل الرواية،  لتنظم الشعر، فلقد أنشأت كتابًا شعريًّا أسمته "بطونيات ثورية" نالت على إثره جائزة ليليان سميث، وعلى الرغم من ضآلة الكتاب إلاّ أنه شكّل ابتهاجًا عميمًا لأولئك الذين يرفضون الوطء على تراب غيرهم، وفي عام 1976م نشرت الرواية الثانية لووكر "ميريديان"، التي تتناول نساء  الجنوب والتحوّلات التي طرأت على المرأة  خلال حركة الحقوق المدنية، والعمل نستطيع أن نعتبره  توثيق بعض التجارب الخاصة لووكر.
في العام 1979 م أي بعد طلاقها ألّفت كتابين: "تصبح على خير يا ويلي لي، أراك في الصباح" و مختارات أدبية من أعمال هيرستون "أحب نفسي عندما أضحك". يعتبر الأول جزءًا آخر من قصائدها المتمركزة على نساء الجنوب.

اللون الأرجواني
(the color purple)
هذه الرواية  الحائزة على جائزة (بوليترز) عام 1982م تفوز بها (ووكر) كأول زنجية أمريكية تفوز بها، رواية تتسلسل من تسعين رسالة تقوم بإرسالها بطلة الرواية (سيلي) الصامتة إلى ربّها، من خلال الرسائل تتكون حياة (سيلي) وتحوّلاتها الجارية على ذات البطلة وصوتها، لنجدنا أمام نقطة التقاطع المجتمعية بين الجنس والعنصرية على العائلات الأفروأمريكية. تُرجمت هذه الرواية، كما مُثّلت في عمل سينمائي ضخم. هذا العمل يعتبر من  أفضل الأفلام التي أنتجتها السينما الأمريكية.
"امتلاك سرّ البهجة" هو العمل الذي يعتبر تسلسلاً لشخصيات البشرة الأرجوان، والتي كتبته عام 1992م .
أثْرتْ (ووكر) الأدب الأمريكي بروايات كثيرة تهتم بقضيتها الأولى لتكتب الشعر مرة أخرى لتعكس مجموعتها الشعرية المتتالية "الخيول تجعل المنظر أكثر جمالاً" و "جسدها أزرق هو كل ما نعرفه: قصائد من الأرض".
لتنهي السلسلة عام 2003م  بديوانها "قصيدة سافرت منحدرة من ذراعي".

"نور داخلي
في زمن الظلمة"
استقرّت (ووكر) في شمال كاليفورنيا، حيث تكتب لتعيش، أو تعيش لتكتب في حديقة منزلها كهالة ضوء تنير ما حولها. كان لها تأثير في توثيق آثار الأدب الإفريقي- الأمريكي. متزوجة من يهودي منتصرة للفلسطينيين ولم تنجب إلاّ ريبيكا التي ترى أن تعصّب والدتها مبالغٌ فيه وربما ضرّها، وضرّ والدتها!
كاتبتنا  تعتبر الأدب رسالة؛ فهي تحمل فيه قيمة محدّدة؛ فهي تكتب إلى المرأة من جميع الألوان والثقافات ولأجلها، ورغم وسم (ووكر) بالكتابة النسوية إلاّ أنه تفضل عبارة الأنثوية على إنتاجها الأدبي الضخم  

المراجع
مقالات ولقاءات للكاتبة ومؤلفاتها  
1- هم العمال السود الذي يزرعون الأرض مقابل حصة معلومة من المحصول
2- وتعني في القاموس "بشرة الأعراق غير البيضاء"