المخبأ السريّ

كتب بواسطة: د.سلمان العوده | في طفولة قلب . بتاريخ : Jan 1 2011 | العدد :75 | عدد المشاهدات : 2289

المخبأ السريّ

نسخة للطباعة
يقف الساعة مدهوشاً أمام حجم التسريبات الهائل لوثائق سرية طريّة في موقع "ويكليكس" الذي أحدث ما يشبه حريق سبتمبر في السياسة الدولية -حسب بعضهم-،  أما هو فيشبه التسريب الضخم بإعصار تسونامي لجهة اتساعه، ومفاجأته، ويعتقد أن آثاره لن تكون مشهودة بالحجم الذي يظن، فالعالم يتكيف سريعاً مع الأحداث، ويتساءل: هل ستبقى على المدى الطويل؟ وكيف يستوعب الجيران وشركاء الوعاء السياسي الواحد حديث بعضهم عن بعض مما كشفت سريرته الأوراق؟
الوثائق التي يفرج عن بعضها بعد ثلاثين أو خمسين سنة بدت في متناول أيدي البسطاء قبل أن يجف مدادها.. يا للسخرية!
تداعى إلى ذهنه وهو يتابع الحديث المثير ما يعد ألعوبة طفولية سيطرت على مشاعره ذات حين من الدهر، وصنعت له قلقاً حقيقياً.. يبتسم كلما تذكره.
يستحضر أنه حين كان طالباً في المرحلة الثانوية أرسل مع سائق تاكسي شريطاً عادياً إلى صديقه في الرس، ولحرصه وضع الشريط في مظروف.. كان سائق التاكسي يقلب المظروف لدى زملائه، ويضحك وهو يقول: ووترجيت!
وقتها كانت فضيحة ووترجيت تحرج السياسة الأمريكية، وتحمل المسؤولين الكبار على تقديم استقالاتهم، والإعلام العالمي مشغول بحديثها.
وفي حالة "ويكليكس" فالأمر لا يتعلق بدولة، بل بمجمل العلاقات العالمية، ويمتد من الأمني إلى العسكري والسياسي والاقتصادي، فالوجبة القادمة تخص الشركات والبنوك والمؤسسات الرأسمالية!
جرت فصول تلك القصة الصغيرة عبر ما يربو على عشر سنوات من عمره، واحتلت زاوية ضيقة من زوايا حياته، وغدت تكبر بمرور الزمن عليها كما تكبر ذاكرة طفل غرير!.
تصرّف بمقتضى الطبع البشري في الحرص والتحوّط، واتكأ على الأسباب العادية، وفي الوقت نفسه كان يقرأ عن العناية الإلهية، والحكمة والرحمة، ولا يهتدي إلى طريقة للتأليف بين ما يتوجب على المرء أن يفعله، وبين ما يحدث بعد ذلك من الأقدار والنتائج القريبة.. فترك سفنه تجري بماتشتهيه الرياح.
أدرك أن اعتياد القلب على التسليم والرضا وانتظار العطاء الإلهي وإن كان ظاهره مما تكره النفس هو الحقيقة التي تؤدي إليها تجارب الحياة ومشاهداتها الملموسة، فضلاً عن قيمتها الأخروية، وبعدها النفسي المؤثر هدوءاً وسكينة ورضا وتفاؤلاً حتى في أحلك الظروف وأقسى النوازل.
عناية اللهِ أغنَتْ عَنْ مُضَاعَفَةٍ 
مِنَ الدُّرُوعِ وَعَنْ عالٍ مِنَ الأُطُمِ
لأنه يبدو للناس داعية معروفاً يُقصد من أماكن عدة، تجمع لديه عدد لا بأس به من الوثائق والأضابير والملفات التي تكومت حوله، فكان يحوطها كما تحوطه، ويوليها الاهتمام حتى أصبحت لديه مجموعات نادرة من الأوراق.
- مجلات ممنوعة من التداول.
- تقارير خاصة من مراكز أبحاث.
- نشرات يومية من جهات لها مواقف مختلفة مع أنظمة بلدانها.
- أشرطة صوتية أو مرئية لبرامج أو محاضرات محظورة، أو يخشى أن تصبح محظورة يوماً ما.
يومها لم يكن الإنترنت في كل بيت، ولا كانت الشبكة تحوي معلومات تغطي وجه الكرة الأرضية سبع مرات لو بسطت عليها.
ولا كان حجم المعلومات يتضاعف بمعدل مرة كل ثلاثة أسابيع، ويشمل كل شيء بدون استثناء من "الفلفل" إلى صناعة القنبلة النووية.
