جزيرة الأختام

كتب بواسطة: د.سلمان العوده | في طفولة قلب . بتاريخ : Jul 6 2012 | العدد :81 | عدد المشاهدات : 2464

جزيرة الأختام

نسخة للطباعة
يمضي زمانه وحيدًا بلا أنيس، غريبًا بلا جليس، شهرته تملأ الآذان، وذكره على أكثر من لسان.
على أن الذل يسكن في حَناياه، ويرتسم على مُحَيَّاه؛ إنها الغربة الأبدية التي لا فِكاك منها، حين يعبر القرون معزولاً مفردًا، تمرّ من حوله جماعات الوحش والحيوان والطير والبشر والشعر، وهو في طريقه الواسع بلا صاحب!
يسمعه الناس، ويأخذون منه، ويمنحونه الإعجاب، ويردِّدون حروفه، وهو في أرض بعيدة المحلة، نائية الدار، مجهول النسب، لا يعرفون أباه ولا عائلته ولا وطنه..
حال بيت سائر من الشعر، منفرد عن القصيد كله، يردِّده الناس باحتفاء، ولا يعرفون قائله:
مَساكينُ أَهلُ الحُبِّ حَتّى قُبورُهم       عَلَيها ترابُ الذُلِّ بَينَ المَقابِرِ!
حسن تراه العيون، وتلذّه الأسماع، وتبهش له القلوب.
مفرداته عادته: مساكين، القبور، تراب، الذل، المقابر.
«الحب» و «أهل الحب» وضمير الحب مفتاح الجمال والإثارة.. كلمة استثنائية منحت ما حولها الروعة والإبداع.
إنها لذة الألم!
أهل الحب يردِّدونه مستعذبين ما يلقون من المعاناة، مستعدِّين لاحتمالها إلى النهاية، متقبلين الغربة حتى في القبور المفردة النائية الناطقة بالأحزان الدفينة.
خصوم الحب يردِّدونه تحذيرًا وزجرًا عن شعور، أوّله لعب، وآخره عطب، وربما عدُّوه وهمًا محضًا، أو حالة عابرة، أو قرارًا غريبًا لا يخضع لمنطق.
آخرون يسوقونه مساق التسامي، بالحبّ الرباني، والحبّ الراقي، والحبّ الشريف الذي لا يخضع للمتعة المجرَّدة.
ما الذي استخرج البيت من الذاكرة، وأجراه على اللسان، ليكون أنشودة الطريق؟
ربما ردَّده طريح أضناه السقم، فظلَّت الذكرى تستدعيه بمناسبة أو غير مناسبة!
قبور المحبين لا تكاد تُعرف أو تُميَّز، إلاّ ساعة الوداع، أما تلك الشواخص من قبور الغرباء المجهولين، فهي مرسومة في القلب، محفورة في الوجدان، تستدرّ الدمع الغزير، وتفسح الأفق لخيال قد يلامس الحقائق أو يقاربها أو يتفوَّق عليها!
إنها قبور ضحايا أحقاب الظلم والعدوان الإنساني الذي لم ينقطع.
قبور صامتة تصرخ بالأسئلة الاحتجاجيّة على القمع الطويل، وعلى صمت العالم أمام مسير الظالمين ومصيرهم، وإنما تكون مدنية الإنسان وحضارته بحفظ الكرامة الإنسانية، والتضحية في سبيلها.
القبور ناطقة إذًا، والصامتون هم شهود الزور:
مَرَرْتُ بِقَبْرِ ابْنِ المُبَارَكِ غَدْوَةً        فَأَوْسَعَنِي وَعْظاً وَلَيْسَ بِنَاطِقِ
وَقَدْ كُنْتُ بِالعِلْمِ الَّذِي فِي جَوَانِحِي    
غََنِيَّا وَبِالشَّيْبِ الَّذِي فِي مَفَارِقِي
وَلَكِنْ أَرَى الذِّكْرَى تُنَبِّهُ غََافِلاً        إِذَا هِيَ جَاءتْ مِنْ رِجَالِ الحَقَائِقِ
الظلم باقٍ لم ينته بعد، وشعوب تعيش قسوة الظلم من أعدائها، وأخرى تعيش قسوته من جلاَّديها الذين يصرُّون على أن يحكموها إلى الأبد، وفق الطريقة التي تروق لهم، وتضمن سطوتهم دون سؤال.
