ساباتو عميد الكتّاب اللاتين : لا تقرأوا لي وأكره الأدب والأدباء

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Jul 6 2012 | العدد :80 | عدد المشاهدات : 2041

ساباتو عميد الكتّاب اللاتين : لا تقرأوا لي وأكره الأدب والأدباء

نسخة للطباعة
تستأثر الدول الكبرى بأحدث التكنولوجيا والتقدم العلمي، وعلى الرغم من طاقاتها الجبارة إلاّ أنها لم تستطع أن تستأثر بالأدب، فهو ابن "العالم الثالث" لا شك، ولا ينازعه فيه أحد؛ فالأدب العربي واللاتيني يقف صفًّا واحدًا يتقدم العالم يزهو أحيانًا وينير أحيانًا، وفجأة يخفت أيضًا أحيانًا.
ولعل خفوت الأدب يأتي في رحيل نوابغه وكوادره وروّاده، ومؤخّرًا، بكى الأدب العالمي رحيل الأديب الأرجنتيني (أرنستو ساباتو)، (شكسبير) اللاتين، الحائز على جائزة (ثيرفنتيس) أعرق الجوائز الأدبية باللغة الإسبانية.
رحل (ساباتو) عن (99) عامًا، بعد حياة حافلة بالعديد من المؤلفات التي أثرت الأدب العالمي، ويأتي رحيله قبل شهر تقريبًا من إكمال عامه المائة، وقبل تكريمه في معرض بوينس آيريس للكتاب.
مولده ونبوغه
وُلد (أرنستو ساباتو) في العام 1911 في الأرجنتين، في مدينة بوينس آيرس، وقد كانت مدينة مضطربة في ذلك الوقت؛ فقد عصفت بها الزلازل السياسية والعنف العسكري والثورات والتقلّبات الاجتماعية والهجرات المتنوعة طوال القرنين الماضيين.
وعرف (ساباتو) مجموعة هائلة من النصوص الراقية في ثقافة بلاده؛ فقد قرأ -وبشكل مبكر- الكاتب (ريكاردو جوير آلديس)، وقد تعلم منه التركيز بشكل جليّ على النزاعات الإنسانية الساحقة، والتركيز على الخيال الشعري الخلاّق للذات الإنسانية في لحظة توتّرها وتهدمها.
وقرأ (بورخس)، وتعلم منه التعلق بالتجريد الميتافيزيقي وصناعة الحبكة المتشابكة المعقدة، وقرأ (أدولف يويس كاسيرس)، وقد تأثّر بصياغاته اللغوية وحيله الأسلوبية، كما أنه تأثر بالروائي الأرجنتيني (خوليو كورتازار) الذي شغل الأدب العالمي بروايته الشهيرة (الحجلة) التي صدرت في العام 1966.
كل هذه الأعمال وُلدت في الأرجنتين، الأمة التي كانت تفقد هويتها القومية شيئًا فشيئًا، وشهدها (ساباتو) وهي تعيش قمة صراعاتها ونزاعاتها مع الغرب، وخلقت في تلك الفترة تراكمًا هائلاً من الإنتاج الثقافي والفكري، على الرغم من الهزات السياسية والحروب الأهلية والنزاعات الحزبية الدموية وتمرّد الديكتاتوريات العسكرية.
ثم حصل على الدكتوراه في العلوم الفيزيائية والرياضية من جامعة (لابلاتا)، وعمل في حقل الإشعاعات الذَّرِّيَّة في مخبر (كوري) في فرنسا، ثم في معهد (ماساشو ستيس) للتكنولوجيا في بوسطن- الولايات المتحدة الأمريكية.
في عام 1945م هجر العلوم بصورة نهائيَّة ليكرِّس وقته للأدب، وكتب عدَّة أبحاث حول الإنسان وأزمة العصر، وثلاث روايات، هي: "النَّفق" عام 1948م، "أبطال وقبور" عام 1961م، و"أبدون" عام 1967م. ونالت روايته الأخيرة في باريس جائزة أفضل رواية أجنبية في فرنسا في ذلك العام.

