ألبرتو مانجويل أستاذ قراءة العالم

كتب بواسطة: نورة سعد الشريف | في بروفايل . بتاريخ : Jul 4 2012 | العدد :83 | عدد المشاهدات : 3071

ألبرتو مانجويل  أستاذ قراءة العالم

نسخة للطباعة
نحو الخلود
ربما وجد الإنسان الذي يعاني من الفناء، ويتطلع إلى الخلود حيلة في "القراءة" تجعله خالدًا، يقرأ الماضي ويطّلع عليه، ويقدم فكره وتجربته لمن بعده ليبقى حيًّا"، وبذلك "يرى ما لايراه الآخرون".
بمثل هذه السلاسة الفائقة يعرض لنا القراءة لمولع بها الجنوبي الأرجنتيني: ألبرتو مانغويل.

قبل الخلود بقليل
وُلد مانغويل الأرجنتيني الأصل في بيونس إيريس في العام 1948م، لكنه نشأ وترعرع في فلسطين المحتلة حين انتقل إليها يافعًا مع والده الذي عُيّن أول سفير لبلاده لدى إسرائيل. لم تكن هذه النشأة ذات أثر كبير أو قليل حتى على مانغويل، حيث كانت نشأته المؤثرة في بيونس آيريس التي شهدت بذرة موهبته الأولى.
يروي عن نفسه: "داومتُ على لقاء المثقف (خورخي لويس بورخيس) حيث كنتُ أعمل بعد المدرسة في المكتبة الأنجلو ألمانية، ألتقيه كقارئ له في الحين الذي أصابه العمى، كان يقرأ الكتب من خلالي منصتًا لما أقول: "كان ذلك بين العامين (1964-1968) م، ومن خلال هذه اللقاءات تشكّلت اهتمامات وميول مانغويل.
عاد في وقتٍ لاحق إلى الأرجنتين، وعاش مراهقته فيها، والتي شكّلت إلى حدٍ كبير اتجاهاته الفكرية..
في  العشرين من عمره تفتّقت ثورته الشبابية، فشارك في النقابة القومية الوطنية في بيونس إيريس يشاركه فيها نخبة من مفكري الأرجنتين البارزين أمثال المؤرخ (ألبرتو سالاس)، والباحث (سرفانتس ليرنر أسياس)، والناقد الأدبي (إنريكي بيتسوزني).

جامعي معطّل
تخلّى مانغويل عن صفوف الدراسة الجامعية بعد عامه الأول فقط، لكنه سرعان ما تدارك تعثّره الجامعي ملتحقًا بركب الصحافة حين ولجها محرّرًا لدى عدة صحف لعلّ أبرزها (Galerna) أو (غاليرنا) و (غليرمو شافيزلون)، والتي أسست لاحقًا -وبعد خمسة وثلاثين عامًا- في برشلونة تحديدًا دار نشر، لتصبح وكيلاً لأعمال مانغويل  الأدبية.

سفر الصحافة
لم تعرف حياة مانغويل  الاستقرار؛ فقد كان يتنقّل بصفة دائمة، في العام 1969م  سافر مانغويل إلى أوروبا وعمل كقارئ أو مدير نصوص لشركات النشر المختلفة، متنقّلاً بينها أمثال: (دينول) و دار (غاليمارد)، و (ليز ليتريس نوفيليس) في باريس، و(كالدر وبويارس) في لندن..
هذا العمل شكّل المصب الرئيس والمرجع الأهم لولع مانغويل في القراءة وانكبابه عليها.
في أوائل السبعينيّات أثناء هذه المدة  وكصحفي متنقل بين باريس ولندن ُمُنح جائزة (Premio La Nación) أو (بريمو لا نيشن) عن مجموعة قصص قصيرة استحقّها  مناصفة مع الكاتب (برناردو شافيتا).
مانغويل يعود إلى بوينس آيريس في العام 1972م، كمراسل لصحيفة  (لانيسيون)، وبعدها بعامين أي في العام  1974م عُرضت عليه وظيفة "محرّر أجنبي" في  دار نشر تُدعى (فرانكو ماريا ريتشي) في ميلانو بإيطاليا، وفي هذا المكان تحديدًا  قابل (جياني قوادالوبي) الذي ألّف معه لاحقًا: قاموس الصور المتخيّلة أو الخياليّة، الكتاب دليل سفر إلى الأراضي الخيالية، والجزر والمدن والمواقع من الأدب العالمي متضمنة: أماكن عديدة ربما يكون أهمها أماكن الرواية العالمية "أليس في بلاد العجائب".
في العام 1976م انتقل مانغويل إلى تاهيتي وعمل محرّرًا لدى صحيفة (لزايدشن دي باسفيك)، واستمرّ يعمل هنالك حتى العام 1977م، أي أنه ظل هنالك عامًا كاملاً، و عمل لنفس الشركة في باريس لمدة عام كامل أيضًا.
كانت حياة مانغويل لا تعرف إلاّ الترحال، في أوائل الثمانينيّات، وتحديدًا العام 1982م انتقل إلى تورنتو في كندا، وعاش هنالك، مع فترة وجيزة في أوروبا أثرى خلالها مانغويل العديد من الصحف، مساهمًا بانتظام في الملحق الأدبي في (التايمز) و(غلوب أند ميل)، وصحيفة (سيدني)، و(واشنطن بوست)، و(سفسكا داقبلا ديت)، و(صوت القرية).
ومراجعة بعض الكتب والمسرحيات لهيئة الإذاعة الكندية.  

