الهولوكوست المسيحي الجديد!

كتب بواسطة: عبدالعزيز البرتاوي | في الملف . بتاريخ : Jul 6 2012 | العدد :81 | عدد المشاهدات : 2744

الهولوكوست المسيحي الجديد!

نسخة للطباعة
ثمة تجييش يقوم به الكتاّب، حملة ألقاب الثقافة الرسمية، ورواد المؤتمرات، والتذاكر، وفنادق الدرجة الأولى. تباكٍ على مصير مسيحيّ عربي مؤلم ومجهول، وكأن المسلم الشرقي، ناعم في هناءة من الحياة والدعة والرخاء. وكأن الطبقة الأثرى، والأوفر تعليما، ووجاهة، وعلاقات، وحضوراً، و"سفارات" في هذا الشرق المريض، ليست هذه "الأقلية" المسيحية. لبنان ومصر تحديداً. - هاتوا مؤتمرا واحدا يرعاه أمير خليجي، ولا يكون السادة المتباكون أبرز حضوره. حتى في الزيجات العائلية-.

في العراق، انفجرت كنيسة. ومعها انفجرت ركامات من المقالات والصراخ والدعوات والمطالبات. ماذا يمكن أن يقال إزاء مائتي مسجد دكّت على رؤوس مصليها في نفس الدولة/الساحة. ثمة إحصائية غيّبت قسراً، كانت تستهدف عدد المساجد التي أبيدت في هذه المدينة، بفضل بساطير قائد الحرب المسيحيّة الصليبية الجديدة: بوش. والذي يكتب الروائي والشاعر والمثقف الكبير سليم بركات في جريدة "النهار" المسيحية أنّه جلب لبغداد حرية وحضارة وديمقراطية كفيلة بأن يقذفه "مواطن" بالحذاء علانية وأمام الملأ، بعد أن كان حلماً للمواطن الشرقي أن ينظر لشرطي بعينه فحسب ، كي يباد وعائلته من الوجود.

دائماً، يجب أن لا يعامل الجرم بالعنصر الكامن وراءه. يجب أن يكون الجرم جرما، أياً تكن "طوائف" الكاتبين عنه، أو"عناصر" القارئين لما وراءه. يجب أن يكون مداناً أياً تكن هويات ضحاياه، أو"أهواء" فاعليه.

ثمة احتقار يقدم عليه كاتب، حين يخصّ جنازة قتيل واحدٍ، بين ركام مجزرة من القتلى، بكونها الضحية، وما عداها، أسراب ذباب، ستهش باكراً، مع أوّل النشرة المقروءة.

ما الذي يلعن المسيحي العربي الوطنيّ اليومَ، أو يسوءه، أكثر من هذا الإذكاء المحموم، بما يجري على صفحات الورق، والخِرق، من كبار كتّاب في السنّ لا الفكر. وفي خضم عزاءاتنا لانفصال السودان، يكتبون مبررين ومعربدين، أن ما جرى، كان سيجري؛ لأن العربي الشرقيّ المسلم، احتقر الجنوبي السوداني المسيحي ونكل به ولعنه وقتله وفعل به ما استوجب الانفصال. متجاوزينَ في صفاقة دور دعاة الانفصال الحقيقيين، ونوازعه، وكوامنه. –الغرب المسيحي عموماً، من قسم الشرق أوّلاً. وأمعن في تفتيته ثانياً-.

يكتب "الكردي" سليم بركات، في النهار"، باكياً على هدم كنائس الأقباط، وعن اتهامهم بما لا يليق، من قبل العربي المسلم الإرهابي المنتمي للقطيع الشرقي –كل ما سبق من وصف الروائي والمثقف الفصيح سليم بركات المقيم في بلاد الحضارة والحرية والتنوير: السويد-. وأكرر العربي قبل المسلم، لأن الشعوبية العنصرية، تطل من رؤوس كثيرة، وأقلام أكثر. إذ رب رأسٍ يكتب بقلمين: في الصحف النفطيّة برأي مدهون ومزيّت، نظراً للزوجة البترول، وخضرة الدولار. وفي الصحف اللبنانية والمهجرية برأي أشدّ صرامة، نظراً لارتفاع أسعار زيت الزيتون في يافا، وجفاف قمحِ حيفا.