لقد منحوا أنفسهم حقّ الألوهية.. فهل يستحق عبيدهم أن يَسأَلوا أو يُسأَلوا.. هل يستفتون عبيدهم بشأن وجودهم وسلطانهم؟
والضحايا تهتف في قبورها المغتربة الذليلة:
وَيدورُ هَمْسٌ في الجَوانِحِ: ما الَّذي
بِالثَّوْرَةِ الحَمْقاءِ قَدْ أَغْراني؟!
أَوَ لَمْ يَكُنْ خَيْرًا لِنفسي أَنْ أُرَى
مثلَ الجُموعِ أَسيرُ في إِذْعانِ؟
ما ضَرَّني لَوْ قَدْ سَكَتُّ.. وَكُلَّما
غَلَبَ الأسى بالَغْتُ في الكِتْمانِ؟
هذا دَمِي سَيَسِيلُ يَجْرِي مُطْفِئًا
ما ثارَ في جَنْبَيَّ مِنْ نِيرانِ
وَفؤاديَ المَوَّارُ في نَبَضاتِهِ
سَيَكُفُّ من غَدِهِ عَنِ الْخَفَقانِ
وَالظُّلْمُ باقٍ.. لَنْ يُحَطِّمَ قَيْدَهُ
مَوْتي، وَلَنْ يُودِي بِهِ قُرْباني!
هنا تضحية طويلة تعبِّر عن حب فطري بسيط وعميق وصادق، لم يكن عبارات منمَّقة، ولا مزايدات، كلمة: «لا» قالها ضعيف ودفع ثمنها.
أكثر من ألف قبر للسود والهنود عبر ثلاثمائة سنة، منذ أن كانت الجزيرة مقرًّا لنفي المرضى وأصحاب الآفات والخارجين عن القانون، أكان قانون العدل أم قانون العنصرية الحقيرة، وإلى مرحلة التقنين الصارم الذي يبوء بوزره المؤسِّس الأول «هندريك فيرفورد» الهولندي.. الذي هاجر مع أسرته إلى جنوب إفريقية، وهو ابن ثلاثة أشهر، وتنقَّل من العمل الأكاديمي، إلى العمل الصحفي، إلى العمل السياسي، ليصبح أول رئيس وزراء يطبِّق سياسة التفرقة، ولينال جزاءه العادل بقتله داخل البرلمان (1901-1966م).
ما بين (7-12) كيلو متر تفصلها عن كيب تاون، يقطعها سبَّاح ماهر في نحو عشرين دقيقة، مياه باردة عميقة هي السياج الطبيعي لحراسة السجن، وأسماك القرش الضارية تتربَّص بمَن يحاول الهرب!
«بلات جس» يصنع سفينة متواضعة استعدادًا للفرار، يلاحقه الفشل، ثم المرض، ثم تهمة الجنون!
البرتغاليون مرُّوا من هنا مكتشفين ومحاربين، والهولنديون غزاة ومستعمرين، والإنجليز نهّابين، أخذوا حتى أشجار الجزيرة وحيواناتها، وتركوها أرضًا بُورًا تنتظر نزلاءها المسحوقين!
شعار السجن، كما العادة:
الميزان: رمز العدالة، مطلب إنساني يشبه العنقاء، يلقي في رَوْع مَن يُدْلِف إلى المكان أن كل ما يُمارس معه فهو عدل، وربما فضل!
الكتاب: رمز المعرفة، ولِمَ لا.. وقد خُصِّصت غرفة هنا لمَن يريد أن يتعلَّم! ربما كان دافعه إلى الاحتجاج هو الجهل والتخلف!
المفتاح: رمز الحرية، وهو بيد سجّانك، وأنت تُقتل باسم الحرية، وكما خلق الله الحيوان، وفيه الأسد المفترس، والظبي الشهي، خلق الإنسان الأبيض للسيادة، والأسود للعبودية والخدمة.. هكذا هي النظرية التي تُلقى حتى في عقول الصغار!
الزهور: رمز الحياة والجمال، وأنت البقعة المشوَّهة التي تم عزلها؛ لئلا تشوِّه بياض الوجود!
تدمير معنوي لنفسية سجين محروم غريب في وطنه، تمر عليه التفاصيل بالثواني والدقائق، ولا شيء يتغير، ثم مجموعة من السود يذرفون دموع الأسى على ضحايا أعتقهم الموت من شلل العزلة وأغلال التمييز.
