مسيحيو العرب

كتب بواسطة: أسامة نبيل | في أدب . بتاريخ : Jul 6 2012 | العدد :81 | عدد المشاهدات : 2162

مسيحيو  العرب

نسخة للطباعة
 شهدت العقود الأخيرة، تزايد مشاكل المسيحيين في العالم العربي بشكل لافت، وإن اختلفت المسميات بين اعتبارها "أزمات" يتعرضون لها كونهم أقلية، أو "ضغوطات" للحصول على مطالب أكثر، ترفع من مستوى مشاركتهم السياسية حاليا ومستقبلا.
وبينما كان البعض يتهم حكامًا بعينهم كالرئيس المخلوع حسني مبارك في مصر، بمحاباة المسيحيين للحصول على "رضا" الغرب، إلا أن موجة عارمة من الضغوط طفت على الساحة المصرية عقب  ثورة 25 يناير ، لتبرز مظاهرات واعتصامات مسيحية زادت معها مطالب نصارى مصر وباتوا في طريقهم نحو الحصول على مطالب كانت تعتبر تحت ما يسمى "خطاً أحمر" في السابق،  ومنها على سبيل المثال: قانون دور العبادة الموحد.
إلا أن هناك من رموز النصارى من يقول إن المسيحيين مضطهدين ولا يحصلون سوى على أقل القليل من حقوقهم، مشددين على أنهم لن يبرحوا حتى الحصول على حقوقهم كاملة.
لترتفع مؤخرًا نسبة أعداد المهاجرين المسيحيين إلى الغرب، هربًا مما يعتبرونه "اضطهادًا"، أو أملا في الحصول على تعايش بعدما "اغتربوا" داخليًا في العالم العربي.

عابرة أم مقيمة؟
وحول أزمة المسيحيين العرب، هل هي عابرة أم مقيمة، مفتعلة أم حقيقيّة النشأة؟، يقول المفكر القبطي  الدكتور رفيق حبيب : أنّ هناك فروقا في أوضاع المسيحيين في العالم العربي، فمثلا هم في العراق يعانون بعد الاحتلال الأمريكي بصورة كبيرة، وكذلك الحال في فلسطين جراء الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن هنالك استقرار نسبي في الشام بعد توقف الحرب الأهلية، بينما في مصر يوجد عنف ديني واحتقان ديني، وبالتالي فإن الأوضاع في مجملها تُظهر أن هناك تباينًا نسبيًّا بين أوضاع المسيحيين في العالم العربي.
والواقع يؤكد –بحسب حبيب- أن ظهور مشاكل المسيحيين العرب جاءت عقب قيام الدولة القومية من ناحية، والتدخلات الخارجيَّة الواسعة من ناحية أخرى، وهذا أمر أدى إلى حالة اضطراب داخلي واسع، بدأ على مستوى الهويَّة، على الرغم من أنه ما قبل عصر التحرر الوطني كانت الهويَّة مستقرة، عربيَّة إسلاميَّة، ومستقرة لدى الجميع وحامية للجميع، لكنه ما بعد عصر الاستقلال الوطني حدث شرخ في الهوية، مع ظهور عدة هويات ما بين الهوية القُطرية والقوميَّة والعربيَّة والإسلاميَّة، وحدوث قدر من التنازع بين الهويات وتدخلات خارجية واسعة وتدخلات خارجية بدعوى حماية المسيحيين.
دور الغرب الاستعماري
واتهم حبيب الغرب بالوقوف وراء حملات التغريب التي يتعرض لها المسيحيين العرب، وقال: إن الغرب الذي لم يتخلَّ عن أفكاره الاستعمارية حتى الآن، وها هو يكرِّر أخطاءه في العراق وفلسطين وتدخله السافر في لبنان والسودان، لا زالت فكرة أن العدو هو الإسلام مسيطرةً على عقول الكثيرين هناك، ويتصرفون على أساسها، والأغرب أنهم لا يتعلمون من التاريخ الذي يؤكِّد أن حملاتهم فشلت على الصعيدين.. الأول الخاص باستمرار الاستعمار، والثاني الخاص بالتفرقة بين نسيج الأمَّة العربيَّة مسلميها ومسيحييها.
أيضًا، من ضمن أسباب الأزمة النزاعات داخل الدولة ذاتها، -بحسب حبيب- أنها أول ما تؤثر -تؤثر على المجتمعات قليلة العدد، ومع المتغيرات الأخيرة والثورات العربيَّة للأسف كانت الجهات الأكثر هجرةً هي المجتمعات قليلة العدد، ومع وجود هجرات في مجتمعات الأغلبية إلا أنها تزيد لدى المجتمعات قليلة العدد.
وحول تزايد هجرة المسيحيين العرب، قال حبيب: هناك تباين أيضًا في مسألة الهجرة هذه، فالمجتمعات قليلة العدد كالمسيحيين يصعب عليها الحياة في ظلّ الاحتلال، وهو ما رأيناه في العراق وفلسطين، بينما في لبنان كان بسبب الحرب الأهلية.. هذا غير الباحثين عن حياة أفضل في الغرب، والكلام الكثير عن الإسلاموفوبيا، هذا غير الحديث المتكرر عن مسيحية أوروبا وأمريكا، وهذا غير صحيح، فلا يصح أن نختزل الوطن أيًّا كان في دين واحد لأنه ببساطة الأرض تحمل عشرات الأديان، وبالتالي نسير في فلك فكرة "لكل بلد دين"، ليعمَّ الخوف والقتل، لا بدَّ من التعايش والحوار البناء بين الجميع وبدونهما لن ينعم الجميع بالأمن.
أما بخصوص الهجرة ذاتها –يقول حبيب-، هناك حالات تحدث في عدد من الدول تمثل ظاهرة مقلقة، فأعداد المسيحيين في فلسطين المحتلة في انخفاضٍ واضح، خاصة في مدينة القدس التي تعتبر مدينة مقدسة بالنسبة للمسيحيين، ومسيحيو لبنان أعدادهم تنخفض غالبًا لضعف المواليد من ناحية وموجات هجرة كبيرة، وهذه النسبة التي كانت في وقتٍ من الأوقات أكثر من 50% تحوَّلت الآن إلى الثلث فقط، وفي العراق أيضًا، رغم أن أعداد المسيحيين هناك غير قليلة، فقد ظهرت في ظلّ الاحتلال الأمريكي موجات هجرة ونزوح بين المسيحيين، ونستطيع القول إنه في حدود منطقة الشام وهي منطقة معروفة بالتواجد المسيحي فيها، حدث قدرٌ من النزوح السكاني الحقيقي، ما يمثل خطرًا على نسبة المسيحيين من إجمالي السكان.

