أريجوني العالم يفتقدك

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Jul 6 2012 | العدد :80 | عدد المشاهدات : 1772

أريجوني العالم يفتقدك

نسخة للطباعة
"دعونا نكنْ بشرًا حتى في أصعب اللحظات".. قالها قبل مقتله بغزة، وعندما سألته أمه كيف ذلك في الأوقات العصيبة، فكان يجيبها قائلاً: "على الرغم من كل شيء ينبغي أن تظل الإنسانية دومًا داخلنا حتى نتمكن من الوصول للآخرين".
إنه الناشط الإيطالي (فيتوريو أريجوني)، الذي ضحَّى بعمره في سبيل قضيته، تلك القضية التي لم يكن يربطه بها شيء إلاّ إنسانيته التي دفعته إلى حيث قدره في غزة، ليقتل بأيدي مسلحين يعملون بعيدًا عن أيدي حركة المقاومة الإسلامية "حماس" التي تحكم القطاع.
فممّا لاشك فيه أن قتل (أريجوني)، الذي يُعدّ أول أجنبي يُختطف في قطاع غزة منذ سيطرة حماس على القطاع في يونيو 2007، ضربة كبيرة للحركة، ومصدر إحراج لها حول الأمن، ومدى واقعيَّة بسط يدها على جميع الفصائل المسلحة بالقطاع، هذا غير تأثيره على حملات التضامن الدولية، وسفن المساعدات الإنسانية.
وبما أن حماس تُعَدّ الخاسر الأكبر في مقتله، فإن الاتهامات طالت فصائل تعمل على الإضرار بها بشتى الطرق، فذهبت بعض التلميحات إلى أفرع بحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، وإلى الكيان الإسرائيلي ذاته، خاصة مع قرب وصول قافلة مساعدات تضامنية قريبًا إلى القطاع، وتعمل إسرائيل على منعها.

نضاله
والدة (أريجوني، اجيديا بيريتا)، تقول: "بمجرّد تخرّجه من الجامعة، بدأ (فيتوريو أريجوني) رحلات سفره إلى الخارج، وقد ذهب إلى فلسطين (9) مرات، حينها أدركت أن عمله وحياته ستتركز هناك"، وبالفعل أصبح (أريجوني) أحد الناشطين القادمين من أوروبا والولايات المتحدة الذين قاموا بإحياء حركة التضامن الدولي، وعملوا بشكلٍ وثيق مع الصيادين والمزارعين في قطاع غزة.
ومكث أريجوني في قطاع غزة ثلاث سنوات، منذ دخوله إليها في شهر أغسطس عام 2008 على متن أسطول حركة تحرير غزة، التي كانت تهدف إلى كسر الحصار الإسرائيلي وتقديم المساعدات الإنسانيَّة لشعب القطاع، وخلال هذه المدة لم يذقْ أريجوني طعم الراحة أو الأمان، فقد أُصيب أثناء مرافقته لبعض الصيادين الفلسطينيين في عرض البحر إثر غارة إسرائيليَّة، كما تلقَّى، قبل عامين، تهديدًا بالقتل من موقع إلكتروني تابع لليمين المتطرف في الولايات المتحدة، ناهيك عن سجنه عدة مرَّات من قِبل إسرائيل، بعد أن قامت قوات الاحتلال بترحيله من الضفة الغربيَّة، إلاّ أنه ظلّ صامدًا يشارك في مساعدة القضية الفلسطينيَّة، كما كان له دور بارز في تسليط الضوء على ترحيل إسرائيل لنشطاء السلام خارج أراضي فلسطين، ومن ذلك ما ذكره أن إسرائيل قامت بترحيل بعض من نشطاء السلام عام 2005 بعد قضائهم عيد الميلاد محتجزين، بسبب رغبتهم في حضور مؤتمر السلام في بيت لحم.
وبعد قيام إسرائيل بترحيله، ازداد (أريجوني) إصرارًا في السعي من أجل القضية الفلسطينيَّة، ورأى أنه يتعيَّن عليه أن يبذلَ كل ما بوسعه للمساعدة في تحقيق المساواة والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني الذي يعيش تحت الاحتلال، إلى جانب توعية من هم خارج فلسطين بمدى الصعوبات والظلم الذي يعانيه هذا الشعب.
كثير من المقربين لأريجوني وصفوا مدى ولعه بالقضية الفلسطينيَّة، وخاصة على موقعه الإلكتروني؛ فقد وصف الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة بأنه "إجرامي"، كما وصف أربعة فلسطينيين لقوا حتفهم في نفق تحت الحدود بين غزة ومصر مؤخرًا بأنهم شهداء.
وخلال العدوان الإسرائيلي على غزة في عام 2008، لم يرضَ (أريجوني) أن يترك القطاع، وظل طيلة عملية "الرصاص المصبوب" يقدِّم المساعدة للأطباء ويقوم بإعداد التقارير عمّا  كان يحدث، بالإضافة إلى كتابته تقارير كثيرة لصحيفة (ايل مانيفستو) الإيطالية التي عمل مراسلاً لها في عام 2010، وله كتاب يُسمّى "كن إنسانًا"، يستند على ما شاهده وعايشه خلال عملية "الرصاص المصبوب" على غزة.

