علي جريشة من ضيق السجون إلى رحابة الفكر

كتب بواسطة: أسامة نبيل | في الملف . بتاريخ : Jul 7 2012 | العدد :80 | عدد المشاهدات : 2851

علي جريشة من ضيق السجون  إلى رحابة الفكر

نسخة للطباعة
هو شاعر ووكيل للنائب العام، ثم مستشار بمجلس الدولة بمصر، قبل أن يُعتقل في السجن الحربي، يجمع بين قوة الحزم وطيبة القلب، وهو أيضًا مربٍّ فاضل وداعية ومفكِّر وفقيه وعالم بالتفسير، إنّه المستشار علي جريشة.
كل هذه الصفات تُشكِّل ملامح رجلٍ آثر البُعد واختار المنفى، أو اختاره المنفى، وتشبث به حتى وفاته باليمن، ظلَّ حتى آخر أيامه يدعو لعالم إسلامي "مؤمن بحق"، ووضع له "مبادئ خمسة"، ليسير عليها حتى يتجنَّب الغزو الفكري، والأساليب التبشيرية التي تلاحقه في العصر الحديث.
هلَّل لثورتي تونس ومصر وقال عنهما: الثورتان تحاولان تَلمُّس الطريق الصحيح نتمنى لهم مزيدًا من التوفيق، مؤكدًا أنه لضمان نجاح الثورتين ينبغي أن يكون على الثغرات الكبيرة من يُطمأَن إليهم، من خلال المعرفة الدقيقة بأشخاصهم، ومن خلال تاريخهم، وكأن القدر أمهله ليرى الثورة ثم توافيه المنية في 27 من أبريل لعام 2011 الموافق 23 جمادى الأولى 1432.
بداية الرحلة
بدأت "قصته الملحميَّة في رحاب الفكر"، من إحدى قرى ديرب نجم بمحافظة الشرقيَّة بمصر عام 1935م؛ حيث الأجواء الريفية التي تعرَّف خلالها على جوالة الإخوان المسلمين بعد أن بلغ العاشرة من عمره، بعدها ينتقل إلى القاهرة ليدرس الثانوية العامة نظام الـ 5 سنوات، ثم يتخرَّج في كلية الحقوق ليعيَّن وكيلًا للنائب العام في السويس، ثم يعمل بمجلس الدولة لمدة 4 سنوات، ويتزوج وهو في الثامنة والعشرين بعدها أدخله الزمان إلى مرحلة مغايرة تمامًا؛ حيث اعتُقل في السجن الحربي لمدة 8 سنوات ما بين 1965م، و1973م، وهي الفترة التي يُطلق عليها (البعثة)؛ ليسافر بعدها إلى السعوديَّة التي كانت محطة انطلاقٍ له ليجوب أكثر بلاد العالم، وعلى رأسها أمريكا التي له فيها ذكريات، أبرزها إلقاؤه خطبة باللغة الإنجليزية في أول جمعة لشهر رمضان في مسجد الأمم المتحدة بنيويورك.
وتعرَّض الراحل الجليل لعسف الأنظمة المستبدة وظلم الطغاة وحُكِم عليه في قضية تنظيم 65 بـ 12 سنةً، وكان عمره حينها 30 سنةً، وكان يعمل نائبًا بمجلس الدولة.
الدعوة والتأليف
فور خروجه من المعتقل عام 1973، اختارَ الرجلُ المنفى صديقًا له، أو ربما اختاره المنفى، فكثيرًا ما يرتمي هؤلاء الذين "تقسو عليهم" "أوطانهم" في حضنٍ آخر يأخذون منه التحدي، وفي الوقت نفسه تجدهم يصوِّبون عيونهم تجاه "أوطانهم" عسى أن تتذكَّرَهم وتعيدهم إليها، إلا أن جريشة "نجح", ورغم نجاحه أبى وطنه أن يعيده إليه، ربما لأن الوطن كان يعيش غربة داخل نفسه لم تخرجْه منها سوى ثورة قادها جيل جديد يحلم بالوقوف شامخًا بين دهر لا يعترف بالصغار.
بعد خروجه من مصر، اختار المملكة العربية السعوديَّة وعمل بها أستاذًا للشريعة الإسلامية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ووجد في الدعوة "ضالته" ليكون بحق "مستشارًا ليس في السلك القضائي وإنما في الدعوة الإسلامية الحقة.
ألَّف العديد من الكتب واختار لها موضوعاتها بعناية ومن أهمها:
- المبادئ الخمسة، وفيه وضع أسُسًا تصل بالمسلمين إلى تقدُّم الصفوف وحددها في:
1- الله غايتنا.. أما غايتهم فهي المنصب العلمي، أو المنصب السياسي أو الإيراد الكبير.
2- الرسول قدوتنا.. ويستشهد بالحكمة القائلة: "وحال رجل في ألف رجل خير من كلام ألف رجل لرجل".
3- القرآن دستورنا.. ويقول: هذا المنهج مصطبغ بصبغة صاحبه ومنزله كما في قوله: }صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون{... ومن ثم فأول خصائصه وأهمها... أنه رباني.
4- الجهاد سبيلنا.. وقال: "إن الجهاد فرض عين لإقامة شرع الله مستشهدًا بقوله تعالى: } وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله{ وهو كذلك فرض عين للدفاع عن دار الإسلام أو لاسترداد ما ضاع منها، لكنه من وراء ذلك فرض كفاية إذا أُريد فتح ديار جديدة لكسبها للإسلام.
5- الموت في سبيل الله أسمى أمانينا.. وقال: إن الجهاد يرتبط ارتباطًا لا يقبل التجزئة ولا التفرقة بالموت في سبيل الله.. فحب الموت في سبيل الله يدفع إلى الجهاد، ويحمي وطيس القتال ويدفع الوهن الذي أصاب الأمة بعد أن كرهت الموت وأحبت الحياة!
أما ثاني أهم كتبه فهو " أساليب الغزو الفكري"، وفي هذا الكتاب يتناول جريشة المحاولات الغربيَّة المستمرَّة لتغريب العرب ومحو أثرهم واغتيال فكرهم بأسلوب دقيق مبسَّط ويسرد الأحداث التي اجتهد فيها الغرب لتحقيق مآربهم والوصول إلى أهدافهم، ويقول عن الكتاب: إنه يحاول بمشاركته هذه إلقاء الضوء على هذه المحاولات ليتوخَّى منها الحذَر راجيًا الاستفادة منها.
ويتحدث في الكتاب عن الحروب الصليبية، والاستشراق وآثاره، والتبشير، وتقطيع أوصال دولة الخلافة، وإسقاط الخلافة الإسلاميَّة.
ثم تأتي مجموعة كتب تصبُّ في اتجاه نصرة الإسلام والمسلمين، وتجيب عن أسئلة تصل بالمسلمين إلى "القمة"، ومنها:
"الإعلام والدعوة الإسلاميَّة"،  و"الإيمان الحق"، و"المبادئ الخمسة"، والاتجاهات الفكرية المعاصرة، و"أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي"، و"منهج التفكير الإسلامي"، و"الأساليب التبشيريَّة في العصر الحديث".

مع الشعر
تأثر جريشة بوالده، الذي كان شاعرًا، فتأثر بشعره، ويقول عن والده: كان شعره فيه جوانب إسلاميَّة عاطفيَّة، فعلى سبيل المثال كان يذكر الساحة التي تربَّى فيها وتردَّد عليها، فقال من بين ما كتب:
إليك فؤادي دائمًا لفتاتـــــــــــــــي
يا ساحة النسَّاك في الخلوات
بوركتِ يا ساحة الهداية والتقى
وسموت إرشادًا وحسن عظات
ويضيف: الشعر أثرَّ في من ناحيتين: الأولى تكمن في وجود ملكة الشعر فيَّ، والأثر الثاني أني قلَّدته في كتابة الشعر، خاصةً في مطلع قيام الانقلاب العسكري في 1952م، وأذكر من الشعر الذي يكاد يكون فطرة:
ما للظلام يسود دون نهار
 والأرض ضجَّت من دم الأبرار
وللسماء غدت كالأرض باكيةً
وللمياه غدت في النيل من نار
أوما رأيت الشعب يهتف كله
الحكم حكم الله لا الأشرار
وفي نهاية القصيدة كان توجُّهي لجمال عبد الناصر، رغم أنه لم يقعْ منه شيء، ولكن كنتُ إذا نظرت إلى وجهه أشعر بالضيق، وكان وجه محمد نجيب مقبولًا عنه، فقلت في عبد الناصر:
أبا جهلٍ، رويدك إن مصرًا
تريد الحقَّ لا حكم الصغار
يا ذيلَ أمريكا وعبدَ يهودها
ما أنت فالتٌ من يد الجبار
وذات مرَّة كان يمرُّ في أحد الشوارع بعربته المكشوفة، وكان الكل يعطيه التحية، إلا إنني قلتُ فيه شعرًا في لحظتها:
صنمٌ تمثَّل فيه كل خسيسة
فَقَدَ الشعورَ وكلَّ وجدان

مع الإخوان
يقول جريشة عن علاقته بجماعة الإخوان: بدأت عندما كان عمري ما بين 10 و13، وكنت في بلدٍ ريفي تسمَّى السنبلاوين، وتأثرت بهم في موقفين بارزين في حياتي: الأول شباب الإخوان الذين كانوا يطوفون القرية فجرًا وكان الجو شتاءً وبردًا قارسًا، ويهتفون: "الصلاة يا مؤمنون الصلاة"، في وقتِ وجود الإنجليز، وكانت الشعائر بدأت تُهجَر أيضًا؛ حيث كان كشَّافة الإخوان يخرجون بزي موحَّدٍ ذي رباط أصفر، ويسيرون في طوابير وقائد الطابور أمامه أخ يحمل العلم الأخضر وعليه سيفين ومصحف والشعار ولفظ "وأعدوا"، وكان يمشي بخطوة منتظمة، ويهتف الهتافات الخمسة: الله غايتنا، ويبدأ وينتهي بـ"الله أكبر ولله الحمد".
الموقف الثاني كان عمري 13 وقامت حرب فلسطين، واستطاع الأستاذ حسن البنا وجنود الإخوان أن يلفتوا نظر الناس إلى قضيَّة فلسطين، ولأول مرة يسمعون عن فلسطين في الوقت الذي كانوا فيه يسألون رئيس وزراء مصر عن القضية، فقال: "أنا رئيس وزراء مصر ولست رئيس وزراء فلسطين"، فطبعًا كانت الجولة الأولى إحياءً للقضيَّة في مشاعر الناس في نفوسهم، ونجح فيها البنا إلى حدٍّ كبير.
تلا ذلك إرسال الكتائب إلى أرض فلسطين، وما بدأ يتردَّد حول بطولات الإخوان في فلسطين، وهو ما أثَّر فيَّ تأثيرًا كبيرًا، ثم وقع مقتل النقراشي، ثم الأستاذ البنا، وغيَّرنا المكان إلى القاهرة؛ حيث بدأت معرفتي بالإخوان معرفة مباشرة عن طريق المدرسة الثانوية التي كنت أدرس فيها قبل الجامعة، ثم جهاد الإخوان في القنال، وأثَّرت في كثيرًا، ثم قرب نهاية مرحلة الجامعة مرَّت بي محنة 54، وكان لها التأثير البالغ والشديد في نفسي، خاصة بعد تنفيذ حكم الإعدام فيمن نعده شهيد الإسلام عبد القادر عودة، ونطقت شعرًا في حينها، ثم تخرّجت بعدها بعام واحد في كلية الحقوق وعملت وكيل نيابة بالسويس، وكان التأثير الإيجابي أني كنت أتخذ مواقف صارمة مع ضباط الشرطة إذا أخطأوا، وكانوا يأخذون عقابهم بقسوة، وكل ذلك كان قبل السجن الحربي، ثم انتقلت للعمل في مجلس الدولة، وبعد العمل به بـ 4 سنوات شاء الله أن أكون مع الصالحين؛ حيث جاءت فترة البعثة، وهي اعتقالي لمدة 8 سنوات ما بين 1965 إلى 1973م، وأثرت تأثيرًا كبيرًا في عقلي ونفسي وجسدي؛ حيث حقّقت فيها ما لم أحققْه من قبل، وأسميها بالبعثة الربانيَّة؛ حيث صفت نفسي أكثر وأكثر، وتلَقَّيت الدروس الربانيَّة، وتأثيرها الإيجابي 90% رغم أني كنتُ في استضافة الظُّلمة.