متحدثاً عن ثورات العرب .. مهاتير: «اعتزلت حتى لا يكرهني شعبي»

كتب بواسطة: مصطفى عياط | في متابعات . بتاريخ : Jul 6 2012 | العدد :83 | عدد المشاهدات : 2898

متحدثاً عن ثورات العرب .. مهاتير: «اعتزلت حتى لا يكرهني شعبي»

نسخة للطباعة
في ظل الأمواج المتلاحقة لـ "ربيع الثورات" العربي، يكون من الأهمية بمكان الاستماع لرؤية وتقييم شخصية بوزن وقيمة مهاتير محمد رئيس الوزراء الماليزي الأسبق، فالرجل صنع في بلاده "ثورة حضاريَّة" متعددة الأوجه، اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا، ثم تخلى طواعيةً عن السلطة، رغم تعدد المناشدات المطالبة باستمراره، اللافت في تجربة مهاتير أنه رفض استيراد "نموذج نجاح" بعينه، وإنما وضع خريطة للنهضة تراعي تقاليد وظروف الشعب الماليزي بمختلف أطيافه.
مهاتير حلَّ مؤخرًا ضيفًا على القاهرة، ليطلعَ عن قرب على تفاصيل ثورتها، ثم ليبسط أمام مسئوليها خلاصة تجربته ونصائحه، فالرجل يؤمن أن العالم العربي سوف يتغير، ولكن تغيير نظم الناس وتوجهاتهم ليس بالأمر السهل، فذلك يتطلب امتلاك المعرفة ووضع الاستراتيجيَّات التي تعتمد على التفكير.

"لا فرصة للفشل"
ويرى مهاتير أن الثورة المصريَّة هي الطليعة لباقي الدول العربيَّة، ولذا فـ "مصر ليس لديها فرصة للفشل بعد ثورة 25 يناير، لأن كل الدول العربيَّة تنظر إليها باعتبارها نموذجًا، وتحاول تقليده"، "لا يوجد طريق واحد للنهضة" هكذا يعتقد مهاتير، ولذا فإنه أمام مصر عدة نماذج يمكن استلهام الطريق منها كالبرازيل والهند وماليزيا، معربًا عن شعوره بالفخر لاعتبار ماليزيا أحد النماذج المطروحة أمام مصر، خاصةً أنهما دولتان مسلمتان، وحجم السكان لديهما كبير.
"اعتزلتُ رئاسة وزراء ماليزيا، لأنني كمسئول لا أستطيع التعايش مع شعب يكرهني" هكذا نصح مهاتير الحكام الذين يريدون الاستمرار في الحكم حتى وفاتهم، مضيفًا: "على الحاكم أن يخطط لمستقبل بلاده لا لبقائه في الحكم"، كذلك لا يجب على الشعوب أن تعول على دعم الغرب، لأنه يؤيد الديمقراطيَّة فقط: "إذا كانت تتفق مع مصالحهم أو كانت لصالحهم، وإذا كانت لغير صالحهم تكون معاييرهم مزدوجة، وبالتالي يصلون إلى مرحلة النفاق" يضيف مهاتير.