يكتب سليم بركات للقارئ المسيحي المفجوع -والذي بعهدة سمير عطا الله يوضّب حقيبته الآن، ليغادر صور وجونية وبعلبك، إلى روما وأثينا ولندن- أن المسيحي في الشرق، يصوّم نهار رمضان قسراً، بينما هو آخذ حريته في بلاد المسيحية الحقة، والغرب التنويري المتسامح والمعتدل والطيب والحاني والأبويّ السوي. ماذا تكون "ثرثرة" العامي العاديّ البسيط، وردحه حين يحنق، أمام "فكر" فصيح السذاجة كهذا، وواضح التسطيح.

إذا كان الحديث عن المأساة المرتبطة بالدين، والجرائم الناتجة عن هوية، فإن ما قامت به الصهيونية وحدها، مرتبطةً بالدين اليهودي، كدين مختار، وشعب منتقى، تجعل من هذه الديانة السماوية، أم الإرهاب وصانعه الأول والأخير. لكننا نجد، بحسّنا السليم، والطيب، والخبل أحياناً، من يفتح المحابر والمقابر والمطابع من أجل التفرقة بين الصهيونية اللعينة، واليهودية المحمودة. وبكون اليهود إخوتنا في ثالث الديانات، وأقدمها، وديانة سيدنا موسى. ومع ذلك، يوماً، لم يوصم اليهودي أياً كان، في صحف التابلويد، بالإرهابي، ولا المفجر، ولا القاتل، ولا سيد "المجنزرات" الناسفة، ولا من باب التذكير، بمجازر بحجم جنين وغزة وقانا وصبرا وشاتيلا، بل يمكن القول بأن ضحايا عام واحد من مجازر دولة الاحتلال ذات الديانة اليهودية-أكثر من 60 عاما من الاحتلال-، تكفي لأن تفوق كل ضحايا الإرهاب الإسلامي الذي لا تقوم قناة، ولا تنشر مطبوعة غربية -مسيحية-، إلا بافتتاح صورته، واختتام دمويته.

نفس الأمر منطبقاً على السادة المسيحيين "الصليبيين". حيث حجم القتل والدمار، في الحربين الكونيتين، وفي ضحايا الاستعمار، وفي لعنتنا الأخيرة، حرب السيد بوش، الصليبية، بعظمة لسانه، من أجل دك معاقل الإرهاب في الشرق العربي والإسلامي. وفي أفكار القادة والمبشرين، وفي تحويل قارة بأكملها كأفريقيا، إلى مرتع للنهب والسلب، خلال قرون الاستعمار، ونشر المسيحية بالقوة، وأخذ خيرات الأرض كنوزا مسروقة، ورجالها، عبيدا مبيوعة. كل هذا حدث باسم التبشير المسيحي. ألم يقل إنجيل لوقا: "أجبرهم على الدخول". طالعوا قراءات المؤرخين في فترة الاستعمار، وانظر أي مقولات يخجل منها التاريخ، تجيء من أفواه قساوسة، وأمراء قتل، وباباوات دم مسيحيين. ومع ذلك، لم يوصم هذا المسيحي، بالقاتل ولا النهّاب. ببائع الشعوب ومستغلّ الحضارات وآكل اللحوم البشريّة. –طالع روح الأنوار، لتزفيتان تودوروف-.

