الشيخ والبحر (1)

كتب بواسطة: د.سلمان العوده | في طفولة قلب . بتاريخ : Jul 7 2012 | العدد :80 | عدد المشاهدات : 3226

الشيخ والبحر (1)

نسخة للطباعة
ذرات صغيرة كحُبيبات السكر حجماً وحلاوة وبياضاً ، هي قطرات الرذاذ يرشّها السّحاب على الأرض ، تداعب الوجوه الباسمة المغتبطة ، وتُطل من النوافذ الزجاجية لتكتشف الأسرار والمخبآت ، وتتخلل الأشجار فتزيدها صفاءً ، ثم تعود أدراجها إلى حيث صدرت :
إلى البحر .
                           كَالْبَحْرِ يُمْطِرُهُ السَّحَابُ وَمَا لَه         فَضْلٌ عَلَيهِ لَأَنّهُ مِنْ مَائِـــــهِ
الربيع الحالم يضفي على الحياة جمالاً إلى جمالها حين يهبّ نسيمه في ديسمبر ، ويدلف مزهواً بخضرته الداكنة ، مزهواً بعبق أزاهيره الفواحة التي تعصف بالمكان وتحيله إلى عرس عطري ، تشمه فتحس العافية تسري في عروقك ، مزهواً بجمالياته التي تشكل ألوان الطيف في مهرجان مجلاه الطبيعة .
نسمات عليلة تهبّ على البحر ، وتحركه بلطف ، صور الأشجار المنعكسة على الماء تهتّز وتتداخل ، وترسم لوحة كرنفالية في حركة سريعة بديعة .
الجمال والتنوع والغرابة والانسجام هي مفردات المشهد .
الإحساس بالجمال يفوق الجمال ، أي معنى لجمال لا تشرق عليه العين ويعيه العقل وتُسرّ به النفس ؟
موهبة داخلية تترجم حروف الطبيعة والحياة إلى طاقة روحية ، وتمد القلب والعقل والجسد بزاد متجدد من الفاعلية والإبداع والابتهاج .
“ كُنْ جَمِيلاً تَرَ الوجُودَ جَمِيلاً “ .
فسحة تحفز إلى التأمل في اتجاه الذات وقراءتها ، أو التاريخ وفهمه ، أو الحياة واستيعابها والشراكة فيها واقتناص فرصتها .
هنا ملتقى الأطلسي بالهندي منذ تعانقا أول مرة قبل آلاف السنين ، وظل العناق قائماً يشي بالتداخل والتواصل والتكامل بين الأخوة، ويكرس التنوع والاختلاف ولو في قدر ضئيل من الخصائص والمكونات !
فلكل من الأخوين شخصيته التي تميزه عن الآخر.
في “ كيب تاون “ كما في “ طنجة “ و “ الإسكندرية“؛ وربما الأردن : (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ) (الرحمن:20،19) .
لطافة الماء وسلاسته وليونته حققت المعجزة بإذن ربها .
“مجمع البحرين” لقاء موسى والخضر ، مع الاختلاف ، “أنت على علم من الله لا أعلمه، وأنا على علم منه لا تعلمه “ حقق التكامل والتبادل المعرفي والأخلاقي عبر سياحة في البحر والمدينة والقرية ، ومنعطفات حياتية تتفاوت فيها الرؤى .
وكان خطاب (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ)(الكهف: من الآية78) على وداد وحكمة ، وبعد تحقيق المقصد ، ودون دوافع نفسية (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي)(الكهف: من الآية82) .
العلم والرحمة كانا مقترنين (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً)(الكهف: من الآية65) ، والرحمة أولاً !
الرحمة تمنع البغي ، أكان بالقوة ، أم بالعلم ، أم بالسلطان ، أم باللون والجمال .
ناموس الكون المطيع يتكامل ولا يبغي “ لو بغى جبل علي جبل لدك الباغي “ رواه البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس موقوفا.