شذرات
"الكلمات تستطيع أن تجعل مقعدًا يمشي والأعمى يرى. الكتب تقود إلى طريق الحرية.
في عمله الجديد: "مكتبة في الليل" الذي طبعته (مطبعة جامعة بيل) يعرض مانغويل  كيف يقضي لياليه مزدحمًا بحكايات بارزة أو جديرة بالذكر للقراءة كمنتشلة ومبهجة للقراءة، في وقت يستغل الخوف من الاستبداد نجده قابعًا في مكتبته، هكذا  كان يقضي البرتو أوقاته".
في وداع الألفية الثانية وفي العام 2000م، انتقل مانغويل إلى منطقة (بواتو شارانت)، الفرنسية، حيث يقيم هو وشريكه؛ فقد اشترى بيتًا ينتمي إلى القرون الوسطى. وأثناء تجديده أقام مكتبته والتي تحوي (30000) كتاب ووثيقة، وحصل في بداية الألفية الثالثة على الدكتوراه الفخرية من جامعة لييج.
ومستمرًا في عطائه الثقافي المتصل على الرغم من أعماله وتنقّلاته استمّر مانغويل كاتبًا ومحاضرًا في العام 2007م، والتي جُمعت  فيما بعد ونُشرت باسم: "مدينة من الكلمات".
في 2008م، كُرّم (البرتو مانغويل)  في مركز بومبيدو في باريس، كجزء من احتفالاتها بالذكرى السنوية لانطلاقتها الثلاثين، بدعوته إلى وضع برنامج لمدة ثلاثة أشهر طويلة من المحاضرات والأفلام والموائد المستديرة.
ولايزال يكتب بصفة منتظمة مقالاً لمجلة (قيست).

تاريخ القراءة
ألّف ألبرتو مانغويل كتابه تاريخ القراءة، ولقد نقله للعربية سامي شمعون عن دار الساقي عام 2001م، بصفحاتٍ تجاوزت الثلاثمائة. هذا الكتاب استعراض لقراءته للتاريخ، معتمدًا على أسلوب القراءة الاستقرائية بموضوع فريد ومختلف عن بقية الكتب مُقتفيًا تاريخ أولئك الذين شُغفوا بقراءة الكتب عبر التاريخ، والذين كان لهم الفضل بعد الله في جمع تلك المواد، على الرغم من كل الآلام والمشاقّ التي تصادفهم يتطرق مانغويل إلى طقوس القراءة التي مهّدت لحضارات مختلفة؛ فلكل قارئ طقوسه، ولكل كتاب أوراقه وتغليفه وتجليده، وتطوّر ذلك عبر التاريخ متدرّجًا من الخصوص نحو العموم. ولم يكتفِ بهذا؛ فقد استعرض تاريخ قراءة الصور كطقس من الطقوس المسيحية القديمة، وإن القراءة رسم في الخيال وصور في الذاكرة، يستعرض ألبرتو تاريخ القراءة؛ إذ إن السومريين في سوريا والعراق هم أول من بدأ القراءة، وناقش كيف كانوا  يتعلّمون ويكتبون في ألواحهم الصلصالية.

القراءة وتعلمها
القراءة الجهورية، والقراءة الصامتة، والقدرة على حفظها هي قدرات مذهلة للفرد القارئ وغير القارئ، منها نطّلع على كافة العلوم. كانت القراءة وتعلّمها مقصورة على المجتمع المسيحي الارستقراطي، ويعرض في الكتاب مطوّلاً: كيف تطوّر تعليم القراءة حتى إنشاء المدارس في القرون الوسطى.
استعرض عددًا من العلماء المسلمين وولعهم بالقراءة في صور متخيّلة أحيانًا ومرسومة في صور قديمة أحيانًا أخرى.
لكنه لم يذكر عنهم شيئًا بعد القرن السابع الميلادي، وهذا يحتاج إلى بحث جادٍّ وطويل ومنصف أيضًا، وأيًّا يكن من أمر فمانغويل يعتمد بشكل كبير على المصادر الثانوية والجامعية في كتابة ذائع الصيت، مما يجعله نادرًا ما يرجع إلى مراجع عالية التوثيق.
يختتم كتابه أنه ومهما كان القارئ قد قرأ من شتى الكتب، ونهل من مصادر المعرفة وأمهات الكتب، فتاريخ القراءة لديه يبدأ مع أول حرف قرأه.

بعد الخلود بقليل
ألف مانغويل  مجموعة من الكتب: تاريخ القراءة، ويوميات القراءة، ورحلة إلى الأماكن الخيالية، ومع بورخيس، وأمهات وبنات، و قصص من البطريق، ومدينة الكلمات.
 فاز بجوائز عديدة  عبر نضاله التاريخي كاتبًا ومثقّفًا وصحفيًّا