الحرية في الإسلام حينما تكون قيود الدين «براحًا»

كتب بواسطة: أسامة نبيل | في الملف . بتاريخ : Jul 3 2012 | العدد :83 | عدد المشاهدات : 5503

 الحرية في الإسلام حينما تكون قيود الدين «براحًا»

نسخة للطباعة
الحرية غريزة فطرية؛ فالله جل في علاه خلق عباده أحرارًا، ويوضِّح ذلك ويؤكده قول خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟". كما حثّ الإسلام على الشورى؛ حيث يقول تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}، وكان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أول من طبّق نظام الشورى بين المسلمين ووضَح هذا جليًّا خاصة أثناء الغزوات.
ووضوح حرية التعبير، مؤكدة في الإسلام من خلال القرآن الكريم وسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: }وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ{ (هود: 118)، أي أن الاختلاف بين البشر ليس أمرًا طبيعيًا فحسب بل إيجابي. كما يوضِّح القرآن الكريم أن اختلاف الآراء سيؤدِّي إلى النزاع والصراع؛ إذ يقول تعالى: }فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ{ (النساء: 59)، مؤكدًا بهذا وجود آراء متعددة في المجتمع الإسلامي تعكس تنوُّعه وتياراته الفكرية.
كما أقرّ بأن يتمتع المجتمع، رجالاً ونساءً، بالحرية في التعبير عن آرائهم ومواقفهم، حيث يَذكُر القرآن: }َوالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ{ (التوبة: 71) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع لا يقتصر على الأمور الدينية والعبادات والعقائد فحسب، بل كل النشاط الإنساني في التفكير والنقد والمعارضة والتقييم في شؤون السياسة والثقافة والاقتصاد.
حول الحرية في الإسلام وقلة الكتابات عنها كان هذا التحقيق:
البرّ: أزمة الكتابة عن الحرية في الإسلام تكمن في وضوحها
في البداية أكَّد الدكتور عبد الرحمن البر- أستاذ الحديث بجامعة الأزهر، وعضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين- أنه للأسف الكتابات الإسلامية حول الحرية في الإسلام قليلة جدًّا، ربما نظرًا لوضوح الأمر، ولأنه لا يحتاج إلى دليل أو برهان، وربما كان وضوحه يجعل الكاتب لا يرى ضرورة للكتابة عنه.
وأضاف: هناك رسائل علمية مهمة للغاية نُشِرت في العديد من دول العالم الإسلامي تحمل معاني الحرية في الإسلام؛ ومنها: "الحرية السياسية في الإسلام"، وأيضًا دراسة لنيل شهادة الماجستير الخاصة عن الحرية السياسية في الدعوة الإسلامية، وأيضًا الدكتور أحمد جلال له كتاب يُدْعَى "حرية الرأي في المجال السياسي في الإسلام".
وأوضح أنَّ كل هذه الكتب ربما تكون ليست منتشرة الانتشار الكافي، لكنها تَحْوي العديد من المفاهيم العلمية الواضحة والصريحة حول معاني الحرية في الإسلام، هذه المعاني التي تدور حول كون الحرية في الإسلام فريضة على الحاكم والمحكوم معًا، فالحاكم مطالب بتنفيذها عن طريق الشورى، وعن طريق تحقيق العدل والنظام القضائي المستقل، ونشر التعليم، وتحقيق الاكتفاء الاقتصادي وغيرها من الوسائل التي تجعلها مُمْكِنَةً بحيث لا تخاف الرعية من ظلم أو فقر أو تهميش إذا مارستها، والمحكوم مطالب بها فردًا وجماعات في كل المجالات تجاه الحاكم وتجاه الآخرين، وبدون حرية التعبير وكل ما يؤدِّي إليها يحدث خلل في المجتمع الإسلامي، فالمسلم مطالب بعدم كتمان الشهادة السياسية والاجتماعية والقضائية على حدٍّ سوء: }وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ{ (البقرة 283).
وتابع: ولكن أزمة الكتابة عن الحرية في الإسلام تكمن في وضوحها وضوح الشمس، حتى وإن كانت قليلة، ولذلك أنا أُطالب الإسلاميين بالاهتمام أكثر بهذا الباب خاصة بعد ظهور العديد من الشُّبُهات وتنوع الكتابات التي تصف الإسلام ظلمًا بصفات ليست فيه، ومنها أنه ليس دين الحريات، رغم أنّ الحرية في الإسلام من بَدِيّهيّاته بل إنّ الرسالة جاءت على النبي الكريم محمد صلى الله عليه بالأساس لتعيد الحرية للناس ووقف زمن الاستعباد، ولكن للأسف كَثُر الحديث في الفترة الأخيرة عمّا يُسَمّى بالدولة المدنية والدينية.. وما إلى ذلك من المصطلحات الهوجاء، وبالتالي بات ضروريًّا على الإسلاميين أن يَعُوا مثل هذه الأمور ويفتحوا الباب أكثر أمام الكتابات التي تحمل في مضمونها معاني الحريات في الإسلام لتِبْيَان الأمر وللوقوف في وجه مَن يريدون تشويه الإسلام بما ليس فيه.