التهديد بالإبادة
واستبعد حبيب الأنباء التي تتحدث عن وجود إبادة للمسيحيين العرب، وقال: لا أظن أن ما يحدث سيؤدي إلى إبادة للمسيحيين، إلا أنه مع استمرار هذا الكمّ من عمليات الهجرة فإن نسبة المسيحيين من إجمالي السكان من الممكن أن تتأثر تأثرًا كبيرًا، في هذه المنطقة مستقبلًا.
وأضاف، ما أودُّ طرحه في هذا الأمر، هو أن المناطق التي فيها تدخلات خارجيَّة واضطرابات وعلى شفا حروب، حدث فيها نزوح مسيحي ورغم ما قد يطرحه البعض -وهي تصورات ساذجة- عن أن الخارج يدعم المسيحيين ويحمي المسيحيين، فقد أثبتت الوقائع أن المسيحيين في العراق لم يعيشوا في مأساة إلا بعد الاحتلال الأمريكي، أيضًا مسيحيو لبنان حدث أكبر تدخل خارجي من أجلهم، ولكن في النهاية جاء ذلك على حساب التواجد المسيحي في لبنان، وفي الأراضي المحتلة في فلسطين – فإن سياسات الاحتلال ليست موجَّهة فقط للمسلمين، بل موجهة أيضًا للمسيحيين– لأن الاحتلال الإسرائيلي يختلق المشاكل مع الحضور المسيحي أيضًا، فهو لا يريد فقط أن تبدو القدس يهوديَّة وغير إسلاميَّة ولكنه لا يريد أن تبدو مسيحية كذلك، وهذه مسألة لافتة للنظر، ففي ضوء هذا الدعم الغربي للاحتلال الإسرائيلي أيضًا يعاني المسيحيون في الأراضي الفلسطينيَّة، ولا يوجد اهتمام رسمي غربي بهذا الأمر!