رحلته الإبداعية
بصدور "النفق"، روايته الأولى، استطاع (ساباتو) أن يجذب إليه الانتباه كواحد من أهم الكتاب الواعدين في أمريكا اللاتينية؛ فقد نالت الرواية إجماع النقاد والقرّاء على السواء.
وفي زمن وجيز استطاعت أن تتخطى شهرتها بلد الكاتب، ولقيت الكثير من الاهتمام في أوروبا وباقي أنحاء العالم، ورأى العديد من الكتاب بمن فيهم (ألبير كامو) و(جراهام جرين) في هذه الرواية "تعبيرًا روائيًّا لافتًا لمأساة الإنسان في المجتمع المعاصر".
قدم (ساباتو) إلى عالم الأدب من مجال آخر شديد البعد والاختلاف؛ فقد كان يعمل في مجال الفيزياء، وتحديدًا في ميدان الطاقة الذرية، وفي العام 1945، تخلّى (ساباتو) عن عمله كعالم فيزياء، ليتفرغ للأدب، والواقع أن هذا التاريخ له الكثير من الدلالات؛ فهو العام الذي انتهت فيه الحرب العالمية الثانية بعد أن خلّفت الكثير من الويلات والمآسي.‏

ضدّ الحرب
جاءت الحربان العالميتان والقنبلة الذرية وغيرها من المآسي التي عرفتها الإنسانية في النصف الأول من القرن العشرين، لتترك أثرًا عميقًا في (ساباتو) وتزرع فيه الكثير من التشاؤم وعدم الثقة بالإنسان.
ويقول (أرنستو ساباتو): "إن نفسي ترتعش حين أرى البشر منخرطين في سباق يبعث على الدُّوار وقد أصابهم الرعب، فلا يعرفون أين هم ذاهبون، ولا حتى تحت أي راية ينضوون، في خضم صراع لم يختاروه".
لقد رسم (ساباتو) في جميع أعماله صورة كابوسية لعالمنا الحديث، وشبّه البشر بآلات عمياء تسير بلا هدف، أما عالمنا فهو مجرّد "مجتمع مريض".
وفي كتابه "المقاومة"، وهو آخر كتاب صدر له قبل وفاته، يلخص (ساباتو) مشكلة الإنسان المعاصر في عبارتين: "غياب الحوار" و"البؤس الروحي"، فيقول: "إن غياب الحوار يخنق أي تفاهم قد ينشأ بين البشر، ويمكنهم من الانتصار على مخاوفهم والوصول إلى حرية أكبر. ولكن الأخطر في هذا المجتمع المريض، ليس فقط الاستغلال والفقر، وإنما البؤس الروحي الذي يرافقهما".
ومع ذلك فإن (ساباتو) يؤمن بالإنسان الذي سبق، وأن وصفه بأنه "الحيوان الأكثر شؤمًا من بين جميع المخلوقات".
وهو يرى أن المخرج الوحيد بالنسبة للإنسانية هو المقاومة، ويقول: "أعتقد أنه يجب أن نقاوم، لقد كان ذلك شعاري دائمًا".
وفي حوار أجرته معه الكاتبة التشيلية (إيزابيل الليندي) نُشر في مجلة (باولا)، يؤكد (ساباتو) على هذه الفكرة قائلاً: "لا يمكن لأي رجل عاقل وشريف ومحترم أن يدعم الظلم بأي شكل من أشكاله. أنا أقف إلى جانب التغيير الاجتماعي. ولكني أريد العدالة الاجتماعية مع الحرية. ولا أريد أن تحل العبودية السياسية محل العبودية الاقتصادية".
وبعد رواية "النفق"، نشر (ساباتو) روايتين هامّتين هما: "عن الأبطال والقبور" و"ملاك الظلمات"، وتشكل هذه الروايات الثلاث التي ترجمت إلى عديد من اللغات نوعًا من الثلاثية الروائية. و على الرغم من أنه لم ينشر أي رواية أخرى، إلاّ أن الأعمال القليلة التي تركها (ساباتو) كانت كافية لجعله واحدًا من أشهر كُتاب أمريكا اللاتينية، بل عميدًا للأدب اللاتيني، وأحد أهم الروائيين وأكثرهم أصالة في القرن العشرين.
وعلى الرغم من ذلك إلاّ أن (ساباتو) يقول: "أنا لست كاتبًا محترفًا وأكره الأدب والأدباء"، قبل أن يضيف: "كوني كاتباً أمر لا يعجبني. كان بودي أن أكون عالم آثار أو عالم لغة، أو أن تكون لي ورشة ميكانيك صغيرة في حي غير معروف".
وفي "تقريره حول العميان" الذي استنكره القرّاء ينتهي بهذه العبارات الرمزية: "إن الحيلة والرغبة في الحياة واليأس، كل ذلك جعلني أتخيّل ألف مهرب، وألف طريقة للإفلات من القدر. ولكن كيف يمكن للإنسان أن يهرب من قدره المحتوم؟"

قالوا عنه
• يكره الكتابة، ويسخر من "ازدهار أدب أمريكا اللاتينية"، ويخاف خصوصًا من أن تُبتذل أفكاره وتُؤوّل بشكل خاطئ. (إيزابيل الليندي).
• إنّ كل شخصياته قد خرجت من قلبه...(إبسن).
• إنّ الإنسان بقدر ما يتعمّق في قلبه (أرنستو) يتعمّق في قلوب الآخرين.. (كيركجور).