التّرياق المضادّ في حريّة (بلجر) القادمة

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Jul 3 2012 | العدد :83 | عدد المشاهدات : 2474

التّرياق المضادّ  في حريّة (بلجر) القادمة

نسخة للطباعة
ترى ما الذي يجعل اسمًا بحجم اسم (نعوم تشومسكي)، وهو الأستاذ الجامعي وصاحب نظرية "النحو التوليدي"، وعالم النفس والفيلسوف يتغنى بكتاب يتحدث عن حرية مؤجلة في كل مرة بقوله: "لقد كان هذا الكتاب بحق منارة تشعّ أنوارها في الأحوال العصيبة"؟
وما الذي يجعل مراسلاً حربيًّا ومؤلّفًا ومخرج أفلام نال أعلى الجوائز الصحفية البريطانية وأرفعها لأكثر من مرة يدعى (جون بلجر) كي يؤلف كتابًا يحاول فيه -على الأقل- إحداث تغيير في "مجرى التفكير السائد في العالم ككل بصفة عامة والعالم الغربي بصفة خاصة؟
        من المؤكد أن السؤالين اللذين ابتدرت بهما هذا التقرير يحتاجان إلى تفسيرات كثيرة وصفحات أكثر، قد لا نجدها للإجابة على أحد هذين السؤالين، لكن من المؤكد إيجاد كتاب يحمل عنوانًا جذّابًا "الحرية في المرة القادمة" ضمن الكتب المترجمة إلى العربية، يحاول فيه مؤلفه (جون بلجر) حثّنا على البحث عن المصدر الحقيقي للكثير من مخاوف العالم، وتآكل الأمن فيه تحت دعاوى امبريالية زائفة، كل أهدافها تتلخص في السيطرة المطلقة على الشعوب، سواء كانت هذه السيطرة سيطرة سياسية أو اقتصادية من خلال تقارير صحفية وأفلام وثائقية وحوارات ميدانية مع مختلف الشخصيات والأجناس.
يقول (بلجر) في مقدمة كتابه عن كتابه: "هذا كتاب عن الإمبراطورية، عن مظاهرها الخادعة، وعن الصراع الدائر الطويل الذي يخوضه الناس في سبيل حريتهم. وهو كتاب يقدم الترياق المضادّ للصيغ المرخص بها من السلطة عن التاريخ المعاصر، الصيغ التي تراقب من خلال الحذف ومن خلال فرض المعايير المزدوجة، وآمل أن يكون هذا الكتاب إسهامًا في ما تدعوه (فاندانا شيفا): ثورة المعرفة المخضعة".
ودون أي مناورات أو معلومة قد نلمحها بين السطور يبتدر (بلجر) المقطع الثاني من كتابه بقوله: "حين بدأت العمل صحفيًّا ..." وكأنه يشير إلى تلك المهنة التي اعتبرها الروائي الكولومبي (جابرييل غارسيا ماركيز) المهنة الأخطر في العالم، ألا وهي الصحافة، يشير إليها بلجر كتعويذة يمكن الاعتماد عليها لتحقيق الحرية التي تعتبر حلمًا ينشدها الرجال الشجعان، إلاّ أنهم للأسف لا يلمحونها إلاّ عندما تسلب منهم فقط. يقول (بلجر): "حين بدأت العمل صحافيًّا، كان هناك ما يُدعى "الأخبار البطيئة". وكان من عاداتنا أن نشير إلى "أيام الأخبار البطيئة" (وهي عادة أيام الأحد) حين كان لا شيء يحدث – أي ما عدا الانتصارات والمآسي التي كانت تقع في أماكن نائية جدًا حيث كانت تعيش معظم الإنسانية.    
والانتصارات، وهي المكاسب المجهدة الشاقّة لأناس توّاقين إلى أن يكونوا أحرارًا، كانت نادرًا ما يعترف بها. وأما المآسي فكانت تستبعد بوصفها أعمالاً من الطبيعة، بصرف النظر عن البينات التي تدلّ على خلاف ذلك. وكانت السلطات الممنوحة لنا هي الصلاحيات الممنوحة للقوة الكبرى، من مثل: "حكوماتنا" و "مؤسساتنا" ولم يكن للمنظر المأخوذ من الأرض قيمة إلاّ إذا كان يعزز المنظر القادم من أعلى فقط. وكانت مجتمعات كاملة توصف وتُقاس بعلاقاتها "معنا"، وفائدتها "لمصالحنا" ودرجة امتثالها (أو عدائها) لسلطتنا. وفوق كل شيء، فهم ليسوا "نحن".
وبأسلوبه السلس الصادم البعيد عن أي ألعاب لغوية أو فذلكات أسلوبيّة يقر (بلجر) بادّعاءات الامبريالية الغربية الاستعمارية، بل إنها لم تنته أو تتغير حين يقول: "هذه الادّعاءات الاستعمارية لم تتغير. وللمحافظة عليها يبقى ملايين الناس من الناس مستورين عن النظر، ويمكن الاستغناء عنهم والتضحية بهم".
