نحنُ .. نشرة الأخبار

كتب بواسطة: سُكينة الحسن | في أدب . بتاريخ : Jul 6 2012 | العدد :82 | عدد المشاهدات : 1960

 نحنُ  .. نشرة الأخبار

نسخة للطباعة
نحنُ الخبرُ الذي حينَ يمرُّ على الشّاشةِ أمامكم،
يُشعرُكُم بحيويّةِ دور الزّر الأحمرِ على الريموت.
فأنتمُ الموعودُونَ بالمطرِ وقهوةِ الصّباح،
لا ينبغي لأشكالِنا المُتماهيةِ معَ الحِداد أن تُفسِدَ بقيّة يومكم.

نحنُ الذينَ ابتلعتُم نصيبَهم من الضّياء والبهجة،
وتركتمُوهم في مهبّ العتمة.
صرْنا نتفادَى مُقابلة الفرَحِ كما نخجلُ من لقاءِ ميّتٍ بعدَ النُّشور لم نحفَظْ غيبتَه كما يجِب.
لا تُسيئوا فهمَ جُلودِنا،
هذا السّوادُ ليسَ سُمرةً ولا نحنُ زنوج..
هذا السّوادُ ثوبُ العزاءِِ الذي لم نترجّلْ بعدُ عنه.

نحنُ الذينَ نأتيكُم على نشرةٍ بريديّةٍ كنوعٍ من رفْعِ العتَب.
تقرؤُونَنا من العُنوان،
كما تطُالعونَ دعايةً مُزعجة.
ثم تهربُ أعينُكُم إلى أعلى الصّفحة،
إلى أعلى الصّفحة تمامًا
تبحثُ عن مُربّعٍ كتبُوا عليه:
تعليمهُ كبريدٍ مقروء.

نحنُ علبةُ الإنسانيّةِ المُنتهيةِ الصّلاحية،
التي ركنتمُوها جنوبًا..
في انتظار :
التحلّل في التراب، لتعودَ عليكُم نفطًا
أو تُسمّم قطًّا ضالاًّ.
- قططُنا لا تضلُّ في بلادنا، بلادُنا شارعٌ واحِدٌ طويلٌ كالصّراط -

ورغمَ كُلِّ ذلك،
مازِلنا نُقدّسُ الصّمت.
لم نصرخْ بعدُ في وجهِ ساعاتِكم:
تلك اللقمةُ الذي سددتُم للتوّ بها ثقبًا في الفراغ،
سرقتمُوها من أعمارنا.

ولم تنزَحْ ديدانُ المقابر صوبَ جنانِكم،
بعدَ أن أعياها الانتحارُ المتكرّر..
كُلّما دفنُوا واحدًا منّا.

ولأنّا البلدُ الذي لا تُبنى عليهِ السُّجون،
ليس لأنّا طيّبونَ بلا استثناء..
لكِن..
لأنّ السارِقَ مُتورّطٌ في سُخف الهباء،
والقاتِل سبقتهُ يدُ الموتِ
إلى رقبةِ المقتول –أصلاً-
ولأنّا لا ندينُ ولا نستدينُ إلاَّ من هذا التُّراب الذي نسفّ..
والتّراب حنُون -فلتعلمُوا- لا يعودُ لمطالبَتنا بثمن ما نسفّ.
ولأنّ القانونَ لم يسُنّ بعدُ ما يُوجِب تشييدَ سجنٍ لملايين من الأموات..
ولأنّكم -كما أبلغَتنا الأساطير- تتوقونَ للحُريّة،
خُذوا قلمًا وورقةً وسجّلُوا من فضلكم عنوانَنا الجديد:
سور المقبرة.
ولا تنسوا،
اجلبُوا معكُم عدسةً ومُذكّرة،
لتعودُوا لبلادِكُم فيما بعد..
يقابلُوكم بالوردِِ والأضواء،
تكريمًا لإنجازِكُمُ العظيم:
الهروب.

العلمُ نور،
لكنّ الكهرباءَ أكثرُ إضاءة،
ولأنّا محْرُومونَ من كليهما..
فلن نُعيدَ حماقاتِكم،
لن نخبرَ الصّغارَ بأن الماءَ بلا رائحةٍ ولا طعمٍ ولا لون،
لئلا نضطرُّ لاحقًا إلى إعادةَ تشكيل اسم آخر..
لذاك السائل الذي نروي به عطَشنا
السّائل الذي :
برائحةٍ،
وطعمٍ
ولون!
ونُسميّه مجازًا: ماء.

لا تفهمُوا إطراقَتَنا كما لا نشتهي،
نحنُ لا نبحثُ عن حقيقةٍ تاهَت في عُروق الأرض،
كما لسْنا نخجلُ من عدساتِكُم أن تُسجّل بؤبؤَ العينِ فينا أكبر من الجسد: لنا ما يُبرِّر ذاك الكِبَر، فقد رأينا بما يكفي على أية حال!
نحنُ نطرقُ..
لأنّ الذي مرّ قبل قليلٍ من أمامِنا،
ولم تلحظوهُ
كانَ الموت .
ولأنّا صرْنا نخجَلُ أن يمرّ من ديارِنا،
ولا يجِدَ منّا ما يكفي ليسدّ جوعَه.

لم نعقّ الأرض،
لم تزَل حنونًا هذه الأرض، تضمُّنا إليها حدّ تكسّر العظام.
لذا، نحنُ قوم حين نموتُ لا نُدفن، بل نظلّ نحدّق في ضميرِ العالمِ في محاولة لمُحاكاةِ الحياة.

لا تفهمُوا إطراقتَنا كما لا نشتهي،
نحنُ هكذا فجأةً،
تفرّعْنا من رفاتِ المقبرةَ على شكلِ سُنبلة،
أثقلَها جُوعُ الأمواتِ الذي استأمنونا عليهِ،
فكانَ عليها
أن تظلّ مُطرقةً للأبَد .

نحنُ لا نرفَعُ رأسَنا.. هكذا علّمتْنا الأمّهات ..
فالذبابُ والموتُ في هذي البلادِ
أشدُّ جوعًا منّا.
وليس لنا إلاّ هذه الرأسُ تحفظُ توازُنَ الخريطة،
وأغنية ندّخرُها..
للوطنِ الّذي..
لن نلتقيه