وحشية القتل
أعلنت جماعة مسلحة تطلق على نفسها اسم "جماعة الصحابي محمد بن مسلمة"، خطفها لأريجوني، وهدّدت بإعدامه بعد (30) ساعة، ما لم يُطلَق سراح عدد من المعتقلين بالقطاع، وعلى رأسهم الشيخ هشام السعيدني، زعيم جماعة "التوحيد والجهاد"، الذي تعتقله حماس منذ شهر تقريبًا، وهو ما جعل أصابع الاتهام تتجه نحو هذه الجماعة، إلاّ أن المسلحين نفّذوا تهديدهم بعد أقل من خمس ساعات.
وعقب اعتقال أجهزة الأمن لشخص من المشتبه بهم، عُثر على جثة (أريجوني)، الذي قضى سنوات في الدفاع عن القضية الفلسطينية، في منزل خالٍ من الأثاث، فيما عدا المراتب، وقال الطبيب الذي أجرى عملية التشريح: إنه قُتل جراء الخنق بكيس بلاستيك، وبـ"طريقة بشعة".
واعتقلت أجهزة الأمن عنصرين من أفراد المجموعة التي نفّذت جريمة "الخطف والقتل"، ويجري البحث عن آخرين ومواصلة التحقيق للوصول إلى الجناة الحقيقيين والمخطّطين للعملية.
وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية بغزة، إيهاب الغصين: إن الخاطفين استأجروا المنزل الذي عُثر فيه على جثة (أريجوني)، واستخدموا سيارة شخص آخر في محاولة لإخفاء هويّاتهم. معربًا عن اعتقاده بأنهم كانوا يعتزمون من البداية قتل ضحيتهم؛ لأن الجريمة حدثت بعد فترة قصيرة من اختطافه.
إسرائيل
ليست ببعيد
ألمح الغصين، لتورّط الاحتلال الإسرائيلي في العملية، وقال: إن عملية قتل (أريجوني) يمكن أن تعرّض المزيد من بعثات التضامن للخطر، مثل الأساطيل التي حاولت كسر الحصار البحري الإسرائيلي على غزة، وأكد أن الجماعة التي قتلت أريجوني خدمت نيّات إسرائيل بمحاولة إرهاب المتضامنين الذين يدعمون الشعب الفلسطيني في غزة.
وناشدت إسرائيل مرارًا، تركيا والاتحاد الأوروبي، التدخل لمنع وصول قافلة تنظمها "حركة غزة الحرة"، وهي تحالف من الناشطين المؤيدين للفلسطينيين، ومن المتوقع أن تصل القافلة في أواخر مايو المقبل، وتضم (15) سفينة، تحمل على متنها مسافرين، منهم أوروبيون وأمريكيون.
وسابقًا قتلت إسرائيل الناشطة الأمريكية (ريتشيل كوري)، في محاولة لإرهاب المتضامنين مع الفلسطينيين، لكن محاولتها باءت بالفشل آنذاك، فسعت –بحسب مراقبين- لأن "تؤجر" من ينوب عنها لتتحمل "حماس" وزر العملية برمتها، وربما يؤثر ذلك على وصول قوافل جديدة إلى القطاع.
وأكّدت والدة (أريجوني)، أن ابنها تلقّى تهديدًا بالقتل من موقع أمريكي متطرف قبل عامين، وهو ما يفتح الباب أمام اتهام اللوبي الصهيوني بالولايات المتحدة، والذي بات الذراع الذي ينفذ العمليات نيابة عن إسرائيل ولأجل مصلحتها، وما يسمى بـ"أمنها القومي"، بالوقوف خلف العملية.
أما بخصوص اتهام دوائر في "فتح" بالضلوع في العملية نكاية بحماس، فإن مراقبين أكّدوا أن محمد دحلان، القيادي الفتحاوي، لايزال له دور في القطاع بشكل أو بآخر، وأنه لم ينس "حربه" مع حماس، ولذلك يخطط من آنٍ لآخر في استهدافها.
واتهمت حماس، دحلان، مرارًا، بالوقوف وراء عمليات تستهدف القطاع، ووصل الأمر لحدّ اتهامه بالخيانة والعمالة مع الكيان الإسرائيلي، على أساس إشعال فتنة في غزة.
وبثت حماس تسجيلاً لدحلان سابقًا يتحدث فيه عن خطط لاغتيال ناشطين في الحركة يعملون في المجال الخيري، وتفجير مؤسّسات خيرية، وإطلاق صواريخ على مستوطنات إسرائيلية، وإطلاق صواريخ على حاجز بيت حانون، وإطلاق رصاص على جنود صهاينة، وقصف مؤسسات إعلامية، وقتل قياديين في حركات فلسطينية، على خلاف أصلاً مع حركة حماس، من أجل اتهام حماس بها.
كل ذلك يعيد اتهام دحلان مجدّدًا بالوقوف خلف العملية، لضرب الاستقرار الذي باتت تجنيه حماس مؤخرًا بالقطاع، بالإضافة لاختلاف المواقف العربية تجاهها، بعد الثورات التي طالت مصر وتونس.

