خلدون النقيب رائد الاجتماع السياسي

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Jul 6 2012 | العدد :80 | عدد المشاهدات : 2720

خلدون النقيب رائد الاجتماع السياسي

نسخة للطباعة
تَشَابَه اسْمُه باسم المؤسس الأول لعلم الاجتماع ابن خلدون "قدرًا"، وكذلك تشابهت خطواتهما العلمية وسَارَا على درب واحد، وقد قدَّم صاحبنا للعالم العربي الكثير، الأمر الذي جعل الجميع يعتبرونه- بحقٍّ- "المؤسِّس الثاني لعلم الاجتماع"، إنه المفكر وأستاذ علم الاجتماع السياسي الكويتي خلدون النقيب.
فقَد العالم العربي الثلاثاء الـ26 من أبريل 2011 النقيب إثْرَ أزمةٍ قلبيةٍ عن عمر يناهز 70 عامًا، بعدما عمل لسنواتٍ أستاذًا لعلم الاجتماع السياسي في جامعة الكويت، بالإضافة إلى كونه رئيسًا لمجلس إدارة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة.
المُصَاب كان أليمًا جعل العديد من مفكّري العالم العربي ينعونه بعظيم الأسى، خاصَّة أن الفترة الحالية كانت في أشد الحاجة لمثله ليرسم بيديه طريقًا يلتمس به العالم العربي خطواته، بعد الثورات التي أطاحت برئيسي تونس ومصر وما يحدث في ليبيا وسوريا واليمن.
سيرة وإنجازات
وُلِد الدكتور خلدون النقيب في 16 ديسمبر 1941 في الكويت، ويُعتَبَر من أبرز المثقفين وعلماء الاجتماع العرب، وله عددٌ من الإصدارات الفكرية ذات البعد الاجتماعي والسياسي، كما كتب مقالات أسبوعية في عددٍ من الصحف الخليجية والعربية.
وحصل النقيب على البكالوريوس في علم الاجتماع من جامعة القاهرة في عام 1963، والماجستير في علم النفس الاجتماعي من جامعة لويسفيل الأمريكية عام 1969، ثم الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة تكساس في عام 1976.
شغل منصب مساعد عميد، ثُمّ عُيِّن عميدًا لكلية الآداب في جامعة الكويت مرتيْن: في سنوات 1978 - 1981 و1986 - 1992، ليكونَ بذلك أوَّلَ كويتيٍّ يشغل هذا المنصب، وشغل منصب رئيس قسم الاجتماع في سنتي 1991 و1992، وأسَّس ثم ترأس بين عامي 1983 و1986 نشرة العلوم الاجتماعية (النشرة الإنجليزية). وأسَّس مجلة "حَوْلِيَّات كلية الآداب" عندما تولّى عمادة كلية الآداب، وانضمَّ إلى أسرة كُتّاب جريدة "القبس" منذ عام 1985 حتى نهاية التسعينات.
أدخل خلال عمله الإداريّ برامج الإرشاد والتوجيه الطالبِي إلى جامعة الكويت، وشارك في عددٍ من اللجان الأكاديمية، كاللجنة الاستشارية لمدير جامعة الكويت (1986)، ولجنة توحيد معاهد إعداد المُعَلّمين (1987)، واللجنة التنفيذية لإنشاء كلية التربية (1980)، فضلاً عن عضويته الدائمة في اللجنة التي تُعَدّ لإنشاء برامج للدراسات العليا في العلوم الاجتماعية في جامعة الكويت.
وكان عضوًا في المجلس التنفيذي للجمعية الدولية لعلم الاجتماع (إسبانيا) منذ سنة 1988، وعضو الجمعية العربية لعلم الاجتماع منذ سنة 1985، وعضو أكاديمية نيويورك للعلوم، وشارك في لجنة  التحكيم لجائزة سعاد الصباح في سنة 1991، ولجنة تحكيم جائزة السلطان عويس في العلوم والدراسات الاجتماعية في سنة 1992، كما شغل عضوية مجالس تحرير "المجلة الدولية لعلم النفس الاجتماعي التطبيقي" (جون وايلي) التي تصدر باللغة الإنجليزية.
ونالَ في سنة 1992 جائزة "كونا" للإبداع الصحفي عن دراسته: "تحليل المؤشرات الإحصائية والسياسية لانتخابات أكتوبر في الكويت" وهي من جزئين.