هل هي أزمة أقلية؟
كما استبعد حبيب أن تختزل أزمات المسيحيين العرب في كونهم "أقلية"، وقال: تبدو المشكلة كما سبق وقلت تعود للتدخلات الخارجية الواسعة، ويبدو أن هذا في النهاية أثمر عن اضطراب داخلي يشعر المسيحيين بالقلق على المستقبل أو يشعرهم بعدم الأمان وفقدان الإحساس بالأمان، من ذلك الحرب الأهلية في لبنان التي كان لها تأثيرات مباشرة، والغزو الأمريكي للعراق الذي بدأنا بعده نسمع عن مشاكل للمسيحيين في العراق، وفي مصر كانت هزيمة يونيو وانكسار المشروع الناصري وبحث المجتمع المصري عن هويته مرة أخرى سببًا في تفرق الجماعات داخل مصر بحثًا عن الهويَّة.
كما نفى حبيب أن تكون العلاقة بين الحكومات العربية والمسيحيين تعتمد على الإقصاء، وقال: لا ليس كذلك، لكنه أحيانًا يكون تضارب مصالح، ففي مصر مثلا، ما كانت تقوم به الحكومة تجاه المسيحيين قبل ثورة 25 يناير، كان يأتي لترضية الغرب، على اعتبار أن ملف الأقباط من الملفات الهامة جدًّا بالنسبة لأمريكا، لكن في لبنان بما أن الحاكم مسيحي فالأمر مختلف، لكنني أود أن أطرح شموليَّة للعلاقة بين المسيحيين والحكام، وهي أن تقوم على أساس معرفة الحقوق والواجبات داخل الكيان الواحد، وليس على أساس المصلحة أو الخوف من التدخل الغربي، وإلا ربما يصل الأمر إلى حد الصدام لينتهي مثلما انتهت إليه السودان من انقسام شماله عن جنوبه إذ يكون الشمال مسلمًا والجنوب مسيحيًّا.


أزمة مفتعلة
لم يختلف المفكر العربي الفلسطيني، المسيحيّ سابقا، منير شفيق مع مجمل ما قاله حبيب بشأن الهوية والتغريب ودور الغرب في استخدام المسيحيين كمدخل للتدخل في الشأن العربي الداخلي، وقال: إن أزمة المسيحيين العرب..  أزمة مفتعلة.. ولا شكّ أن للغرب يدًا فيها، فالتاريخ يؤكد أن المسيحيين والمسلمين تعايشوا معًا لأزمان وقرون دون أزمات حتى تدخَّل الغرب وبثَّ الفرقة بينهما، فالأطماع الاستعمارية للغرب كانت تقوم على قاعدة "فرِّق تسُدْ" ومنها انطلق نابليون لغزو مصر، حينما حاول خداع المسيحيين بمصر بأن مصلحتهم في الاتحاد معه، ثم يؤكد التاريخ أن من انضمَّ إليه من المسيحيين خسر ثقة المصريين سواء مسلمين أو مسيحيين فيما بعد.
وأضاف، أن ما حدث في العراق بعد الاحتلال، إذ لم نسمع عن مشكلة بين المسلمين والمسيحيين إلا بعد الاحتلال الأمريكي، وكذلك الحال في فلسطين، وبالتالي فإنني أرى أنه برفع يد الغرب عن العالم العربي سينعم سكانه مسلمين ومسيحيين بالأمن كما كانوا.
وحول هجرة المسيحيين، هل هي خوف من الواقع أم طلب للمأمول؟ يقول منير شفيق : ربما كلاهما، وتختلف الأمور من منطقة لأخرى، ففي فلسطين مثلا واقع الاحتلال الذي بات من الصعب تغييره، يجعل الكثيرين يفكرون في الرحيل، وأكثر هؤلاء من المسيحيين، ويعمل الاحتلال الصهيوني على ترحيل المسيحيين خاصة لكون مدينة القدس لها ارتباط تاريخي بينها وبين المسيحيين، وهو يعمل على إفراغها من أهلها الأصليين في هدفه لاستكمال عمليات التهويد، لكن الوضع في لبنان ومصر يختلف؛ إذ إن المسيحيين هناك يعتقدون أن الهجرة تضمن لهم حياة أفضل؛ كون أوروبا أو أمريكا بلاد مسيحية، لكن التجربة أثبتت أن العيش في كنف المسلمين أفضل من العيش كمواطنين درجة ثانية في الغرب.
ويضيف منير شفيق قائلا: لا أعتقد أن المسحيين العرب مهددون بالإبادة.. فالمسيحيون كثير منهم يفهم المخطط الغربي لتفريقهم عن المسلمين وبثّ الفتنة بينهم للوصول لأهداف خاصة بهم، وبالتالي هم يظلون متمسكين بالعيش ضمن نسيج الوطن الواحد، ويصل الأمر لحد الاندماج في جيوش المسلمين للدفاع عن هذه الأرض مثلما حدث إبان حرب أكتوبر 1973.
ويشير منير شفيق إلى أن أزمة المسيحيين تكمن في عدم الانصهار وعمليات التغريب التي تحدث داخل المجتمع العربي عمومًا، إذ نرى المسيحيين يعيشون بعيدًا عن أي انصهار داخل المجتمع، وعمليات التغريب تدفعهم إلى الهجرة بحثًا عن مجتمع آمن، لكن عندما ينصهر المسيحيين داخل بوتقة واحدة مع المسلمين في العالم العربي أعتقد ستنتهي الأزمة نهائيًّا.

