طفلة مسنّة جدًّا

كتب بواسطة: زينب الزهراني | في أدب . بتاريخ : Jul 7 2012 | العدد :80 | عدد المشاهدات : 2939

طفلة مسنّة جدًّا

نسخة للطباعة
أدمنتُ النكهة القديمة
التي تضفي على كوبِ حياتنا
سكّرا بنيّ اللون
كلامها  .. حركاتها المنهكة
تعبُ تسعين  سنةٍ ونيّف !

بين جدران دارها
وحنايا قلوبنا .. تعيش.
تسكننا .. ونسكنها

نتلمّس ألمها ..
في تجاعيد كفّيها
بعد رهق السنين هذه.

تشعر بكونها نكرةً
لا أحدَ يريدها ..
كتفكير شابٍ يعاني مراهقته.

في متّكئها ..
النظرة باهتة.
توحي بشيءٍ لم يعد ينتمي  لعالمنا.

الابتسامة كذلك حزينة ..
ترسمها بصعوبةِ قلبٍ جفّت جدرانه.
كثيرةٌ هي التجاعيدُ ..
التي غزت وجهها ويديها.
كأمواجٍ على صفحة بحرٍ
رسمت عليها آلام سنينٍ مضت.

غار صوتها وتعبت حنجرتها ..
يأتي من صدر أنهكه المرضُ
كـ تابوت أجوفٍ عشعشت فيه العناكب.

متعثّرة خطواتها ..
كأنّها تقاوم الدهور الـ تحاول إطاحتها.

مرضها ..
يشبه موتَ حركةٍ هائلةٍ تسكن أجوائنا ..
هدوءً عميقًا يحلّ في نفوسنا.

حياتها ..
كـ مسافرٍ ينتظر في محطة أموات.

 تمسك بالكتاب ..
تمرّر عينيها على حروفه بعشوائيةٍ
ودون أن تقرأها
أو تعي شيئا منها.
تقلب صفحاته مرات عدّة
وكأنها تحاول فكّ طلاسمه وحل ألغازه .
بيديها المرتجفتينِ تقربه من وجهها
تبحث فيه  بعمق .. عن حكايات ماضيةٍ
تريد معرفة ما وراء هذه الرموز المتشابهة
ما خلف هذه النقط المتراصّة.

يستهويها كثيرا ..
حين يكون الكتاب مصوّراً
وتقرأ في صوره قصصاً جديدةً
حين يكون مقلوباً !

بعيني طفلة ..
تنظر لثوبها الموشّى بالزهورِ
تداعب زهوره وحدائقه
وتسرح وراء كل خطّ ونقطةٍ ..
مشكّلةً لها أفكارًا وخيالاتٍ لا متناهية.

وببؤس عجوز..
تمرر أصابعها الجافّة
على عروق يديها الممتدة كأفاعٍ لا نهاية لها.
تحبس الدم عنها تارةً
وتدعه يجري لمصيره تارةً أخرى.

تسقط عينيها ..
بحركة آليّة على  ساعة يدها
تراقب حركة دورانها باهتمام
وعندما تملّ ..
تتحايل على نفسها والزمان
تتلاعب بعقارب الساعة ..
تقدم الوقتَ أو تأخّره كما تريد
كأن الزمن تحت إرادةِ من عاشَ أكثر!

جدتي التي عاشت لثلاثة أجيال مضت
هي الآن على عتبات الجيل الرابع ..
تلمحُ كيف يمضي.

 تشعر بالغربة الآن ..
تنظر إلى طفلها –أبي- بـ ألم
تحضنه بقوّةٍ .. وتبكي
من أجل نفسها ..غربتها
ويتمها الذي تأخّر لهذا العمر.

تعيد لطفلها "الكهلِ" ..
كل مرةٍ قصةَ ماضٍ تحبه كثيرا
حيث الصبا ، ووالده ..
حبيبها الذي لا زال شابّاً
رغمَ موته مسنّاً.

تحكي عن أشخاص مضوا ..
وأيّام تحن إليها كثيراً .. كلما بعدت.

تبدأ قصة قلقها عند غروب الشمس
تهاب الظلام ..
تنشغل بإقفال الأبواب والستائرِ ..
كي لا يصادفها منظر السماء سوداء
سوادها .. يذكرها بأيامها ربّما ..
وحشتها .. عزلتها .. رَجُلِها الذي رحل
تختبئ في غرفتها
تناجي طيفه ..
تعاتبه كثيراً
تسائله كل ليلةٍ:
"رَجُلِي العزيز .. لِمَ تَرَكْتَنِي وَحْدِي!

أشعرُ بها بائسةٍ اليومَ
كأكثرِ من أيّ يوم مضى.
أن تعيشَ في الزحامِ وحيداً
وكلّ الذين عرفتَ ..
في البعيد هنالكَ .. ينتظرونك.