سرّ النجاح
ويوجز مهاتير التجربة الماليزيَّة في كلمات قليلة: "قمنا بعمل إنماء للقضاء على البطالة، ولأننا بلد زراعي، فلم يكن بمقدورنا توفير وظائف للمواطنين، لذا لجأنا إلى الصناعة بالتوازي مع الزراعة، وركَّزنا على الصناعات التي تحتاج عمالة كثيفة، ومنحنا تسهيلات ومميزات لجذب المستثمرين لأننا لم نكن نملك المال الكافي لإقامة المصانع، ذلك بالإضافة إلى الاهتمام بالتعليم، لأنه الوسيلة الوحيدة للرقي، ولذا خصصنا له 25% من دخل الدولة".
ويضيف: "لم أعتمدْ يومًا على تقارير الموظفين البيروقراطيين، وكنت أطلب أرقامًا دقيقة عن أوضاع العاطلين والأميين والمهمَّشين، ولا أسمح بالتلاعب أو تجميل الموقف، الانفتاح على الغير مسألة حياة أو موت؛ لأن الإنسان يحتاج إلى خبرات الآخرين، فقرَّرت أن أعتمد على الخبرة اليابانيَّة، وأن أستفيد من تجربة سنغافورة، لم يشدني النموذج الأمريكي أو الأوروبي، بل شدتني تجارب الدول التي تقع في محيطي الجغرافي".
وينحاز مهاتير إلى النظام الذي يتبعه اليابانيون في العمل، حيث يذهبون لعملهم قبل الوقت المحدد لدراسة الأهداف المراد تحقيقها، ثم يعملون بجد، وفي نهاية اليوم يجتمعون لمناقشة النتائج التي توصَّلوا إليها، مشيرًا إلى أن تنظيمهم الجيد وإخلاصهم في العمل دفع اليابان للأمام في زمن قياسي.

"خط أحمر"
 ، ويبرِّر مهاتير محمد ذلك: "نحن لم نحصلْ على أي أموال أو مساعدات؛ لأن ذلك سيدخلنا في دائرة مغلقة لسداد هذه الديون وما يترتب عليها من أعباء".
ويضيف: "لا نقترض من الآخرين، ولا نحصل على معونات، ونعتمد بشكلٍ كبير على مواردنا الداخليَّة، ونحن شعب موفِّر، ولدينا احتياطي نقدي يبلغ 400 مليار رنجت ماليزي (حوالي 120 مليار دولار)، وبالتالي نستطيع أن نقول "لا" لأي قرار من أي جانب، فاعتمادك على الآخرين يجعلهم يضغطون عليك في أشياء معينة، ولا يمنحك استقلاليَّة في اتخاذ القرار".
"الديمقراطيَّة تسمح بالتظاهر، ولكنه سلاح نلجأ إليه إذا ما نفدت باقي السبل" هكذا يُبدي مهاتير تحفظه على كثرة التظاهرات الفئويَّة في مصر عقب الثورة، موضحًا أن حكومته كانت تمنح المواطنين حق التظاهر، ولكنها في الوقت نفسه كانت تقوم بالتواصل المباشر مع الناس، وتشرح أسباب اتخاذ القرارات، ولماذا تمت بهذه الطريقة، وتستمع لآراء المواطنين، حتى لا يحدث انفصال بين الشعب والحكومة".
ولا يتوقف مهاتير كثيرًا أمام الجدال الدائر في بعض الدول العربيَّة حول الاختيار ما بين الديمقراطيَّة أم الإسلام، لأنه بكل بساطة- يقول مهاتير: "إذا اتَّبعنا تعاليم الإسلام بطريقة صحيحة دون أي فهم خاطئ فسوف نحقِّق مجتمعًا صالحًا وحكومة جيدة بالرجوع إلى تعاليم القرآن والسنة الموثقة، فالقرآن هو الدليل المذهل للحياة، وكثير من آياته مباشرة توضح للإنسان الصواب والخطأ، وتعاليمه الأساسيَّة تنادى بالعدل والإخلاص في العمل، وبالتالي ينتج عنها تنمية البلاد".