وحده العربي الشرقي المسلم، ملعوناً، كانَ، وسيبقى، في ذمة التاريخ المكتوب بالبسطار والبترول، إرهابياً وشرانياً وعدوانيا وغير حضاري، كما يخصه شاكر النابلسي بتحليلاته في جريدة الوطن "السعودية". وكما يصوره خالد القشطيني في مقالاته، ناسفاً أي أثر للحضارة العربية الإسلامية على أوربا قطعاً، كاتبا ما نصّه: " كل ما في بيوتنا وشوارعنا من معالم الترف يعود إلى أولئك الرهبان البسطاء الذين انكبوا في صوامع كنائسهم في بغداد والموصل وأنطاكيا والإسكندرية ". في جريدة الشرق الأوسط "السعودية" أيضاً. ومقالة جهاد الخازن مؤخراً، ومسح البلاط بالتاريخ الإسلامي بأكمله عدا عامين، دليل لا زال يملك "الطزاجة" الحدثية، لا الاقتناعية.
وإزاء هذا، يجب أن نساير موجة الصحافة العربية، اللبنانية خصوصا، في وأد ما تريد، وإبقاء ما تريد. ذكرى الحرب اللبنانية –مثلاً-، من أنشأها، ومن حالف الصهاينة في أوج استعارها –هل يشعر المسيحيّ اللبنانيّ بالعار إزاء هذا-، ومن دكّ لبنان على رؤوس بنيه. يجب أن ننسى غوائلَ عوائلِ الحرب الإقطاعيّة، من يتشدقون بأن أبناءهم اليوم ضحايا الطائفية، وشهداء الفتنة. سننسى فتح البيوت لمبعوثي إسرائيل. وطهي الأغذية اللبنانية المفيدة لشارون وجنوده "تحيى الكبّى". يجب أن ننسى اتفاق عام 1946. يجب أن ننسى الوثائق البطريركية مع إسرائيل، في بيع الأراضي، وفتح القلوب والكنائس للاحتلال. يجب أن ننسى كل ذلك، لأن لبنان "كبيير"، ولأن لبنان، فوق كل شيء، و"سيحيى لبنان عظيماً وشامخاً إلى الأبد". –طالع كتاب: البوح الغاضب، لأسعد أبو خليل-.

يجب أن توضع الحروف على النقاط. ثمة إعلام مضلّل. يروغ عن الحقيقة. ويطلب السراب. يجب أن تكتب الأسماء المضلّلة بالخط العريض. ضاع جيل النكسة. ومات جيل النكبة. والآن جاء دور جيل جديد. يجب أن يعرف العالم أن زمن الأكذوبة السياسية قد راح. تفضح "ويكليكس" في دقائق، ما خبأته السياسية الكاذبة في أحقاب من حقائق.
في الكويت وحدها، هذا البلد العربي المسلم الشرقي الصغير، يذكر عبدالله النفيسي أن حوالي 35 كنيسة، توجد في هذا البلد. ولا يوجد فيها إلا أقل من 200 مسيحي. بمعنى أنّه لكل خمسة مسيحيين كنيسة. ثم هناك من يبكي كل أسبوع في عموده الصحفي المكتوب في جريدة "شرقية"، ليخبرنا أنّ المسيحيين في الشرق مهدّدين ومنذرين بالزوال. –طبعاً هناك معلومة بكون الكويت كانت سابقاً قبطية !-.
ثمة غرب منافق وعنصري. طائفي وانتهازي. استغلالي وآثم. يثور لمجرد وقوع هجوم إرهابي على كنيسة الإسكندرية، وهو هجوم بشع مدان، وغير مقبول. ينتفض بابا الفاتيكان. والرئيس الفرنسي –الذي سكت أمام شهداء ثورتي تونس ومصر- يسارع مع ميركل للمطالبة بحماية المسيحيين في مصر والعراق وباقي الدول العربية. دعوات لمنع تهجير المسيحيين المضطهدين. وأخرى لتوفير الأمن لهم في كنائسهم وأماكن سكناهم. ويقتل مسلم تحت التعذيب المجبر على الاعتراف بفعل التفجير والترويع تجاه الآخر المسيحيّ، لتنتهي الحلقة السافلة بكون المخابرات من دبّر العملية، ومن أوقع دم المسيحيّين ودموعهم في شرك المصيبة.