ولم يكن ثمّ قنوات فضائية مفتوحة وحيّة على الهواء تعالج شتى الموضوعات بدون تحفظ، وتتحدى المحرمات الدينية والسياسية والاجتماعية، بل تعدها مادة للإثارة والمناقشة واستقطاب المشاهد.
وحده ( الفاكس) أحدث وأفضل وأسرع وسيلة للحصول على المواد، وهو آمنها مع احتمال أن يبعث بأكثر من نسخةٍ في الوقت ذاته لأكثر من جهة.
كان التناول الشخصي، والتهريب عبر المنافذ الحدودية هو الوسيلة الأكثر استخداماً على ما ينطوي عليه من مخاطر واحتمالات، أقلها مصادرة المادة ومحضر التحقيق.
يوماً ما سافر بكتاب في يده للقراءة، وحين عاد من سفره تحفظ مراقب المطار في جدة على الكتاب وصادره؛ بحجة أنه لابد أن يمر على وزارة الإعلام لإجازته.
جاءته ذات غداة فكرة أوحت له أن يصنع أرشيفاً خاصاً، ويضع فيه كل ما يخاف منه أو يخاف عليه، ويقوم بتصنيفه وتسهيل مراجعته عند الحاجة.. فصنع سردابه الذي غابت فيه الأوراق، وكهفه الذي نامت فيه الملفات ولبثت سنين عددا.
وإن كان بدا له بعد ذلك أنه كمن يجمع الأموال ثم لا ينتفع بها إلا من جهة إحساسه بالغنى، وتلذذه بأنه يستطيع شراء الثمين، أو كمن يستمتع برائحة الشواء إلى جواره !
استأجر شقة خاصة من أحد المقربين، وفي حي شعبي بعيد (الصالحية)، وأحال إليها كلَّ ما يهمه الحفاظ عليه من هذه المواد.
يا زماناً في الصالحية سمحاً 
أين مني الغوى وأين الفتون
بحسب شعوره الداخلي -آنذاك- كان يعدّ هذه المقتنيات بمثابة مخزون مخيف من أسلحة الدمار الشامل، كان يعطيه جرعة من الأمان، وجرعات من الخوف.
من ضروب المستحيل -آنذاك- أن يخطر على باله بأنه سيكتب يوماً ما بحرية تامة عن هذا المستودع الخطير، لقد كان العثور على واحدٍ من هذه العنوانات لكتاب مطبوع في لندن، أو على شريط من برنامج مذاع على الـ (BBC) يعد إدانة كافية ليس في نظر الآخرين فحسب، بل وحتى في نظره هو أحياناً، إنها المخاطرة التي لا يقدم عليها أولئك الذين يتقنون حساب المستقبل. فكل ورقة هي عبارة عن مشروع حساس، وكل إضبارة كافية لولادة الأسئلة التي لا تنتهي أمام محقق متوسط الذكاء!.
والأهم من خطورة وجود المادة المحظورة عرفاً، وإن لم يكن ثمّ قانون بمنعها، هو تلك الأسئلة التي سوف تفجرها:
-لماذا الاحتفاظ بهذه المواد ؟
-كيف تم الحصول عليها ؟
-ما هي علاقتك بالجهة التي أصدرتها ؟
- ما معنى تخزينها وأرشفتها وإحاطتها بالسرية التامة ؟
- من؟ وماذا؟ ومتى...
لقد كان ذلك المخبأ المكتظ بالملفات المستلقية بركانًا خامدًا من الشك والريبة والأسئلة.. فأخطر من كل تلك الأوراق.. نوع السرية التي تحيط بها، والطريقة التي تم إخفاء الأوراق بها،  فما الحاجة لهذه "السرية" والتخفي إن كان كل شيء على مايرام؟!.. هكذا كان يقرؤه صانعو الأسئلة حول ذلك الكهف الغريب كما يرون.
ينظر إلى هذه النقطة وكأنها إصبع ديناميت يمكن أن يفجر الخارطة كلها، ويجعله في محل التهمة لدى الجهات المختلفة حتى العلمية منها.
نقص الخبرة التراكمية، وغياب التعاطي الثقافي المعرفي يجعل من التضييق على حرية الاطلاع والبحث -حتى على النطاق الشخصي- أمراً عادياً، لا يزيده الزمن والإجراءات إلا شدة واستحكامًا..
اليوميات التي ترد إلى مكتبه الخاص بجوار منزله، من كتب ومطبوعات ونشرات ومواد مرسلة، وأسرار باحت بها قلوب بعيدة لمأمن في عيونهم، تبقى لأسابيع قبل أن يتم فرزها ونقلها إلى حيث تستحق أن تبقى، وقد يذهب بعضها إلى ذلك المخبأ السري.
