الحريّة

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Jul 3 2012 | العدد :83 | عدد المشاهدات : 6271

الحريّة

نسخة للطباعة
كلمة  "الحريّة" اليوم من أكثر الكلمات تداولاً على ألسنة الناس وعلى شاشات التلفاز، وبالتأكيد فإن الإنترنت بمحرّكات بحثه، وبشبكاته الاجتماعية ضاق ذرعًا بكثرة تكرار هذه الكلمة على صفحاته. لكنك حين تسأل أولئك عن معناها فإنهم يتخاذلون أمام الإجابة عن ماهيّتها، أو حتى مجرّد التفكير في أبعادها المختلفة. ويمكن تقديم تعريف عام للحرية يشمل جميع أنواع الحرية الممكنة وهو: "غياب الإكراه".
ويظهر محرك البحث الشهير (جوجل) أن عدد نتائج البحث باللغة العربية لكلمة (الحرية) بلغ (75.700.000). بينما بلغ عدد النتائج لترجمة الكلمة نفسها (Freedom) باللغة الإنجليزية حوالي (513.000.000)، وهذه الأرقام لحظة كتابة هذا التقرير. ما يعني أن الفرق بين النتائج العربية والنتائج الإنجليزية (437.300.000)، وهو رقم ضخم يظهر فارق الاهتمام بهذه الكلمة ومدلولاتها في البحث بين العرب وغيرهم. مع العلم أن هنالك كلمات أخرى يتفوق فيها في البحث العربي أكثر من البحث الإنجليزي.
وتعرّف الحريّة بحسب موسوعة ويكبيديا العالمية أنها: إمكانية الفرد دون أي جبر أو ضغط خارجي على اتخاذ قرار أو تحديد خيار من عدة إمكانيات موجودة. كما أنها حالة التحرّر من القيود التي تكبل طاقات الإنسان وإنتاجه سواء كانت قيودًا مادية أو قيودًا معنوية، فهي تشمل التخلّص من العبودية لشخص أو جماعة، التخلّص من الضغوط المفروضة على شخص ما لتنفيذ غرض ما، أو التخلّص من الإجبار والفرض.
في الإسلام ركّز الدين في مفهوم الحرية على أهمية الموازنة بين حقوق المواطن السياسية والاقتصادية، وجعل الأمر وسطًا. فأكّد على حق الإنسان في الحياة، معتبرًا المجتمع مسؤولاً عن توفير الحاجات الضرورية لأفراده. كما ركّز على حرية الإنسان وكرامته، واعتبره مسؤولاً عن أفعاله أمام الله وأمام الشرع، مستهدفًا بذلك حماية النفس والمال والعرض والكرامة الإنسانية بشكل متوازن.
والبحث في الحرية ربما يقود إلى تقسيمها إلى قسمين:
أولاً: الحريّة الداخليّة أو حريّة الإرادة والاختيار الباطني عند الإنسان: وهي التي دار البحث حولها من قبل علماء العقيدة (علماء الكلام) والفلاسفة والمفكرين الإسلاميين، وغير الإسلاميين، وانتهى البحث فيها إلى مذاهب وآراء شتى. فالإنسان وفق الرؤية القرآنية ومنطق العقل الإسلامي، يجب أن يكون مختارًا وحرًّا، ليكون مسؤولاً، وليجري عالم الإنسان وفق عدل الله تعالى، فلا مسؤولية بلا حرية، قال تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ).
ثانيًا: الحرية الاجتماعية: وهي الحرية التي يمنحها القانون والأخلاق والمجتمع للفرد، ويُعطى حق ممارستها في المجتمع. ويجب أن تتعامل معه السلطة والمجتمع وفقها، ومثالها حرية الفكر والسياسة والتملك وغيرها.   
والحرية هي منطلق النهضة والتنمية والتقدم لدى الفرد والمجتمع، فالإنسان الذي لا يملك الحرية لا يستطيع أن يصنع الحياة، والإنسان الذي يشعر بالاضطهاد وسحق إرادته وشخصيته، لا يتفاعل ولا يستجيب للسلطة، ولا لمشاريعها وسياستها، ولا يستطيع أن يوظّف طاقاته، وبالتالي لا يستطيع النهوض أو التقدم.
ويرتبط المفهوم الغربي للحرية بالتعدديّة الحزبية، وحرية الصحافة، والحقّ في تشكيل النقابات والاتحادات. ويغيب في هذا المفهوم حق التكافل الاجتماعي. أما في النظم الشيوعية فقد جرى التركيز على تلبية الحاجات الأساسية للمواطنين كالسكن والتعليم والعلاج المجاني، في حين غُيّبت الحرية السياسية بكل تشعبّاتها، وجرى التركيز على هيمنة الدولة على وسائل الإنتاج وقيادة الحزب الشيوعي للسلطة.