أين كانت حفلة ساركوزي وميركل وكاميرون وكل حكام أوروبا المسيحية الذين تفاجعوا اليوم، مع جوقة كتابنا الأعزاء الإجلاء "العروبيين"،عندما تعرض الأشقاء النصارى في فلسطين للاضطهاد والتهجير على أيدي الإسرائيليين وبساطيرهم وسواطيرهم. ثم ما الذي أدى إلى تهجيرهم في العراق غير مشروع الاحتلال الأمريكي. ألم يكن هؤلاء آمنين في كنائسهم ودور عبادتهم قبل الغزو وطيلة 1400 عام؟

في كتابه القديم: "من يحمي المسيحيين العرب". يكتب الصديق الرائع، الدكتور فيكتور سحاب، وهو المسيحيّ اللبناني، ما يرد فيه على الدعوة الإسرائيلية لحماية مسيحيي لبنان وغيرهم –هذه الدعوة الحمائية للأقلية المسيحية ليست جديدة-، مثبتاً بالبحث، وهو الأكاديمي الخارج بشهادته من جورج تاون، أن لم يحمي المسيحية في الشرق أكثر من الإسلام. بل عكساً لذلك، كان الصليبيون الذين جاءوا من الغرب هم من أثخن في المسيحيين القتلَ والتهجير. –يطالب المسيحيون العراقيون اليوم بعد مجيء المحتل/المختل  "الصليبي" الغربي بدولة منفصلة عن العراق-. نفس المسيحيين الذين جاءوا أصلاً من أوروباً السوداء، هرباً من بطش الكنيسة، للعيش في حمى الإسلام وحمايته.

من كان يتخيّل أن يسمع بتهجير المسيحيّ العربيّ الشرقيّ في العراق لولا الآتين على ظهور الدبابات، وكتّاب صحافة الدولار. لولا المحتل الآتي باسم الصليب حيناً، وباسم البترول أحيانا أكثر. من يحتلّ اليوم بيت المسيح. ومكان ولادته, ومرتع صباه، سوى الصهيونيّ اليهوديّ. ولا تلويحة "صباح الخير عمو" تجد في مطلع عيد الميلاد المنصرم، في صحف "النواح" تشير إلى هذه البداهة. القضية أن يدان المسلم الشرقي الإرهابي الذي لم يعد يجيء على الفطرة، كما كتب تركي الحمد مؤخراً، في مخطوطة إنشائية، في جريدة الوطن "السعودية" أيضاً.

هذا الحديث ليس دفاعاً عن الإسلام. لم يكن يوماً محلّ تهمةٍ لائقة. كلّ القضايا جعجعة، والشهود زور. لا نبرؤه. لم يجرم. ومن أجرموا وحدهم، سرقوا المتاع، ووحدهم أبلغوا الشرطة.

نتحدث الآن، كجيل آتٍ إلى الحياة. "يعمّى" عليه بوجهات "النظر". يدرك ويعرف تماماً أن ستبقى الكنائس عزيزةً إزاء مآذن تحنو عليها. وإزاء عابرين يرنون بعين العظمة لقدسيّة بيوت الأديان أياً تكون. كما صان المسلمون معابد الهند "الوثنية"، قدّسوا معابد أوروبا الكنسيّة. لم يحوّلوا كنسية لمتحف. لم يرموا معبداً بصاروخ، ويقتلوا من فيه، وما فيه. لم يحيلوا منائر غزّة لأنقاض، ولا جوامع بغداد لركام. ولهذا وحده، تكثر في باريس –مثلاً- مئات المساجد، حيث هذا الدين آتٍ لمعايشة الحياة أياً تكون، وأينما تكون. آتٍ لرقيّ الإنسان، لا للقتل، ولا لشراء العبيد، لا للبهارات، ولا للبترول. لا للأراضي الجديدة والبعيدة، حيث يذكر التاريخ أن سفينتي كريستوفر كولومبس ذهبتا تحت اسمي: "القديسة ماريا، والقديسة كلارا"،  لتكون النهاية إبادة شعب كامل من الهنود الحمر.