ناموس الإنسان المطيع يتكامل أو يتبادل أو يتداول أو يتفاصل ولا يتقاتل “ موسى والخضر “ .
ها هنا التقى البيض والسود قبل مئات السنين .
-الزولو
-الكوسا
-السوتو
-السوازي
المجموعات الأربع الرئيسة من القبائل الإفريقية السوداء
البيض من “الداتش”الهولنديين ، والإنجليز القادمين من “ انقلند “ .
الملونون الذين جاءوا من زواج مختلط ، ومهاجرو الهند وماليزيا .
إنسان الأساطير يحسب أنه يتحاشى غضب البحر بفتاة حسناء , ويزفها إليه كل عام في موسم لا
يبرح ، لتكون طعاماً للقروش ، ولكنه يعجز وتضعف حيلته أمام بغي أخيه الإنسان .
الحاجز النفسي جدار لا تراه العيون ، على أنه شاهق وسميك .
هنا وفي كل مكان ، أول انطباع يصنعه ابن آدم عن أخيه ناتج من ملاحظة لون البشرة ، وملامح الوجه وصورة الجسد !
الحديث عن ثقافته وطبائعه وخلائقه وذوقه ونظافته يأتي ثانياً ، إن كُتب له أن يأتي ، ويأتي تفريعاً على اللون ، وكأنه يحاصر شريكه وقبيله في لونه ولا يسمح له بالانعتاق .
التعامل العفوي مؤجل ، وتجاوز فارق اللون قرار يعز الإقدام عليه بعدما ازدحم المخيال بقصص الوحشية والشهوانية البهيمية السوداء كما في ألف ليلة وليلة .
هنا تحس بالسر الكامن وراء حشد التعليمات الإسلامية الْمُكرِّسة لمبدأ المساواة ، والْمُلغية لاعتبار اللون .
« يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلاَ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِىٍّ عَلَى أَعْجَمِىٍّ وَلاَ لِعَجَمِىٍّ عَلَى عَرَبِىٍّ وَلاَ لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى» رواه أحمد والطبراني والبزار وصححه ابن تيمية.
“الأبارتايد“ أو الفصل العنصري، لم يكن فصلاً في عام ، ولا فصلاً في مدرسة ، كان حقبة تمتد لأكثر من أربعمائة سنة ، وتتسلل لأدق التفصيلات، وتقبع في أعماق الضمائر لتمنع المساواة حتى لحظة الوقوف أمام الخالق ، أمام الرب الواحد الذي عددّوه وما عبدوه ، البرزخ منتهك ، والبغي سيد العلاقة .
الحكم والمال والإدارة والمعرفة للبيض، أما السود والقرود كما تنطق الصورة فلهم ما يسد الرمق أحياناً و يستر السوأة ويستبقيهم للخدمة, ولهم الموقع المتساوي , والأغلال المثقلة والمصير الواحد.
كرسيان من الخشب أمام هذه الدائرة الحكومية ، اقرأ على ظهورها كافة التعليمات .
رقم المرسوم، نصه، شرحه، بحروف واسعة محفورة تقرأ بعد ثمانين سنة منذ كتبت !
الكرسي للبيض فقط .
البيض هم الذين يبدون ببشرة بيضاء واضحة ، فالأبيض ليس أسود ، ولا ملوناً .
آثار تبقى شاهدة على أحقاب متطاولة من القهر والصلف والظلم والحرمان ، بغي الإنسان على أخيه .
هنا الغابة بأشجارها وسباعها وحيواناتها ، ولها شريعتها المستمدة من الناب والظفر والمخلب .
تظلم هذه الشريعة حين يُشبه بها فعل الإنسان العنصري ، لأنها تطبق القانون ، أما هو فينتهكه ، ويظل شعر إيليا أبو ماضي مبدعاً حين يبوح :
قد ترقى الخلق لكن لم تزل     
شرعة الغاب شرعة الأقوياءْ
حرم القتل ، ولكن عندهم     
أهون الأشياء قتل الضعفاءْ
لا تقل لي : هكذا الله قضى     
أنت لا تعرف أسرار القضاءْ
جاءني بالماء أروي ظمأي     
صاحب لي من صحابي الأوفياءْ
يا صديقي جنب الماء فمي     
عطش الأرواح لا يروى بماء !