هل نحن نتكلف السرية أحياناً حتى نشعر بالأهمية، وأن لدينا ما نخفيه، أو ما نخاف عليه ؟ أو نشعر الخاصة الذين نطلعهم على أسرارنا بأنهم أهل للثقة، وأنهم قائمون على رصيد ضخم لا يدانيهم في ذلك أولئك (البسطاء) الذين يتعاملون مع الأشياء العادية، وفي الهواء الطلق ؟

هل نحن نريد أن نقول: إننا أكثر ذكاء مما يُظَن بنا؟!
إلى جوار اليوميات، ثمّ رصيد من الورق الشخصي من تحضيره للمحاضرات والدروس الأسبوعية، ورسائله العلمية، ونتاج قراءاته الطويلة في كتب التراث، وكتب الشريعة الحديث النبوي خاصة، ومسودات لمؤلفات، أو مشاريع قادمة، ومراسلات بينه وبين شخصيات علمية أو دعوية من داخل البلد أو من خارجه، وخطابات من جهات وأشخاص تتضمن مقترحات أو ثناءً أو نقداً أو نصيحة أو خبراً أو طلب مساعدة.. وكلها مرتبة في ملفات يكتب على كعوبها محتواها.
قبل أسابيع من رحيله إلى الحاير، وقد بدت الإرهاصات التي تؤكد ما سيحدث قام بعض الذين أودعهم سره بإخراج تلك الحصيلة من المكتب الشخصي وتوزيعها على مواقع عدة في بيوتهم أو استراحاتهم.. فذلك المكتب ينبغي أن يكون فارغاً في عصر الغيبة.
ذهب إلى هناك وأسئلة السرداب تكبر في ذهنه، أين ذهبت تلك الأضابير ؟ وهل ستوضع اليد عليها يوماً أو تمس بسوء ؟ حتى صار الهاجس يعتاده في منامه.
يمشي متثاقلاً ذات مرة إلى مكتب المساءلة، فيلمح عربة تدفع وفوقها كتب وأوراق وصناديق فيجزم بأنها تخصه، ويحس بأن اليد قد وضعت على ما كاد يخشى ويرهب !
وطفق يردد: 
متى يكون الذي أرجو وآمله 
 أما الذي كنت أخشاه فقد كانا!
العسكري إلى جواره لا يحس بأي شيء، أما هو فلمحة بصر، أضافت عبئاًً وهمّاً ثقيلاً إلى أعبائه.
الأسئلة تتكاثر.. بيد أن ما أدهشه أن القليل منها كان يدور حول تلك الأوراق.. رسالة بعث بها إلى سائلة من الجوف حول تعطيل مدرسة القرآن، وأخرى أجاب فيها على سؤال فتى من أبها، وثالثة كانت في طريقها إلى الشرقية.. وكلها مطبوعة ومرسلة بالبريد.
حين اتصل بزواره أدرك أن المكتبة نقلت بقضها وقضيضها حيث بقيت لسنوات قبل أن يُفرج عنها وتعود إلى رفوفها سالمة حتى من الغبار.
وأدرك أن الأوراق التي سربت من المكتبة تم العثور عليها وعلى من أخرجوها.. وقد انطبق عليها المثل القائل:
-الشيء إذا أُخفي كبر.
-وقوع الشر أهون من توقعه.
يسمع ذات مرة خبراً يقلقه.. أحد الأصدقاء يحكي أن محتسباً أبلغ جهة ذات علاقة بوجود مخبأ سري لمواد أرشيفية تعود لذلك المكتب المصادر.. وأنه حدد مكان الشقة المخصصة !
لم يُداخله شك أن المعلومة صحيحة؛ لأنها محددة وصادقة ومتطابقة مع ما يعلم.. ولكن لم يجد لها أثراً.
محفظته التي سُرقت في الحرم تم العثور عليها، وفيها دفتره الخاص بأسماء وهواتف أصدقائه، وملاحظاته الشخصية السريعة، وجرت الأسئلة حولها، ومن طريفها ذلك السؤال حول عبارة وردت في دفتره الصغير تقول "التواصل مع اليمن بموجب (اتفاقية مكة)".
هذا العنوان الصارخ، والمضحك في الوقت ذاته، مكتوب بخط يده، وهو لا يتذكر شيئاً البتة، وكل ما في الأمر أن شاباً لديه قدر من الادعاء والتزيد أملى هذه الكلمة بمناسبة الحرب اليمنية بين الشمال والجنوب..