د.عمارة: الحرية تعني "الحياة"
ويعتبر الدكتور محمد عمارة المفكر الإسلامي، الحرية في الإسلام هي "الحياة ذاتها" التي بها يعيش البشر، مشددًا على أنَّ "الحرية هي المقصد الأول لشريعة الإسلام".
وانتقد عمارة قِلّة كتابات الإسلاميين عن الحرية في الإسلام، لكنه أشار إلى أنه قرأ عن معاني ارتفاع مقام الحرية كثيرًا في كتب التراث الإسلامي التي صُنّفت قبل أن تعرف الحضارات الأخرى للحرية معنى ولا مبنى، وقال: لقد كتب الإمام النِّسَفي (710هـ 1310م) في تفسيره للقرآن الكريم، معللاً- وهو يفسر قول الله- سبحانه وتعالى- }ومَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ{ (النساء: 92)- لماذا كانت كفارة القتل الخطأ تحرير إنسان من رقّ العبودية فقال: "لأن القاتل لما أخرج نفسًا مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسًا مثلها في جملة الأحرار؛ لأن إطلاقها من رقّها كإحيائها، من قِبَل أنّ الرقيق ملحق بالأموات؛ إذ الرق أثر من آثار الكفر، والكفر موت حكمًا كقوله تعالى: }أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ{ (الأنعام: 122)"
ويتابع عمار: إنه لهذه الحقيقة جعل الإسلام مصرفًا من مصارف الزكاة الثمانية، تحرير الأرقاء، أي إحياؤهم بالحرية من موات الاسترقاق، كما جعل بقية المصارف المالية تحريرًا للفقراء من رق الفقر والعوز والحاجة، فكأنّما كل مصارف الزكاة مُوَجّهة للحرية والتحرير.
ويضيف: إذا كان مصطلح الحرية هو واحد من المصطلحات التي يَكثُر ترديدها والحديث عنها في مختلف الثقافات والحضارات، وتَمْتَلِئ به صفحات المواثيق الدولية التي تتحدث عن حقوق الإنسان فإنَّ علينا أن نَتْنَبِه إلى أن لهذا المصطلح الواحد مضامين ومفاهيم مختلفة في بعض الثقافات والحضارات.
وحول محاولات الغرب نقل أفكاره عن الحرية إلينا، قال عمارة: إنّه منذ بواكير الاستعمار الغربي لبلادنا في القرن التاسع عشر ـ جاءنا الغرب بمفهومه الليبرالي الوضعي لمصطلح الحرية، المفهوم الذي يقضِي بعدم تعرُّض أحد لأحد في أموره الخاصة".
وأشاد عمارة بموقف عبد الله النديم آنذاك، لرفضه هذا المفهوم الغربي للحرية، حينما قال: "إنّ الحرية هي عبارة عن المطالبة بالحقوق، والوقوف عند الحدود، وهذا الذي نسمع به ونراه رجوعٌ إلى البهيمية وخروجٌ عن حد الإنسانية، إنها حرية مدنية ينفر منها البهيم، ولإن كان ذلك سائغًا في أوروبا، فإنّ لكل أمة عادات وروابط دينية أو بيتية، وهذه الإباحية لا تُناسِب أخلاق المسلمين ولا قواعدهم الدينية ولا عاداتهم، وهي لا توافق عوائد أهل الشرق ولا أديانهم، والقانون الحق هو الحافظ لحقوق الأمة من غير أن يجني أو يُغْري بالجناية عليها بما يبيحه من الأحوال المحظورة عندها".
البشري: الحرية في الإسلام تتقبل حتى "الكافر"
الحرية في الإسلام هي أن تَصِل البشرية إلى "النضوج"، بهذه الكلمات بدأ المستشار طارق البشري حديثه حول الحرية، مؤكدًا أنَّ الشريعة الإسلامية هي الوحيدة بين الديانات السماوية التي تُعطِي للجميع كل الحريات حتى في "الكفر"، كما يقول تعالى }لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ{، وقوله: }وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ{، إذن حتى في الكفر للناس الحرية في اعتناق ما يشاءون، فهل هناك دين يعطي هذه الحريات سوى الإسلام؟
وحول قلة الكتابات التي تتحدَّث عن الحرية في الإسلام، أشار البشري إلى كتابيه "الدولة والكنيسة" و"المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية"، واللذان أكّد فيهما أن مبدأ المواطنة يجد دعامته المستقاة من أحكام الشرع الإسلامي، تلك الأحكام التي تحمل كل معاني الحرية.
وأوضح أنه في كتابه "الجماعة الوطنية.. العزلة والاندماج" الصادر عام 2005، أشار فيه إلى أنّ المادة الثانية من الدستور المصري والتي تقول إن الإسلام هو دين الدولة ومصدر التشريع، موجودة في كل الدساتير السابقة، حيث وجدت في دستور 1923 والذي استمرّ العمل به حتى 1953، ونصّت على أن الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية. مضيفًا: أنه بمجرد اقتراح هذا النص في الثالث من أكتوبر 1922 تمت الموافقة عليه بالإجماع بغير تحفُّظ ولا مناقشة؛ ذلك لأن الجميع يعلمون أنهم في ظل الإسلام يعيشون كامل الحرية.
وكسابقيه، انتقد البشري قلة كتابات الإسلاميين حول الحريات في الإسلام، وقال: إنّه آن الأوان لتوضيح هذا الأمر مع تزايُد الجدل بشأن قيام دولة "دينية" أو "مدنية" في مصر عقب سقوط نظام الرئيس حسني مبارك، وحتى إثارة هذا الجدل في تونس بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، وبالتالِي من يحاول التخويف من قيام دولة إسلامية أو من ينظر إلى الدولة الإسلامية باعتبارها هذا الكيان المنغلق، وبالتالي وجَب التوضيح للجميع، ليعلم الكل أن الإسلام هو الدين السماوي الوحيد الذي يحمل شعلة الحريات ولا يقبل بغيرها بديلاً.

