وداعاً «پاڤانا!»

كتب بواسطة: د.سلمان العوده | في طفولة قلب . بتاريخ : Jul 6 2012 | العدد :82 | عدد المشاهدات : 2491

وداعاً «پاڤانا!»

نسخة للطباعة
-هل سيكون مسموحاً لي أن ألمس يدها؟
-نعم
-هل سيمكنها أن تبكي على كتفي حين تَسْتَذْكِر فتانَا الذي قضى في حادث سيارة، دون أن أشهده أو أقوم بدفنه؟
-ولِمَ لا؟!
-عفوًا، فأنا منذ إحدى وعشرين سنة لم ألمس زوجتي، ولم أقابل عائلتي. المكالمات الهاتفية وحدها هي خيط الاتصال!
ألَمٌ ممتد، وحتى تلك المكالمات كثيرًا ما كانت تُلغى ويُحْرَم منها؛ عقابًا على كلمة تنزلق من اللهجة الأفريكانية، والتعليمات تنصّ على أن تكون باللغة الإنجليزية، أو مؤاخذةً على حديث عابر، يفسّره الرقيب الذي يتنصّت على المكالَمَة بأنه «حديث سياسي!».
نُقل وزملاؤه لسجن أفضل، وسُمح لهم بالزيارة عام (1988م).
(جيمس قريقري) ضابط أبيض أصبح مسؤولاً عن ملف السجين الخطير.. وأظهر تعاطفًا كاد أن يدفع ثمنه حسب العمل الدرامي الذي يحمل ذات العنوان: «قدباي پاڤانا». و«پاڤانا» باللغة السواحلية تعني: «الأولاد».
في طفولته كان يلعب مع فتى أسود ويحبه، قبل أن تفرِّق بينهما قوانين العنصرية.
حديث طِفْلَتِه البريئة وهي تحتجُّ على ضربهم العنيف للسود دون سبب، وماذا لو كنتُ أنا سوداء، هل ستضربونني وتتخلَّون عني.. يثير إحساسه ويحرِّك ضميره.
السجين بإنسانيّته أوّلاً، وبمنطقه الصائب ثانيًا، كان يقنعه بأنه لا يحق للحكومة أن تقول: إنَّها سلطة، حتى يقول الناس جميعًا لها: إنها كذلك.
-هل أنتم شيوعيون كما تصفكم وسائل الإعلام وتصفكم الحكومة؟
-كلا، نحن أحرار وحسب، ويمكنك أن تطالع وثيقتنا التي تُعرّف بنا.
-أي وثيقة؟
-وثيقة (فريدوم شارتر)
يتسلَّل الضابط إلى المتحف الذي أُودعت فيه الوثيقة؛ ليطّلع عليها بعد إجراءات صارمة، ويتمكَّن من مصادرة نسخة منها يضعها في جيبه، ويطالعها كلما خلا بنفسه في مكتبه بـ(روبن آيلاند)!
ابن الضابط هو الآخر يقضي- كما ابن السجين- في حادث سيارة، ويبكيه بكاءً مرًّا. الموت إذًا واحد من الأقدار الإلهية العادلة التي لا تفرِّق بين أحد وأحد.
عشرون قد مضين كالدُّهور كلَّ عام!
واليوم حين يُطْبِق الظلام
وأستقرُّ في السرير دون أنْ أنام
أحسُّ بالدِّماء والدموع كالمطر
أجراسُ موتى في عروقي ترعشُ الرنين
فيَدْلَهِمُّ في دمي حنين
أودُّ لو عدوتُ أعضدُ المكافحين
أودُّ لو غرقتُ في دمي إلى القرار
لأحملَ العبءَ مع البشر
وأبعثَ الحياة..
إنّ موتيَ انتصار!
بدأت الحكومة بحوار شكلي، يُعْتَقَد أنه لكسب الوقت فحسب.
(قريقري) هو مهندس تلك المرحلة. اختيار مبني على ولائه للبيض ووثوقيَّته، وعلى قدرٍ من التعاطف مع أصدقاء الطفولة، ونفسٍ تحمل صفاءً بطبعها.
السجين وجهًا لوجه أمام الرئيس (دكليرك).
الإعلام يفتح بعض مغاليقه، والطفلة التي علَّمها سجن والدها دروس النضال والحرية، تصرخ على شاشة التلفاز في مشهد غريب أخَّاذ:
«كيف نكون أحرارًا والحزب الذي يُمَثِّلنا غير قانوني؟».
«لا يكفي إطلاق السجناء، ما لم نحصل على التصويت!».
في هذه الغرفة الصغيرة نحن نصنع التاريخ.
-سوف يُطْلَق سراحه يوم الأحد، الحادي عشر من فبراير، الثالثة بعد الظهر، من سجن (فيكتور فورستر)، عام (1990م).
خبر يتصدر النشرة المحلية، ليصبح سيد الأخبار العالمية.
ست عشرة مرة تردَّد على السجن، وحمل الرقم (466) والتاريخ (1964)، أما رقم القيد والسلسلة فهو مركب منهما: (64-466).
غادره إلى غير رجعة، وهو في الستين من عمره!
-ماديبا.. مايبا!
يصرخ الصغار وهم يُومِئون إليه.. مَن ذا الذي لا يعرفه منهم، أما ذلك الشيخ العجوز فيهمس إلى جاره:
-اسمه: (هولكاكا).. لا أدري كيف يسمونه: (ماديبا)، نحن جميعًا ننتمي إلى (ماديبا) العشيرة المنتسبة إلى قبيلة الكوسا!
رمز المستقبل والحرية عند هؤلاء الفتيان، وعلى الناصية الأخرى من الشارع رجل أبيض يستشيط غضبًا، ويصرخ بأطفاله:
ها.. قد أطلقوا سراح الإرهابي المتطرِّف. لن يطول مقامكم هنا، دعونا نمضِ، ابحثوا عن بلد يؤويكم.. هذه الوحوش الغاضبة ستنتقم!
رجل هادئ ينبعث من عينيه وهج عجائبي يشعُّ بالبشارة والحكمة والشجاعة.
أمامه في شارع (لونق ستريت) منازل فيكتورية بيضاء كالثلج، وغدائر، وشموع، وأنين أشباح غامضة يأتِي من أعماق التاريخ.
يرمق جبل الطاولة (Table Mountain) الشاهق عن سطح البحر بأكثر من ألف متر، أمامه، عزيمته كالصخر لا تلين، فيما روحه كالبحر توَّاقة للحرية، وكالماء ليونة وقدرة على التشكُّل وفق المحيط، والشمس تلفظ رمقها الأخير، إنها شمسنا جميعًا!
أرض تتصبَّب عرقًا من حرارة الظلم والاضطهاد. هو لا يحاول إرضاء عطشه للحرية بالشرب من كأس القسوة والكراهية، يهمس للقريب، ويصرخ للبعيد:
-هذه الأرض لن تقع مرة أخرى ضحيّة ظلم أحدنا للآخر!
أحلام الحرية تختصر حياة رجل تفاقمت خيباته في تغيير شعب لا يزال يعيش بالخبز، ولا يثور ثورة الجياع، وحُلمه الطواف فوق التلال كطائر غِرِّيد ينتقل بين الأعشاش ليشاركها مناجاتها وأغانيها الجميلة في الفضاء الرحب.
ثلاثة وعشرون مليونًا شاركوا في الانتخابات، وهو يسافر إلى (ديربن) لإقناع مائة ألف شاب بوضع السلاح.
شجاعة يُحسد عليها، فهو هنا في مواجهة أتباعه الذين يستقوِي بهم:
-خذوا سكاكينكم وأسلحتكم وارموها في البحر!
سكاكين تنغرس في صدورٍ طالَمَا هتفت له، ووضعت فيه حلم حياتها الأوحد، وهمسات خيبة أمل، هل حصل الرجل على مراده، وقبض حريته الشخصية ليدفع ثمنها ويبيعنا بثمن بخس؟
استعاد ذكريات سجنه، وحدَّثهم كيف تعلَّم لغة البيض، وصبر من أجل هذه اللحظة التي يجب ألاّ تتحوَّل إلى دَوَّامة من العنف والدم.
شباب البيض والسود معًا لا يدركون بعد تجاوز المرحلة حجم الخطر الماثل أمامهم آنذاك.. هل يجب على القادة الحقيقيّين أن يفعلوا المستحيل، وأن يُحِيلوا الماء المالح إلى عذب فرات؟
تجاوز مرحلة الخطر. إنجاز ضخم لا يقدِّره إلاّ البُصَراء الذين رأوه بعيونهم، ووُفّقوا لدفعه على حساب أشخاصهم.
«يمكنه الفوز بانتخاب.. لكن هل يمكنه أن يحكم البلد؟».
مانشيت عريض لصحيفة يُلقِي بها الموزّع الأبيض في طريق الرئيس الجديد بعنف؛ ليستفز حراسه الشخصيّين، فيدافعون قائلين:
-في اليوم الأول يريدون أن يتغيّر كل شيء.
ولا يخفون رضاهم أن الأمر كان يتعلق برزمة من الصحف، وليس محاولة اعتداء.
أما هو فيعلّق:
سؤال مشروع!
في مكتب الرئاسة يلاحظ المقاعد الفارغة، فيطلب اجتماعًا عاجلاً بالموظَّفين:
-يتهامسون: يريد أن يحظى بمتعة طردنا بنفسه.
