المجاعة تعود إلى القرن الإفريقي

كتب بواسطة: حسن شعيب | في الجهات الاربع . بتاريخ : Jul 6 2012 | العدد :82 | عدد المشاهدات : 1921

المجاعة تعود إلى  القرن الإفريقي

نسخة للطباعة
ديفيد راندال - سيمون ميرفي
ترجمة حسن شعيب


بين مطرقة الحرب وسندان الجفاف، يكاد ملايين البشر في منطقة القرن الإفريقي يموتون جوعًا، ما يضع البشرية برمتها أمام كارثة إنسانيَّة مروّعة، ستتفاقم ما لم يتحرك المجتمع الدولي على وجه السرعة، وينظر إلى هذه المنطقة بعين الرأفة والرحمة.
مئات الأميال في منطقة القرن الإفريقي يضطر عشرات الآلاف من الأطفال قطعها سيرًا على الأقدام في رحلة مُضنية، يحفّها الجوع والشقاء، تستغرق عدة أسابيع؛ حتى يتسنى لهم الوصول إلى مخيمات اللاجئين التي طفحت بسكانها، بعد أن غابت عن ناظري العالم ووسائل إعلامه تمامًا.
ربما تتساءل: ما الذي أجبرهم على تجرّع المرّ؟ والإجابة: ما هو أمرّ منه، ويتمثل في أسوأ موجة جفاف أصابت المنطقة منذ (60) عامًا، مضافًا إليها تلك الحرب المندلعة في الصومال، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، ونُذر مجاعة تهدد بإزهاق حياة ما بين (8- 10) مليون نسمة.
عن مأساة هؤلاء الأطفال حدّث ولا حرج؛ إذ يصل يوميًا أكثر من (1200) طفل يُعانون من سوء التغذية، بعد أن أدمى أقدامهم العارية السير لمئات الأميال، إلى المخيمات الواقعة في شمال كينيا، والتي أُنشئت لتسع نحو (90) ألف لاجئ، لكنها الآن تفيض بأكثر من (370) ألف شخص.
ولا غرو أن يلقى ذوو هؤلاء الأطفال المنكوبين حتفهم في الطريق إلى (المخيمات)، بينما يتهاوى الباقون من الإعياء، بعدما نفدت طاقتهم، وأُصيبوا بالجفاف، وحلَّ بهم الجوع القارس.
إنها محنة رهيبة، تعيشها الأسر الصوماليَّة والأثيوبية، تروي فصولها وكالات الإغاثة العاملة هناك، ومنها وكالة "أنقذوا الأطفال" التي تقول: "لقد سارت بعض العائلات لأكثر من شهر على الرمال الحارقة بحثًا عن الماء والغذاء والمأوى، ما اضطرهم إلى التخلص من حاجياتهم القليلة في الطريق"، فيما تقول (كاترين فيتزجيبون)، مديرة برنامج المؤسسة الخيرية بكينيا: "لقد اجتاز الأطفال مسافات طويلة في ظروف مرعبة، فقدوا خلالها معظم أفراد عائلاتهم؛ من أجل الوصول إلى مخيمات بحاجة ماسّة إلى الرعاية الصحيَّة والأمن والحياة الطبيعية".
وفي مؤتمر طارئ حول نقص المواد الغذائية في نيروبي، حذّر (نيل ثورن)، مدير إحدى المؤسسات الخيرية، من أنه لا يوجد شيء بالأفق يُبشّر بالأفضل؛ فالمحاصيل الزراعية نادرة لعدم هطول الأمطار، فضلاً عن هلاك الثروة الحيوانيَّة، ويبدو أن القادم أسوأ بكثير، حتى لمن يهاجرون (مئات الآلاف) فارين بحياتهم؛ لأنهم يلقون بأنفسهم بين أنياب المجهول، لذا يتعين على الحكومات أن تستيقظ لإنقاذ الوضع واتخاذ الإجراءات اللازمة فورًا.
وفي حديثها إلى إحدى وكالات الإغاثة، تقول فطومة، التي سارت من منزلها في الصومال لمدة شهر ونصف مع أولادها الأربعة، الذين تتراوح أعمارهم بين (3- 10) سنوات، لتصل إلى المخيم الكيني: كان الطقس قاسيًا للغاية وشديد الحرارة، ولم يكن هناك ما يُظلنا. تركتُ زوجي في الصومال ولا أعرف هل سأراه ثانية، بعد أن ذُقنا الأمَّرين بسبب الحروب الطاحنة والجفاف، الذي أعيتنا الحيلة في التعامل معه، بعد أن قضى على ما كنا نمتلكه، وأزهق (15) رأسًا من الماعز الواحدة تلو الأخرى، وأنضب آبار قريتنا والقرى المجاورة.