إسهاماته المعرفية
للنقيب عدد من البحوث والدراسات المنشورة في الدوريات العلمية، وله كتب عِدّة منشورة هي: "دراسات أولية في التدرُّج الطبقي الاجتماعي في بعض الأقطار العربية" (1980)؛ ثم "تساؤلات حول بعض الملامح الخاصة بالمجتمع العربي وتاريخه" (1981)؛ "المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية (1987)؛ "ثورة التسعينات: العالم العربي وحسابات نهاية القرن" (1991)؛ "الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر" (1991)؛ "الأزمة الدستورية في العالم العربي: العلمانية والأصولية وقضية الحرية" (1994)؛ "صراع القبيلة والديمقراطية: حالة الكويت" (1996)؛ "في البدء كان الصراع: جدل الدين والأثنية، الأمّة والطبقة عند العرب" (1997)؛ "آراء في فقه التخلف: العرب والغرب في عصر العولمة" (2002).
ومن أهم بحوثه "التنبؤية لآراء ابن خلدون"؛ "الخليج بعد الأزمة: رؤية مستقبلية" (1991)؛ "التركيب السكاني وسياسة القوى العاملة" (1991)؛ "نموذج الدول النفطية: تجارب الدول الخليجية وليبيا في تحقيق الرفاهية الاجتماعية وأهم التحولات المعاصرة وأثرها على هذا التوجُّه" (2005).
كما كانت له مساهماته الصحافية التي نشر عبرها مقالاته ودراساته مثل دراسته عن "الثقافة العربية أمام تحديات القرن المقبل"، و"المشكل التربوي والثورة الصامتة: دراسة في سوسيولوجيا الثقافة" و"إطار استراتيجي مقترح للتنمية العربية" و"الرعاية الاجتماعية في الميزان"، علاوة على دراسات نشرها في جريدة "القبس" الكويتية بعنوان "قضايا القبس الملتهبة".

رائد عربي
في علم الاجتماع
يُعْتَبر خلدون النقيب أحد أهم العلماء العرب في علم الاجتماع، وكانت له مواقفه الفكرية اللصيقة بأحوال المجتمع العربي وقضاياه.
وتَمَيّز النقيب باستعراضه العديد من الأحوال السياسية في العالم العربي، فكتب عن التقهقر والتأزُّم السياسي العربي، وشيوع عقلية "البازار" في السياسة العربية التي تجعل من كل شيء قابلاً للبيع والتفاوض، وكتب عن بنية الدولة التسلطية في المشرق العربي، وإضعافها التنمية والحياة الإنسانية في المجتمع العربي.
كما ناضل كثيرًا عن فلسطين، وكان له موقف فكري لا يُهادَن أمام الصهيونية، فضلاً عن آرائه السياسية الجريئة؛ فكتب في القبس في سنة 1992 موضحًا أن دخول القوات الغربية إلى المنطقة لا يهدف إلى دعم المؤسسات الشرعية والدستورية الديمقراطية في بلدان الخليج، بل إلى السيطرة المصلحية للغرب على ثروات المنطقة.
بالإضافة إلى تَنبُّهه وتحليله الواعي للنظام العالمي الجديد، كتب بطريقة علمية تجريبية تبيّن ملامح الاستغلال والغزو الرأسمالي والعولمي الجديد لبقية العالم، كما في كتابه "آراء في فقه التخلف: العرب والغرب في عصر العولمة" وغيرها من كتاباته.
أسس النقيب "سوسيولوجيا خليجية" تتبنّى معالجة المشاكل البنيوية العميقة في هذه المنطقة. فكتب عن  العقلية الصراعية، وعقلية القبيلة "المحدّثة"، وعقلية الاستبداد الأبوي التي تورّث التسلط في مؤسسات المجتمع وأرجائه، والعلل التي تضعف المواطنة، والممارسة المدنية في الدولة العربية الحديثة، كما بحث بعمق المشكلات الخليجية المتعلقة بمفاهيم مثل "القبيلة" و"الديمقراطية" و"الدولة الريعية"، كما جاء في كتابَي "الديمقراطية والقبيلة: حالة الكويت"، و"المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية من منظور مختلف". وتعرض النقيب إثر الكتاب الأخير للتوقيف والمحاكمة بتهمة "قلب نظام الحكم" ولكن أطلق سراحه فيما بعد بكفالة.
كان النقيب على الدوام ذلك المفكر الحر الذي صرف حياته في العمل والإنتاج والبحث الدءوب والتعليم الأكاديمي حتى يوم وفاته.

خسارة فادحة
توالت مقالات النَّعْي والكلمات التأبينية من كُتّاب وباحثين وأساتذة جامعيين، مُشِيدين بالدور الريادي الذي لعبه خلال مساره العلمي والفكري، وقد نعى المفكر العربي عزمي بشارة مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الأكاديمي النقيب.
وقال بشارة: "لقد كان النقيب باحثًا ومثقفًا كبيرًا وانتخب رئيسًا لمجلس إدارة المركز العربي بالإجماع في أولى جلساته"، مشيدًا بخصال وثقافة صاحب "مستقبل الفكر الاجتماعي العربي" واصفًا إياه بأنه كان "باحثًا وأستاذًا رصينًا مخلصًا لمعايير البحث العلمي ولطلابه ومواطنًا عربيًا عروبيًا ديمقراطيًا ومتنورًا، وأنتج من الأبحاث ما سوف يغني المكتبة العربية طويلاً".
واعتبر أستاذ علم الاجتماع بجامعة الجزائر الدكتور ناصر جابي رحيل النقيب "خسارة فادحة للحياة الأكاديمية والعلمية العربية في هذا الظرف المتميز عربيًّا. فنحن في حاجة أكيدة إلى خبرة ومعرفة الدكتور النقيب رحمه الله".
وقال الأكاديمي الجزائري: إنَّ النقيب كان من "كبار علماء الاجتماع العرب ببحوثه ودراسته التي خصَّصها لمواضيع علم الاجتماع السياسي في دول الخليج والكويت تحديدًا، فقد اجتهد في ميادين عديدة
وأنتج دراسات متميزة حول الدولة والقبيلة والانتخابات وغيرها من البحوث القيمة".