وفي اليونان وروما القديمتين نالت الطبقات العليا، دون سواها، حرية واسعة. وفي حوالي عام 500 ق.م، نشأت حكومات ديموقراطية في أثينا وعدد من دول المدن الإغريقية. وكان يجوز للمواطنين اختيار المسؤولين عن السلطة وتولّي مناصب فيها. غير أنهم كانوا يشكلون أقلية بين السكان؛ إذ لم تكن للنساء والعبيد والأجانب هذه الحقوق. وفي روما، بعد أن تحوّلت إلى جمهورية من سنة 509 ق.م. إلى سنة 27 ق.م.، نالت الطبقات العليا العديد من الحريات. إلاّ أنه لم يكن باستطاعة الطبقات الدنيا تولي وظيفة عامة أو الزواج من أسر الطبقات العليا. وكان العبيد هم أدنى الطبقات، وكانوا يُعْتَبَرون نوعًا من الملكية، وليس لهم حقوق قانونية.
وأفرزت العصور الوسطى في أوروبا نظامًا سياسيًّا واقتصاديًّا أُطلق عليه النظام الإقطاعي. في ظل الإقطاعية، أُعطي الفلاحون المعروفون باسم رقيق الأرض حرية محدودة، بينما حظي النبلاء بالكثير منها. وكان نبلاء المرتبة الدنيا يزوّدون نبلاء المرتبة العليا (الأسياد أو اللوردات) بالجنود،   
ويدفعون لهم الضرائب. ويُعْرف هؤلاء النبلاء الأقل مرتبة بأتباع السيد. حصل الأتباع على كثيرٍ من الحقوق المهمة، منها مثلاً، أن على السيد أن يستدعي أتباعه لأخذ موافقتهم قبل أن يجمع ضرائب إضافية. وكان هناك تقليد آخر يقضي بتسوية الخلافات بين تابع وسيده في محكمة تتكون من نظراء التابع؛ أي رجال من نفس المرتبة.
وفي سنة 1215م، صادق جون ملك إنجلترا على وثيقة سُمّيت (الماجنا كرتا) ـ وثيقة حقوق الإنسان ـ وبموجب هذه الوثيقة، اكتسب كثير من الحريات الإقطاعية التقليدية الصفة القانونية. وقد مهّدت تلك الوثيقة السبيل لتطوّر البرلمان في فرنسا. فضلاً عن ذلك، أقرّت الوثيقة بعدم جواز سجن رجل حر أو نفيه أو نزع ملكيّته إلاّ بموجب القانون. من هذا المفهوم، نمت الأفكار عن الإجراءات القانونية، والمحاكمة أمام هيئة محلفين. وفي القرون الوسطى، حظرت الكنيسة حرية الفكر في أوروبا. وشدّدت الخناق على المسلمين وعلى كل ما خالف معتقداتها. وفرضت قيودًا على الكتابة فيما اعتبرته مناقضًا لتعاليم الكنيسة.
وفي القرن العشرين بعد نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918م، أقام كثير من البلاد الأوروبية أنظمة ديموقراطية تمثيلية. وتوسّع مفهوم الحرية ليشمل حق العمل، والرعاية الصحية، والغذاء المناسب، والسكن. وفي عام 1948م، تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وقد عدد هذا الإعلان الحقوق والحريات التي رأت الأمم المتحدة أنها يجب أن تكون أهدافًا لكل الدول.
من جانب آخر تُصنّف أنواع الحريات بحسب التصنيف الغربي لها المطبق في الدول الرأسمالية الغربية في ثلاث مجموعات: الحرية السياسية. الحرية الاجتماعية. الحرية الاقتصادية.
فالحرية السياسية تتيح للإنسان فرصة المشاركة في اتخاذ القرارات الحكومية. وتشمل حقّ التصويت في اختيار أحد المرشحين المتنافسين على وظيفة عامة، وحقّ الفرد في ترشيح نفسه لوظيفة، والحق في نقد سياسات الحكومة. ويعتبر بعض علماء الاجتماع أن الحرية السياسية لا معنى لها إذا لم تؤازرها حقوق اقتصادية واجتماعية؛ إذ لا قيمة للتصويت إذا لم تتوافر حاجاتهم الأساسية.
بينما الحرية الاجتماعية حسب المفهوم الغربي للديموقراطية تشمل حرية التعبير والصحافة، والحرية الدينية، وحرية الاجتماع، والحرية التعليمية، وحرية التقاضي وفقًا لقواعد الإجراءات القانونية.
أما الحرية الاقتصادية فتعني تمكّن الناس من أن يتخذوا قراراتهم الاقتصادية بأنفسهم. وهذه الحرية تشمل حقّ الملكية، واستعمالها وجني الربح منها. فالعمال أحرار في اختيار وظائفهم، وللناس حرية ادخار المال واستثماره بمحض إرادتهم