التنديد بقتله
في اعتصام نظّمته حركة "حماس" تنديدًا بالجريمة، شدّد عضو مكتبها السياسي محمود الزهار على أن "هذه الجريمة لن تمر مرورًا عابرًا، وستجري ملاحقة كل من شارك في ارتكابها، وسيكون التعامل معهم بحجم الجريمة".
وأكَّد رئيس الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة إسماعيل هنية أن المتورّطين في قتل (أريجوني) لن يفلتوا من العقاب، مشدّدًا على أن هذه الجريمة لا تعبر عن قيم وأخلاقيات ودين الشعب الفلسطيني المرابط.
وأدان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بشدّة الجريمة، ووصفها بـ"الجريمة البشعة والنكراء". كذلك أدانت حركة الجهاد الإسلامي الجريمة، وقالت: إن "هذه الجريمة البشعة مساس خطير بشعبنا". ووصفت لجان المقاومة الشعبية الجريمة بـ"العمل الجبان"، مطالبةً بمحاسبة القتلة، فيما عدّتها الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بأنها "إساءة خطيرة لنضال الشعب الفلسطيني وكفاحه".
من هو أريجوني؟
وصل الإيطالي (أريجوني) قطاع غزة عام 2008م على متن إحدى سفن كسر الحصار التي قدمت عبر البحر، وهو مقيم فيه منذ ذلك الحين، كما يعتبر أحد أعضاء اللجنة الدولية للتضامن مع القطاع. وصل غزة وغادرها عدة مرات، ليعود من جديد مع سفن ومتضامنين جدد، وبجنسيات مختلفة.
وينحدر (أريجوني) (36) عامًا من (بيسانا برانتسا) قرب ميلانو، وعاش في قطاع غزة ثلاث سنوات، وألّف كتابًا بعنوان: "غزة.. لنبقَ إنسانيين"، حول العدوان الإسرائيلي الهمجي على القطاع نهاية 2008 ومطلع 2009.
ترك أهله وعائلته وقرر البقاء في غزة لمساندة أهلها، والوقوف إلى جانبهم في وجه الحصار والعدوان، وخاصة إبّان العدوان الإجرامي الإسرائيلي، ليشارك الصيادين في أعمالهم، على الرغم ممّا يشوبها من خطر وإطلاق نار متكرر من قِبل زوارق البحرية الإسرائيلية.
ويعرف عنه مواقفه الرافضة للاحتلال الإسرائيلي، ودوره في نقل معاناة وهموم الشعب الفلسطيني، وجهوده في نصرة القضية الفلسطينية، عبر سفن كسر الحصار، ومحاولة جلب المتضامنين، ونقل رسالة الشعب الفلسطيني إلى العالم.
وهو ثالث متضامن مع الشعب الفلسطيني يُقتل في غزة، بعد (ريتشيل كوري) و(توم هارنديل)، اللذين قُتلا في 2003 بأيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي.