الأديب عبدالله عبدالجبار شيخ النقّاد السعوديين

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Jul 7 2012 | العدد :80 | عدد المشاهدات : 5304

الأديب عبدالله عبدالجبار شيخ النقّاد السعوديين

نسخة للطباعة
بعد حياة مِلؤها الإصرار والمثابرة والفكر والتحمل لنشر فكره، رحل الكاتب والأديب عبدالله عبدالجبار، أحد الرموز الثقافية والتنويرية على مدى أكثر من نصف قرن من الزمان في المملكة العربية السعودية، وهو أحد كبار الرواد في المجال التربوي والفكري السعودي، إلا أنه يظل قلمه باقيًا يتحدث عنه وعن رحلته التي انتهت يوم السبت السابع من مايو لعام 2011.
وعبدالجبار شخصية نضالية معروفة، طالبت دومًا بالتغيير، إذ يعتبر رائد النقد الحديث بالجزيرة العربية، وواضع أسس وقواعد المنهج النقدي فيها.
ولد عبدالجبار في مكة المكرمة، في عام 1919، ويلقب بـ"الأستاذ"، لكونه أشرف على طلاب البعثات التعليمية الحجازية بمصر في الأربعينات، كما يعتبر رائد النقد الحديث في الجزيرة العربية، وواضع أسس وقواعد المنهج النقدي فيها.
وكان أمينًا عامًا لرابطة الأدب الحديث إبَّان إقامته بمصر في الأربعينات، ووري جثمان الراحل الثرى السبت 4 من جمادى الآخرة 1432 بعد الصلاة عليه في المسجد الحرام.
أعماله ونضاله
يعتبر الكتاب الذي أصدره الفقيد عام 1959 والمعنون بـ "التيارات الأدبية الحديثة في قلب الجزيرة العربية" أول كتاب سعودي يلتزم قواعد المنهجية، وعُدَّ مرجعًا أساسيًا ومهمًا لغالبية الدراسات النظرية في مجال النقد الأدبي، كما يُعدُّ من المراجع التاريخية والموسوعية في الأدب السعودي الحديث.
وسبق هذا الكتاب كتاب آخر بعنوان: "قصة الأدب في الحجاز"، كتبه عبدالجبار بالاشتراك مع الناقد الشهير عبدالمنعم خفاجي عام 1958.
من أعماله الأخرى في القصة: "أمي" و"ساعي البريد"، وفي المسرح: "الشياطين الخرس"، كما قدم أعمالًا في الإذاعة، أهمها "العم سحتوت"، إضافة إلى عشرات المقالات والبحوث التي نشرها في صحف الحجاز ومصر.
تلقى الراحل دراسته في مصر بجامعة فؤاد الأول، ومنها نال شهادة الليسانس في تخصص اللغة العربية والدراسات الإسلامية، وتعرف أثناء إقامته بمصر على أدبائها الكبار، وانخرط معهم في جمعية الأدب الحديث.
وأثناء إقامته بمصر تسلم برقية من نائب الملك آنذاك فيصل بن عبد العزيز، وتسلم منصب مدير البعثات السعودية؛ لكنه سرعان ما عاد إلى مصر مرة أخرى، وانخرط في النشاط الثقافي هناك، والتقى بالمثقفين المصريين في الصالونات الثقافية، حتى انتهى به المطاف إلى تعيينه وكيلًا لرابطة الأدب الحديث.
حين اندلعت الثورة المصرية 1952 استمالت عبدالله عبد الجبار الأفكار القومية، وأخذ يلقي محاضراته الأدبية هناك -حين التحق بمعهد الدراسات العربية العالية- على الطلاب العرب بروح قومية، وهي المحاضرات التي جمعها فيما بعد، وصدرت تحت عنوان: "التيارات الأدبية الحديثة في قلب الجزيرة العربية"، وفيه دعا إلى التضامن العربي.
تم اعتقاله في العهد الناصري، بعد هزيمة عام 1967 وسجن لمدة عشرة أشهر، ورغم اعتذار الرئيس عبدالناصر له شخصيًا على فترة اعتقاله فضل الانتقال إلى لندن، حيث عاش هناك فترة حوّل خلالها منزله إلى مدرسة يُعلم فيها أبناء الجاليات لغتهم العربية والدين والأدب، وحين زار الملك فهد بن عبد العزيز لندن في تلك الفترة كلفه بتأسيس أول مدرسة عربية في بريطانيا، وأصبح مديرًا لها، وهي موجودة حتى اليوم باسم "أكاديمية الملك فهد".
عقب عودته للسعودية عُين عبدالجبار مستشارًا في جامعة الملك عبد العزيز، وما إن أمضى عامًا حتى قدّم استقالته مفضلًا العزلة في منزله بجدة.
من حياته
ولد عبدالله بن أحمد بن عبدالجبار في منزل أسرته - آل عبد الجبار - المكية المعروفة بحي (سوق الليل) المجاور للمسجد الحرام وشعب علي: شعب بني هاشم عام 1336هـ الموافق عام 1981م، وتلقى مبادئ القراءة والكتابة، وحفظ بعض سور القرآن الكريم، وبعض مبادئ الحساب قبل سن المدرسة.
في أعقاب تخرج عبدالجبار من كلية دار العلوم بالقاهرة، وعودته إلى مكة المكرمة، عمل مدرسًا بالمعهد العلمي السعودي ومدرسة تحضير البعثات بمكة المكرمة، ثم صار مديرًا للمعهد عام 1366هـ، فمديرًا للبعثات السعودية بمصر عام 1369هـ، كما عمل أستاذًا بمعهد الدراسات العربية العالية في جامعة الدول العربية بالقاهرة.
ترك عبدالجبار العمل الوظيفي بعد ذلك لمدة طويلة، واشتغل بالأدب والنقد والبحث والتأليف والكتابة للصحف، حتى توجه إلى بريطانيا عام 1389هـ، وتولى تأسيس وإدارة أول مدرسة عربية تابعة للسفارة السعودية بلندن، ثم بعد ذلك بفترة (عام 1398هـ) تم تعيينه مستشارًا بجامعة الملك عبدالعزيز، فمستشارًا ثقافيًا لتهامة، ثم آثر التفرغ للفكر والأدب، وأقام فترة في القاهرة، وكان منزله مقصدًا للمثقفين والأدباء السعوديين والمصريين والعرب.
اشتهر عبدالجبار بين المثقفين والأدباء السعوديين بشيخ النقاد، ويُعد من أهم الرواد التربويين المرموقين في المملكة العربية السعودية، وكان واحدًا من العشرة الأوائل من حملة الشهادات الجامعية في المملكة، وهو من أبرز التربويين الذين شاركوا في التعليم المدرسي الثانوي الحديث منذ نشأته في المملكة، فنهض بتدريس اللغة العربية وآدابها، والتربية وعلم النفس، كما درّس مادة التفسير في المعهدين: المعهد العلمي السعودي ومدرسة تحضير البعثات، كما تولى إدارة مدرسة المعلمين الليلية بمكة المكرمة، وكان ذلك في العام 1368هـ.
وقد نجح في تأسيس بعض الأساليب التربوية في التعليم السعودي، ومن ذلك مثلًا أنه أدخل - لأول مرة - طريقة تدريس المحفوظات بأسلوب (المحو والإثبات)، كما سلك أحدث أساليب التحليل الأدبي وتذوق النصوص الأدبية في تدريسه لمادة الأدب بالمعهدين سالفي الذكر، وأشرف على إقامة ندوة المسامرات الأدبية الشهيرة التي كانت واجهة طيبة للنشاط الثقافي والأدبي لطلاب المعهدين، وكانت هذه الندوة منصة انطلاق لعدد كبير من الأصوات الأدبية والثقافة في المملكة العربية السعودية.
واعترافًا منها بدور الرجل في خدمة الفكر والتعليم والثقافة، قامت الإدارة العامة للتربية والتعليم بالعاصمة المقدسة بإصدار كتاب يقع في نحو 200 صفحة من القطع المتوسط حول (عبدالله عبدالجبار، المربي والمفكر والأديب والناقد)، وضم الكتاب مقالات لكبار المثقفين السعوديين وعدد من المثقفين العرب، بالإضافة إلى بعض المعلومات الخاصة بهذا الأديب والكاتب الكبير، ونماذج من آرائه النقدية ومقالاته.