زنزانات تشتدّ قبضتها كمارد جبّار، وهيبة تزرع الرعب في القلوب بمجرد ذكر الاسم، والتماعات انتقام ومرارة فقد وحرمان تثور في قلب رجل أسود، فيتردَّد صداها في قلب المدينة، انفجارًا في سيارة أو ملهى، أو محاولة فاشلة، تسمح بتصوير الضحية كمجرم إرهابي عدوٍّ للحياة!
الأبواب الضيقة، والنوافذ المغلقة بقضبان حديدية محصَّنة، والسراديب والحجرات تضيق بنفسها، والجدران السميكة المصمتة، والمزاليج الثقيلة، فناء التشميس المحروم من معنى الحياة، شجيرات تنبت في زواياه لتذبل وتموت، وأكوام الصخور بعدد النزلاء.
من الساعة التاسعة صباحًا، حتى السادسة مساءً، عمل دؤوب في البرد والصقيع، في الرياح العاصفة، في الشمس اللاهبة، وسوط الجلاّد على الظهور.
وقت إضافي للتسلية بقطع المزيد من الصخور، وتفتيت القطع المكسورة منها، ليتم رصف طريق البيض بها، وبناء قلاعهم.
قلعة (كيب تاون) بُنيت من حجارة الجزيرة.
لقد تم اختيارها بعناية، جزيرة ذات صخور هائلة لا تنفد، تحضيرًا للمزيد من العسف والعنف والقسوة.
قوائم الطعام المقنن، تشبه أعلاف الحيوانات السائبة، أما كلاب البيض، فتُطعم من لذيذ اللحم وطيب المعلبات!
النزيل هنا تحوَّل إلى رقم أو بصمة، حتى الثوب لا يملكه، وعليه أن «يتألّل»، أي: يتشبَّه بالآلة.
شاب رفض ممارسة الشذوذ مع ضابطه، فتعرَّض للضرب مرات، وللحرمان من الوجبة!
أصغر سجن في العالم «sobukwe» سجن فيه فرد واحد، كان شديد الجاذبية والتأثير، فخافوا منه أن يبث روحه المناضلة وقت الثورة حين قتل الآلاف وسجن المئات!
المناضل الشاعر الراحل «دنيس بروتوس» خرِّيج المدرسة ذاتها، أصبح بعدُ مديرًا لحملة الإفراج عن السجناء السياسيين هنا، التابعة للأمم المتحدة، يُدلي بشهادته (عام 1967م) بما يُعدُّ إدانة صارخة لتلك الحقبة.
طابور السجناء، وهم يمشون عراة منهكين دون توقّف، وسياط الجلاّد تلهب ظهورهم، والقانون يسمح للضابط بالجلد إذا رغب في ذلك، تحت شعار: «حملة التكدير»!
النوم على الأرض دون فراش، ينام على الصخر الصلب، ويواجهه في المكسر، وفي فناء التشميس، وأمامه الأبواب الصخرية، والجدران الصخرية، والوجوه الصخرية، وهو يحفر مستقبله الغامض بأصابعه الواهنة عبر صخور صلبة، وكلها ألين من قلب ذلك الرجل المتحجِّر معدوم الضمير (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة:74).
الأشخاص الذين يتصرَّفون بوازع الضمير ضد نظام الشر، عقوبتهم هي السجن مدى الحياة.
القادة المضحُّون المطالبون بالحرية، طلبوها كلها دون تجزئة، فحُرموا من القدر الضئيل الذي كان يتمتع به الآخرون.. عندهم أن الحرية كالحياة، لا تقبل القسمة، فالحياة من دون حرية، جسد بلا روح.
ظلُّوا يعيشون عقم الحياة وقسوتها، وغياب الأفق الذي يتطلعون إليه، ولا دليل على انفراج، وحين ساوموهم على إطلاقٍ مشروط، كان جوابهم:
إذا لم يكن الجميع يتمتع بالحرية، فكأنه لا أحد يتمتع بها!
تُوفي العديد من الأبطال هنا على مرّ السنين.