لهذا نتراجع..
تراجع القضايا العربيَّة والإسلاميَّة على الصعيد الدولي، خاصة قضية فلسطين، يعزوه مهاتير محمد إلى "أننا لسنا جيدين في نشر قضايانا، ونتصرف باندفاعيَّة وبدون استراتيجيَّة واضحة، في حين أنه لا بدَّ من شرح الموقف الحقيقي أمام العالم، والتصرف بعقلانيَّة ليعرف الآخر أننا نتحرك من أجل العدالة، وباختصار فنحن لسنا متحدين ولا متعقلين، وليس لدينا خطة أو استراتيجيَّة، لذلك خسرنا دعم الآخرين".
ولإنهاء هذا التراجع، ينصح مهاتير العرب بـ "التحرك لكشف قبح الوجه الإسرائيلي للعالم، لأن كثيرًا من دول العالم لا تعرف الممارسات الوحشيَّة التي تمارس ضدّ الفلسطينيين، وكشف ممارسات إسرائيل سيكشف الوجه القبيح للولايات المتحدة التي تظهر دائمًا بصورة المدافع عن حقوق الإنسان والحريات، لأنها حال وقوفها بجانب إسرائيل ستكون مدافعةً عن الوحشية الإسرائيليَّة، وبالتالي يسقط قناع الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان، وتفقد المصداقيَّة لدى دول العالم أجمع".

مسيرة حافلة
ولد مهاتير محمد في ديسمبر 1925م بولاية كيداه بماليزيا، وتلقى دراسته بكلية السلطان عبد الحميد، ثم درس الطب بكلية "المالاي" بسنغافورة، وبعد ذلك انتقل لدراسة الشئون الدولية بجامعة "هارفارد" الأمريكيَّة عام 1967م، وعمل مهاتير بعد تخرجه بالطب في عيادته الخاصة، وكان يعالج الفقراء مجانًا، كما عمل كضابط طبيب بسلاح الخدمات الطبية.
انخرط مهاتير في حزب "اتحاد الملايو"، وتدرَّج فيه من عضو المجلس الأعلى، إلى نائب الرئيس، وبعد ذلك تولَّى رئاسة الاتحاد عام 1981، كما شغل عددًا من المناصب منها مندوب ماليزيا بالأمم المتحدة 1963، ورئيس مجلس التعليم العالي الأول، ورئيس مجلس الجامعة الوطنيَّة، ثم وزيرًا للتربية والتعليم عام 1974، ونائب رئيس الوزراء ووزير التجارة والصناعة عام 1978، ثم تولَّى رئاسة الحكومة عام 1981، ليصبح أول رئيس وزراء ماليزي ينتمي لأسرة فقيرة، حيث أن رؤساء الوزارات السابقين إما أعضاء في الأسرة الملكية أو من عائلات النخبة.
استمرَّ مهاتير في منصبه لنحو 22 عامًا، حققت خلالها ماليزيا ذروة مجدها وارتفع نصيب دخل الفرد فيها ارتفاعًا كبيرًا، وتقلَّصت البطالة لأقل من 3%، وتحوَّلت البلاد من دولة زراعيَّة يعتمد اقتصادها على تصدير المحاصيل الزراعيَّة والمواد الأوليَّة مثل زيت النخيل والمطاط والقصدير، إلى دولة صناعيَّة متقدمة، حيث يشارك القطاع الصناعي والخدمي بنحو 90% من الناتج المحلي، وصادرات السلع المصنعة تبلغ 85% من إجمالي الصادرات، و80% من السيارات التي تسير في شوارعها صناعة ماليزيَّة، كما انخفضت نسبة السكان تحت خط الفقر من 52% عام 1970، إلى 5% فقط عام 2002، فيما ارتفع متوسط دخل الفرد من 1247 دولارًا عام 1970 إلى 8862 دولارًا عام 2002، أي أن دخل المواطن تضاعف 7 مرات خلال 30 عامًا، وانخفضت نسبة البطالة إلى 3%.
وفي عام 2003 قرَّر مهاتير محمد اعتزال الحياة السياسيَّة، بعد أن أثبت للعالم إمكانية نهوض دولة إسلاميَّة اقتصاديًّا بالاعتماد على نفسها والوحدة والتآلف بين أفراد شعبها بمختلف دياناتهم وأعراقهم، وسلّم مهاتير مقاليد البلاد لخليفته ونائبه عبد الله أحمد بدوي، ليتحول إلى حكيم اقتصادي وسياسي يعد منهجه السياسي والتنموي مرجعًا للكثير من الدول والساسة عبر العالم