قراءة في قصص الحجر الضائع في «القاع»

كتب بواسطة: سمير خميس | في قراءة نقدية . بتاريخ : Jul 6 2012 | العدد :81 | عدد المشاهدات : 2834

قراءة في قصص الحجر الضائع في  «القاع»

نسخة للطباعة
عندما اطلعت للوهلة الأولى على المجموعة القصصية "القاع " للقاصة عائشة الحسن؛ تذكرت ما يجب على العطشان أن يفعله عندما يصادف بئراً لا يُسبر غورها ولا يرىُ قعرها: كل ما عليه أن يرمي حجراً داخل البئر؛ ولكن ليحترس، فلا بد له أن يفرق بين  صوت الحجر عندما يخترق الماء، وبين صوت الحجر المبعثرة أشلاؤه على قاع أجرد ..
لكن في قاع القاصة والكاتبة السعودية عائشة الحسن، رجاء لا تتخيلوا صوت هذا الحجر أو شكله أو لونه، كل ما عليكم فعله هو التفكير في ملامسة هذا " القاع " بحجرنا ذاك أو من دونه، وتقليبه والاستمتاع بملمسه " أو التقزز بحسب طبقتكم الاجتماعية "!! كل هذا يتحصل لكم بالاطلاع على مجموعة "القاع" للكاتبة آنفة الذكر.
"قاع" السيدة آنفة الذكر يتألف من 18 نصاً قصصياً قصيراً تقاسمت حروفه 140 صفحة تقريباً؛ ولأنني دوماً ما أجاهر بانطباعيتي " عافانا الله وإياكم " فإنه من العسير أن أتناول النصوص الثمانية عشرة  بالنقد والتمحيص .. لذا سأكتفي بالتسديد والمقاربة ..
اللافت في المجموعة هو حرص السيدة عائشة على تصنيفها ضمن مدرسة تدعى " واقعية القاع السردية " وهذه المدرسة تعنى بكشف المسكوت عنه من قضايا اجتماعية منوعة لنقل صور عن المجتمع السعودي بعد حدوث الطفرة النفطية، الأمر الذي يؤدي إلى نوع من التنميط والحكم المسبق لهذه المجموعة الأمر الذي قد لا يعجب أهل مذهب الفن للفن، كما يؤدي أيضاً إلى نوع من التخصيص قد يتضاد مع عالمية الفن.
وإذا ما تجاوزنا هذا التصنيف المشكل للبعض فإننا سنرتطم بإهداء جميل من السيدة إلى " حيث تنمو العتمة على رفات الأيام والأحلام والقلوب وجثث الشوارع الخلفية ..يكون القاع ".
كل هذه الغنائية التي حملها الإهداء ستبدد عند ولوجك عالم النص الأول " شعوب تشرب النفط " والذي لا أعرف لماذا ابتدرت به السيدة مجموعتها؟؟! رغم سخريته التي ضُخت في عروقه ضخاً إلا أنه تكبل ببعض الخطابية الزائدة عن الحد والمباشرة التي من الممكن أن يعفى القارئ منها..
لكني أظن أن تمرداً سينشأ في هذه المجموعة عندما نصل إلى النص المعنون بـ "تمرد" والذي شنّف خيالاتنا مرة أخرى بغنائية لذيذة، ولا تفكر أن تخرج بعد دخولك من باب " خرج ولم يعد " فإنك ستتعرض حتماً لفخ أحكمته السيدة إن كنت تتحين موسماً تهاجر فيه إلى الشمال..
ولعل الذروة تبلغ في هذه المجموعة عندما تفكر أن تلعب بـ " ألعاب للصغار فقط " حيث حلقت بنا الكاتبة في هذا النص في أجواء من الواقعية السحرية للدرجة التي نكاد فيها التعرض لخطر الاختناق، ففي هذا النص سخرت القاصة كل طاقاتها السردية لتتوجها بنص كنت سأختاره عنواناً للمجموعة لو لم يكن عنوانها القاع..
الجميل في هذه المجموعة رغم حدة الاحتجاج فيها؛ إلا أنها لا تدين أحداً، ولا تضيع الوقت في اللوم، إذ أن السيدة عائشة نجحت في تسخير جل إمكاناتها السردية لتخلق لنا قاعاً واقعياً سردياً ممزوجاً ببعض السحريّة، ومتدفقاً بغنائية لطيفة في البعض الثاني، ومعانياً من بعض التقريرية الزائدة عن الحد في البعض الثالث كما في نص " غصون متكسرة "الذي أشبه ما يكون بنشرة أخبار التاسعة؛ إذ أن هناك فرقاً بين أن تتسرب التقريرية إلى قصتك رويداً .. رويداً..  وبين أن تتسرب القصة إلى تقريرك رويداً .. رويداً ..