يدور بينهم، ويحيِّيهم بصدق، ويشكر حضورهم.. لحظة صمت..
ألاحظ المكاتب الفارغة. هذا من حقهم إذا أرادوا ترك عملهم، أما نحن فنرحِّب بهم، لن نحاسب أحدًا على لونه، ولا على تاريخه، ولا على تبعات حكومةٍ سابقةٍ، نحن نبني جنوب إفريقية الجديدة.
حُرَّاسه الشخصيون يرفضون أن يضيف بعض الخبرات البيضاء إليهم. هؤلاء حراس (دكليرك)!
-دولة قوس قزح تبدأ من هنا..
المسامحة تبدأ من هنا..
عليه أن يوازن بين طموحات السود ومخاوف البيض.
البيض كانوا يقولون:
سيأخذون وظائفنا وأموالنا ويرموننا في البحر.
الدولة للسّود.. وهي فرصة نادرة للانتقام، نعم الانتقام الذي يجد ألف مسوِّغ ومسوِّغ لدى مثقَّف أو شاعر أو واعظ أو متعبِّد.. أما الشارع العريض، فيستجيب له بدافع غريزي لا يتطلَّب تفسيرًا.
تبدو مطالب كسر الدوامة أشبه بالمثاليات.
فكرته شديدة الوضوح، وهذا سرُّ التحديات التي تثور أمامها:
لقد انتصرنا.
لم يعودوا أعداءً لنا الآن.
إنهم زملاؤنا في الوطن.
شركاؤنا في المستقبل.
إن سلبناهم خسرناهم.
وأكَّدنا لهم أن ما كانوا يخشونه صحيح.
يجب أن نكون أفضل من هذا.
يجب أن نتحلَّى بضبط نفس وكرم.
لن نقبل الانتقام الوضيع!
انتخبتموني قائدًا لكم، دعوني أقودكم الآن!
لقد خاطر بمواجهة جمهور عريض استند إليه في معركته الطويلة مع العنصرية، ويبدو من الحسابات الأولية أنه كان جديرًا بهم أن ينقلبوا عليه أو يعدُّوه خائنًا لقضيةٍ طالما ناضَل في سبيلها، كان يؤمن أنه يجب عليه أن يعمل ما في وسعه لإيقاف هذه الدوامة، في مرحلةٍ يمسك هو وحزبه بزمام الأمر فيها، ويتحمَّلون مسؤولية الإخفاق أو الفوز.
الجريمة ترتفع، انتهى شهر العسل، المهرجانات الخطابية لن تصنع اقتصادًا، ولن تمنح الروح للإدارة الجديدة.
البيض بيدهم الشرطة والجيش والاقتصاد، وثَمَّ شائعات تقول: إن الحكومة السابقة زوَّدت بعض الأطراف بأسلحة لتفجير الأوضاع وخلق المتاعب أمام السلطة الجديدة.
إن كانت هذه حقيقة فهي مشكلة، وإن كانت شائعة فهي تعبير عن الحالة النفسية التي تسود في مثل تلك الظروف، وتجعل الفرقاء مهيَّئين للنِّزال، والأصابع على الزِّناد، والنصر عندهم لِـمَن يكون أكثر حذرًا ويقظة، وربَّما تحوَّلت هذه الفكرة إلى أن يكون النصر للذي يطلق الطلقة الأولى، وفق القاعدة العربية: «تغدَّ بالحجَّاج قبل أن يتعشَّى بك».
أما القاعدة القرآنية فتقول: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ). (النحل:126).
أما الطريقة المحمدية فتقول: «دعوهم، يكُنْ لهم بَدْءُ الفجور وثِنَاهُ».
أما التطبيق العملي فيقول: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ».
الرجل الحكيم قال للحكومة العنصرية: "لا".
ثم قال للشعب الثائر في أكثر من مناسبة: "لا".
وبذا استحقَّ أن يكون قائدًا حقيقيًّا، ومضى في مهمة حفر الصخور بصبر وجَلَد، حتى بعد أن غادر تلك الأرض الصخرية!
الدفء والكرامة والسلطة الأخلاقية والتواضع، كانت مسوِّغات حضوره العالمي، نقيض معظم السير الذاتيّة السياسيّة القائمة على تمجيد الذات؛ فهو يرفض أن يمثِّل شخصية القدِّيس أو حتى المبدع، ويكشف أنه لم يكن يتمنَّى أن يكون رئيسًا لبلده، وأن رجلاً أصغر سنًّا منه كان يجب أن يأخذ المهمة!  
كيب تاون
الخميس 14/7/1432هـ
العصر الساعة 5.30
بتوقيت جنوب إفريقية