المسيحيون يعانون في المنطقة العربية
ويقول الدكتور سامح فوزي الصحفي والناشط الحقوقي المصري: إن الثورات العربية المطالبة بالديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية طرحت أسئلة كثيرة، أحدها يخص المسيحيين العرب، حيث  شكل "ميدان التحرير" في قلب القاهرة نموذجًا لتجديد رابطة التعايش الإسلامي المسيحي، ثم ما لبث أن واجه المجتمع أرث الطائفية الذي ظن أنه تجاوزه، ولكن بوتيرة أسرع مما كان عليه في ظل النظام السابق. وفي سوريا، حيث يعيش مجتمع مسيحي متنوع رفعت في التظاهرات شعارات كثيرة، منها ما توعد المسيحي بالتهجير إلى بيروت، مثلما تتوعد العلوي بالمصير المشئوم.
ويضيف، أن سؤال التنوع الديني في مرحلة ما بعد سقوط الأنظمة الاستبدادية العربية لم يكن مطروحًا في الحالة التونسية، لكنه مطروح بقوة في الحالتين المصرية والسورية، والتي لم تغب عن كليهما ما جرى في العراق للمسيحيين عقب سقوط نظام صدام حسين، وإن ظل السياق في الحالة الأخيرة مغايرًا.
وأوضح فوزي، أن هناك قطاع من المثقفين يرون أن المسيحيين العرب يعانون في المنطقة العربية، مشيرًا إلى معاناتهم هي جزء من معاناة أكبر يشترك فيها العرب جميعًا مسلمين ومسيحيين، حيث لم يفرق الاستبداد بين شخص وآخر حسب هويته الدينية، وطال الظلم الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج. قد يكون ذلك صحيحًا بشكل عام، ولكن إذا دققنا النظر سنجد معاناة المسيحيين لها ما يميزها، نظرًا لأنها ليست فقط نتيجة مباشرة للاستبداد السياسي، ولكنها أيضًا تعبيرًا عن انخفاض منسوب التسامح على المستوى الاجتماعي، وفي العلاقة اليومية المباشرة بين المسلمين والمسيحيين.
وتابع، أن استمرار حالة الاستقطاب بين التيارات الإسلامية من ناحية والقوى العلمانية من ناحية أخرى يمثل تحديًا بالنسبة للمسيحيين، ومنزلقًا أخشى السقوط فيه. والخشية على المسيحيين العرب في هذه الحالة لا تنفصل عن حالة خوف على مصير مجتمع يعيد تجميع مكوناته، ويقف على أعتاب وضع اقتصادي صعب أن يقع في مستنقع يمزق حالة التوافق الهشة التي عرفتها الثورة الديمقراطية.
وأكد أنه قد يكون مفيدًا في هذه الفترة البحث عن المفاهيم التي تجمع أكثر مما تفرق، وتخلق حالة من التوافق بعيدًا عن النفور والاحتقان. وأتصور أن مفهوم "الإسلام الحضاري" يمثل مدخلا لتحقيق التوافق بين المختلفين، ويقضي على حالة الاستقطاب الحالية.
بصفة عامة –يقول فوزي- هناك منهجان للإسلام، أحدهما حضاري رحب، يشعر الآخر بوجوده فيه بذاته، وعقيدته، وثقافته الفرعية، دون تناقض مع التصور العام السائد للإسلام. وهناك منهج آخر متشدد، مغلق، لا يعترف بالآخر المختلف دينيًا، ويشكل رقيبًا على ضمير المسلم. الأول يعبر عن الفقه المصري الرحب، والآخر يمثل فقه آخر نشأ في مجتمعات مغايرة، وأكتسب منها خصائصه المتشددة.
ويضيف، من الطبيعي أن يتلاقى المسلم العربي مع المسيحي العربي على أرضية الإسلام الحضاري، الذي يرفض الغلو والتطرف، ويصون الحرية الدينية، ويعلي من شأن الكفاءة في شغل الوظائف العامة، ويجعل الإنجاز عنوان الحضور في المجتمع، دون نظر إلى النوع أو المعتقد الديني للأشخاص، مشددًا على أن الإسلام الحضاري هو "انتماء اجتماعي" جديد يحفظ للثقافة العربية تنوعها ورحابتها، وأن "العرب المسيحيين الحلفاء الطبيعيين للإسلام الحضاري في مواجهة قوى التخلف في البلاد العربية".