كان يتعجب من أن المسروقين عادة يبحثون عن ضالتهم ولا يظفرون بها، أما هو فلأنه يريد لها أن تبقى في لجة الضياع فقد أتيح لها من يهديها الطريق إلى حيث هو في معتكفه المقلق.
ولكن الأمر مرَّ بسلام.
تعلّم ألا يرفع منسوب الحذر لكي لا تتعب جسور التوجس.
هذا هو الدرس الذي خرج به من تجربة عملية مريرة.
بعد خروجه بشهور التقى بالرجال الذين كان يأتمنهم على أرشيفه، وسأل عن ملفاته وأوراقه فعرف أن جزءاً منها وضع في مدفن، وصادف أن أحدهم أقام عليه بناءً  يناطح الريح، وجزءاً آخر وضع في خزان أرضي، ومع الوقت والرطوبة تحول الورق إلى لبنات رطبة لا تصلح حتى للحرق، ويكفي أن ترمى أو تدفن، وجزءاً آخر لا يزال موجوداً ولكن بعد مراجعته تبين أنه لا قيمة له، لقد أفقده الزمن قيمته..المهم ألا يفقدنا الزمن قيمتنا !
آه.. يا للعجب! أوراق ظل يجمعها سنين طويلة، ويظن أنها ستسعفه في إجابات أو تحليلات، ثم يخسرها بسهولة.. وأحياناً يقول.. أوراق ظل يداري عليها ويخشى من مغبة اقتنائها، ثم ينتهي أمرها دون سؤال أو عتاب.
إذاً هذه عادة الأشياء التي يتوقف الزمن عندها، وذاكرتنا مشحونة بأهميتها حتى إذا عدنا لها ذات يوم وجدناها خرائب وبقايا رميم.
-عادت الحياة إلى مكتبه شيئاً فشيئاً، وبدأ يرتب مكتبته، ويعيد تأهيل محتوياتها، ويجمع ما تفرق منها، وذات مساء طرقه اتصال من مسؤول رفيع..
بعد التحية والسلام.. هل تريد شيئاً ؟ هل ينقصك شيء ؟
- نعم. لا زال بعض مكتبتي لديكم لم يُفرج عنه بعد !
- ألم يتم تسليم المكتبة قبل خروجكم ؟
- بلى، ولكن أوراقي الخاصة وملفاتي الشخصية لا زالت رهن محبسها !
- أبشر.. تأتيك خلال الأسبوع.
أيام ويطرق بابه وجه غريب، شاب لطيف يحمل صندوقاً صغيراً يسلمه له، ومعه ورقة طويلة بخط اليد كتبت على لسانه، فحواها أنني استلمت هذه المواد الممنوعة من باب ثقة ولي الأمر بي، واسترسال طويل بالشكر والعرفان !
فتح الصندوق فإذا كتب للدكتور عائض القرني، والدكتور عبد الرحمن العشماوي، وكتاب في السياسة من منظور إسلامي، ومطويات عادية..
فأعاد إليه الصندوق والورقة المرفقة المكتوبة وقال لضيفه بأدب:
شكراً لك، هذه الكتب لا أحتاجها لأني عندي منها ما يكفي، وهي ليست محظورة فقد طبعت في الرياض، وبترخيص من وزارة الإعلام.
يأتيه اتصال من المسؤول الرفيع ذاته يستفسر عن القصة، فيشرح موقفه، وما هي الأوراق والملفات التي يريد.
- بعد أسبوع يزوره شخصان من الرياض ومعهما (كراتين) ورقية ضخمة مليئة بما لذَّ وطاب من كتاباته وخطاباته وأوراقه الشخصية وتحضيراته ومسودات كتبه ومشاريعه القادمة.. بيضا كيوم كتبها.. لم يخرم منها ورقة واحدة !
كان مدهوشاً للغاية.. يا للحكمة الإلهية !
هذه الأوراق التي داهمه الحزن حين أُخذت تعود إليه محفوظة دون نقص أو ضرر.. وفي أحسن حال، أما تلك التي وكل فيها إلى نفسه وجهده وبنى فيها سردابه الطويل المغيب وكهفه فقد ذهبت أدراج الرياح ونامت "نومة أهل الكهف"..
درس لا ينساه في حياته.
ابذل قصارى جهدك وتحمل مسؤولياتك، فهذه تبعة فطرية، وتكلفة شرعية، وإياك أن تعتقد أن الأمر متوقف على ذلك المجهود الذي تقوم به، فهناك حكمة الله الحكيم، ورحمته التي هي فوق الأسباب وقبلها وبعدها.. 
وإذا العناية لاحظتك عيونها 
نم فالمخاوف كلهن أمانُ
"وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ"( ).