الإمام عبد الله بن قاضي سمعان، ظل ثلاث عشرة سنة في الحبس، القرآن الذي كان يحفظه كاملاً، وحده كان أنيسه ونديمه وعزاءه، يقضي في زنزانته وحيدًا دون أن يشعر أحد بمعاناته، القبر المبني هنا على هضبة في الجزء العالي من الجزيرة يحمل اسمه وتاريخه، ويعبِّر عن مشاركة إسلامية تؤسَّس على رفض الظلم ودعوة العدالة، وأنها من صميم الرسالة.
أحمد كاثرادا، مسلم من أصول هندية، من رفاق مانديلا، قضى في السجن ستاً وعشرين سنة، صلابة موقفه عزَّزت صبر مانديلا، وكان يردِّد: «السجين لا يملك القدرة على التفاوض».
جميل أن يكون المسلم في صف المظلوم، وإن كان لا يرى أفقًا للنجاح، فالعدالة لا تخضع لحسابات المصلحة الذاتية القريبة!
أخيرًا، تحت ضغوط عالمية إدارة السجن تسمح بكرة القدم!
       لم تكن متنفَّسًا من العذاب الجسدي والنفسي فحسب، بل علَّمتهم مفهوم الانضباط، وتحديد الهدف، وزرعت فيهم روح الفريق، ودرَّبتهم على المنافسة وتَقَبُّل الهزيمة والنصر بهدوء.
سجناء مهمُّون مُنعوا من المشاركة، مانديلا وأحمد كاثرادا.
حين اكتشفت الإدارة أن مانديلا يقدر على مشاهدة المباراة من كُوَّة غرفته الصغيرة، بنت حائطًا يحجب عنه الرؤية.
مَن بنى حائطًا دون مشاهدة الرياضة، كيف سيسمح برؤية العالم، أو برؤية مستقبل يمنح الأسود حق التصويت والترشح؟
يدور الزمن دورته، وتستضيف جنوب إفريقية نهائيات كأس العالم في نسختها الـ (19).
الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) يكرِّم النزلاء السابقين الذين لعبوا الكرة لأول مرة في «روبن آيلاند»، ويقيم الحفل في الجزيرة ذاتها!
المعاناة الصابرة هي طريق الانعتاق من الجوع والتشرُّد والعنصرية والبؤس والاستبداد.
حين آمنوا بأحلامهم، تحوَّل الوطن إلى واحة غَنَّاء جميلة، وحصلوا على العدالة في نهاية المطاف.
في (1996م) غادر آخر السجناء، لتصبح الجزيرة واحدةً من الآثار التاريخية تحت إشراف الأمم المتحدة.
هي إذًا.. جزيرة الأحلام!
كم من السجون في عالمنا العربي يجب أن تنضم إلى الآثار التاريخية، ليشعر الإنسان أنه عاد من منفاه الروحي، وأن شجرة الانتماء تخضر وتثمر؟
دليل الرحلة كان أحد السجناء، خفة روحه حوَّلت المشهد إلى متعة، الضحكات لا تتوقف، «الخاء» الإفريكانية تميِّز نسخته الإنجليزية، التي يعسر فهمها على الكثيرين، لغة وجهه وجسده كانت تعويضًا، يتحدَّث عن بلد يموت فيه بـ (الإيدز) أكثر ممن يُولد، صحيح؛ فجنوب إفريقية التي كسبت معركتها مع العنصرية، خسرتها مع المرض الخبيث (إتش آي في).
وقت ارتخاء القبضة الصارمة، سمحت الإدارة لسجين أسود أن يتزوج ممرضة بيضاء، وأصبح زواج «طوكيو سكسوالي» بـ «جودي مون» عام (1989م) قصة مؤثِّرة، وانتصارًا للحب على العنصرية والبغضاء؛ ليظل الحب هو الكلمة الاستثنائية التي تمنح ما حولها الروعة والجمال والإبداع.
هل يكون الحب عبر الزواج طريقًا أمثل للقضاء على العنصرية ونظامها المترسِّم في النفوس والعقول والثقافات.
كسر حدة التعامل حسب اللون والعنصر، يكسر الحواجز المصنوعة بين بني البشر، ويأذن بترسيم المبدأ الإلهي:
(وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا). (الحجرات:13).
والتشخيص النبوي:
«كلُّكم لآدمَ، وآدمُ من تراب».
فالبشر عنصر واحد؛ قبضة من الطين، ونفخة من الروح.

كيب تاون
ظهر الثلاثاء الساعة الرابعة
28/6/1432هـ