لمثل هذه المشاهد وغيرها، لم يبالغ (كابيلو عدن)، رئيس منظمة (أوكسفام) لمواجهة الفقر في الصومال، حين قال: "الوضع هنا صادم حقًا، وحسب ما ذكر لي بعض الشيوخ المحليّين، فنحن نواجه كارثة إنسانية مروّعة ما لم يعمل العالم على وجّه السرعة".
ولفترة طويلة من الزمن، ظل هذا الوضع السيّئ يزداد تدهورًا؛ بسبب عدم هطول الأمطار في معظم أنحاء الصومال وإثيوبيا للعامين الماضيين، وهو أمر، كما يقول (أندرو وندر)، عضو وكالة "أنقذوا الأطفال" لا يحدث إلاّ كل (10) أو (12) سنة، لكنه الآن يحدث كل عامٍ تقريبًا، حيث إن العام 2010 - 2011 في كينيا وإثيوبيا هو الأكثر جفافًا، أو ثاني أقسى موجة جفاف حدثت منذ عام 1950-1951"، وفق ما نقله برنامج الغذاء العالمي، عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر.
وقد كشفت تقارير منظمة (أوكسفام) عن نفوق حوالي (15) ألف رأس من البقر والإبل والغنم والماعز، في مدينة دوبلي بالصومال، بسبب الهزال، الأمر الذي دفع (أوكسفام) للسعي بشكل محموم للحفاظ على تدفق المياه للآبار القريبة، وفي حين فشل مهندسوها في ذلك، فإنَّ القادم سيكون أكثر بؤسًا، نظرًا لأن المورد التالي للمياه يبعد (80) كيلو مترًا.
وفي الآونة الأخيرة، زارت (أندريا مونتبيته)، كبيرة مستشاري الجودة في البرنامج الإنساني في منظمة (كير) الدولية، منطقة (بورينا) المتضررة من الجفاف في إثيوبيا، فقالت: "نادرًا ما يجد الناس ما يطعمونه، ويعتمدون على تقطيع الأشجار لتصنيع الفحم وبيعه، والرجال هناك مسؤولون عن قطع الأشجار لإطعام الحيوانات بعدما أجدبت المراعي، أما المرأة، فعليها إحضار المياه، مما يضطرها للسفر من (6 -10) ساعات يوميًا. لقد شاهدنا زيادة حادّة في سوء التغذية، بخلاف الكثير من الأمراض التي تنقلها مياه الآبار؛ وعلى الرغم من ذلك فإنَّ الناس هناك يشعرون أن الأسوأ لم يأت بعد".
الأمر الذي يُثير دهشة وتساؤل عُمَّال الإغاثة هو المدة التي يمكن لهذه المخيمات أن تستوعب فيها هذه الأعداد الغفيرة. على سبيل المثال، مخيم (داداب) في كينيا، تم إنشاؤه في الأصل ليسع (90) ألف لاجئ، لكنه الآن يضم  (367.855) ألفًا، ما يجعله أكبر مخيم للاجئين في العالم. صحيحٌ أن الحكومة الكينية كانت قد وعدت بتوسيع المخيم، لكنها عادت فتنصّلت من وعدها، والآن يجلس الآلاف من اللاجئين القرفصاء خارج المخيم آملين في إيوائهم.
وبحسب الأمم المتحدة، فإنَّ أكثر من نصف اللاجئين في هذه المخيمات من الأطفال، أكثر من (150) ألفًا منهم تحت سن الـ (11) عامًا، وهناك أيضًا أكثر من (120) ألف شخص تزيد أعمارهم عن (60) عامًا، كما أنَّ 95% من مجموع السكان من الصوماليين، أما البقية فمعظمهم من إثيوبيا.
يبدو أن لا نهاية في الأفق، وعلى الرغم مما تبذله وكالات الإغاثة من جهود، فإنَّ "العاصفة الجامحة" من الحرب والجفاف وارتفاع الأسعار التي اجتاحت القرن الإفريقي، يصعب التغلب عليها، إلاّ بتكاتف الجهود على مستوى العالم. وكلمة السرّ في طريق الحل هو (التمويل)، فقد أفاد بيان صدر مؤخرًا عن برنامج الأغذية العالمي، يملؤه الأسى، "بأنَّ المعوقات التي تحول دون الاستجابة الإنسانيَّة في الصومال وإثيوبيا على وجْه الخصوص تتعلق بنقص التمويل الحادّ، لذلك توجد حاجّة ماسّة إلى تقديم المساهمات الجديدة، وإلاّ ستتفاقم المعاناة"