هذا الكتاب من خلاله تجوّل (جون بلجر) من أقصى بقاع الأرض هناك من عمق المحيط الهندي حيث تتواجد جزيرة (دييغو غارسيا) نائمة كما لو كانت حورية مستلقية في الجنة، لتعمد الحكومة البريطانية إلى طرد كل سكانها طردًا سرّيًّا ووحشيًّا لتمهد الطريق لقيام قاعدة أمريكية عسكرية ضخمة هوجمت منها أفغانستان والعراق!
وينتقل بعدها لرواية "المحرم الأخير" من الرواية التي لم تنته فصولها بعد: "فلسطين"، ويناقش فيها بإسهاب أحقيّة العرب بهذه الأرض، ساردًا على مدى صفحات معاناة الفلسطينيين مع الاحتلال والعدوان الدائمين من الصهاينة، وهو يعتبر أن الحقيقة المتعلقة بفلسطين قد تمّ قلبها لمدة طويلة جدًا، الأمر الذي حاول فيه (بلجر) معاكسته بتقديم فيلمين عن فلسطين عرض آخرهما في أيلول، سبتمبر 2002م.
وفي فصله الثالث أضاءت فيه "الهند المشرقة" الكتاب التي ينكر النخبة فيها الفقر الدائم للبلاد، ويحاول الكاتب تفنيد هذه الادّعاءات؛ ويصل إلى النتيجة التي دائمًا ما يصل إليها وهي: ليس مرحّبًا بك هنا أيها السيد بلجر.
وبعنوان "التمييز العنصري لم يمت" يلقي الكاتب جانبًا من الضوء على مأساة جنوب إفريقية بعد خيانة كفاحهم بظهور نخبة جديدة سمّاها بمنتج "تمكين السود" المنتفع من الصفقات الخبيثة مع القوة البيضاء التي لا تزال تدير جنوب إفريقية، معتبرًا أن التمييز العنصري أخذ اسمه، واستمد روحانيّته من نظام حكم البوير الأول، إلاّ أن دم حياته سال من الإرث البريطاني الإمبريالي بحسب تعبير الكاتب.
وفي فصله الأخير تعرّض المؤلف لما سمّاه سخرية بـ "تحرير أفغانستان"، وقد وضع كلمات الرئيسين الأمريكي بوش الأصغر وتابعه البريطاني توني بلير مقابل أفعالهما التي سبّبت موت ما يقارب سبعة أضعاف عدد الذين ماتوا في البرجين التوأمين.
ومما يلفت الانتباه أكثر إلى هذا الكتاب هو هجومه الدائم على الإمبريالية الغربية ممثلة في الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها المملكة المتحدة (بريطانيا)، الأمر الذي يثير الإعجاب بشخص الكاتب الذي تحرر من النسق الذي يعيش فيه، بل وحاول معاكسة "مجرى التفكير العام السائد"، الأمر الذي جعل شخصًا مثل تشومسكي يقدم للكتاب بقوله: "لقد كان هذا الكتاب بِحقّ منارة تشعّ أنوارها في الأحوال العصيبة"، فيما حيَّا المسرحي النوبلي (هارولد بنتر) المؤلف، معتبرًا إياه مظهرًا للحقيقة القذرة ومعرّيًا لها كما هي، مع انتباهه الحادّ للحقائق، فيما اعتبرت (الديلي تلغراف) جون بلجر "الترياق المضادّ للتفكير السهل المريح وللإعجاب بالنفس وللجهل". ولخّصت (الغارديان) رأيها في الكاتب بقولها: "إن (بلجر) هو أقرب مراسل، لدينا المراسلون العظماء الذين عاشوا في الثلاثينيات من القرن الماضي، وفي الحقيقة فإن بيديه سلاحًا التقطه ولوّح به مهدّدًا، واستخدمه في الصراع ضد الشر والظلم"، فيما حصرت المراسلة الحربية الأولى في العالم (مارثا جلهورن) أسباب عظمة (بلجر) في ضميره وشجاعته التي هي عتاد أي صحفي في العالم.
هذه الإشادات العديدة من أسماء لها ثقلها زيّنت الغلاف، مع كلمة للناشر اعتبر فيها تقارير (جون بلجر) الحية ومقابلاته المتماسكة مع الأقوياء، المدعومة بالبحث الشديد الدقة مفجرة لأسرار حكامنا وأكاذيبهم، وتسلّط ضوءًا كشّافًا على الأحداث التي أودعت في الظلال بوساطة رقابة غير معترف بها، ولكنها مع ذلك رقابة خبيثة وفتّاكة، وبإنسانية وبذكاء وبعاطفة يحيي المؤلف الشعب الذي يرفض أن يكون ضحية، ويطالب بحرية هؤلاء الناس بتحدٍّ غير هيّاب