العوا: حرية
الإنسان مُقَدّسة
بدوره، أقرَّ الدكتور محمد سليم العوا بوجود تقصير لدى الكُتّاب الإسلاميين في الحديث حول الحريات في الإسلام، لكنه أرجع سبب ذلك إلى أمرين؛ أولهما: ربما وضوح الأمر على اعتبار أنّ الإسلام بالفعل دين الحريات ولا يحتاج ذلك إلى تعريف، وثانيهما: محاولات البعض ربط الإسلام بــ"الظلامية" وهو منها بعيد.
وشدّد العوا على ضرورة البدء في انتشار الكتب الإسلامية الداعية إلى الحريات وتعريف الحرية في الإسلام، لتوضيح الحقيقة الغائبة بأنّه في ظل الإسلام ينعم الكلّ؛ مسلم وغير مسلم، بكامل حريته دون المساس بها.
ويقول: برأيي حرية الإنسان مقدسة- كحياته سواء بسواء- وهي الصفة الطبيعية الأولى بها يولد الإنسان (ما من مولودٍ إلا ويُولَد على الفطرة)، وهي مستصحبة مستمرة ليس لأحد أن يعتدي عليها؛ فالحرية منحة إلهية فطرية وليست منحة تشريعية، "الحرية حقيقة تكوينية في الإنسان، ليست تشريعية مُعْطاة.. فالتشريع، أيُّ تشريعٍ كان، لا يمنح الإنسان الحرية لسبب أساس، وهو أنّ الحرية موجودة تكوينيًّا في الإنسان، فالإنسان خُلِق حرًّا، وكل ما على التشريعات سواء كانت وضعية أو إلهية هو أن تمنع مصادرة هذه الحرية أو العبث بها" فالحرية إذن خَلْق رباني ثابت في نفس الإنسان منذ ولادته وليست غريزة؛ لأنها لو كانت غريزة لما استطاع أحد تَفْويتها عن نفسه.
ويَذكُر العوا قول علال الفاسي: "الحرية الإسلامية قانوني يتفق مع إنسانية الإنسان وفطرته، وليست حقًا طبيعيًا يستمد من غريزة الرجل المتناقضة".
وأشار إلى أنّ كتابه "الحق في التعبير"، يتناول قضية الردّة عن الإسلام، ومدى صحة دعوى الحسبة وصور منها في القانون المصري، وحرية العقيدة والحكم بالردّة والآثار المدنية للردّة وكيف تقع وهل يوجب الإسلام قتل المرتد وهل للمرتد من سبيل؟
ويقول العوا في كتابه: الأصل أن العقيدة أمر نفسي بحت لا يطلع عليه إلا صاحبه، ولكل إنسان- في حكم الإسلام- أن يعتقد ما شاء فالقرآن الكريم يقرّر أنه } لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ{ ويقرر أن  }فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ{، والذي يتخذ ما شاء من عقائد ويحتفظ بها لنفسه لا يستطيع أحد، ولا يجوز لأحد، أن يعرض له أو يناقشه فيما اعتَقَد فضلاً عن أن يُحاسِبه عليه أو يسائله عنه