وأقول : عطش الأحرار لا يروى بماء !
هل تقرأ هذه الصورة ؟ ماذا لو كبرتها عشرين مرة؟ هل بدأت تميز هذا الخط  المتعرج كطريق حية (سوداء) ؟ صورة رقم (1)
هو إذاً طابور طويل من الناس ، من السود ، يلتف حول المدينة ، عبر أحيائها ودروبها وتلافيفها .. كم تقول ؟ ألف ؟ مائة ألف ؟
ماذا يصنع هؤلاء ؟
ينتظرون دورهم في التصويت !
إنها المرة الأولى “frist time“ التي يشعرون فيها بأن الحلم أصبح حقيقة!
مثل هذا الوقوف طالما حدث بحثاً عن سرّ الحياة الوحيد المتاح لهم : كسرة الخبز, فالتجويع سياسة متّبعة “ جَوّعْ كلبَك يَتْبعْك “.
ما أتفه الحياة حين تُباع بكسرة خبز !
لم يكن الأسود قادراً أن يقف احتجاجاً على قرار, وهل كان له يوماً “رأي“ حتى الموافقة ليست مطلوبة منه .
لم يقفوا يوماً في انتظار رؤية السيد الأبيض , ولا طمعوا بلثم يده, أو الحصول على فرصة لممارسة الذل أمامه.
كان الحرمان التام شعار العنصرية , والتجربة قالت لهم إن العسف الذي يوقف الجياع في قوائم الانتظار دون تمرد , هو الذي يقهر وحشيتهم , ولو جاد عليهم السيد الأبيض بشيء لطمعوا فيما
فوقه , وبدأ مسلسل التنازلات!
دعهم إذاً في المربع الأول..
هل بلغ القمع نهايته ؟
أم هبت ريح الحياة الجديدة على الأجساد الخاوية، وبدأت تلهب الأرواح وتحدوها لأن تجرب رفع
الهامة ، ولو في انتظار السيف ؟!
هل كان يراها المبدع الصوفي محمود حسن إسماعيل , حين صرخ :
"بدأنا نمزق ثوب العدمْ
ونلطم بالحق وجه السّدمْ
بدأنا كما بدأ الهالكون
إذا الصور في جانبيهم ألمّ
بدأنا كما بدأ التائهون
رمى الفجرَ في ناظريهم علم
بدأنا كما انتبه الضائعون
على صيحة من هدير القمم
بدأنا كما انتفض اليائسون
على ثورة النور في ليلِهم
بدأنا ..
وفينا الأسى والهوان
وفينا العذاب وفينا السقم
وفينا المظالم والظالمون
وحوش وبيد ومرعى غنم
وفينا الكرامة مهجورة
كمحصنة لوثتها التهم
وفينا المذلة للغاشمين
كأنا ولو لم يشاءوا خدم
وفينا الدسيسة قديسة
تدس الردى في عبير وسم
ودقت علينا طبول السماء
فقمنا لها من رفات الحلم
صحونا وكنا الرماد الهشيم
فعدنا اللظى الصارخ المحتدم
تباركت يا رب هذا الجحيم
من الذل ما كابدته أمم !".
هل حانت ساعة الصفر ، ودنت اللحظة التاريخية التي يتعادل فيها الموت مع الحياة ؛ فيصبح التهديد بالموت غير ذي معنى ؟!
مرحلة تتمرد على أنانية الذات ، لتذوب في “ أنا “ الجماعة ، لا بأس أن يخسر الفرد ليكسب المجموع، كسب المجموع سيؤول إليه ، ربما فاز في نهاية الشوط ، أو خلد بطلاً قومياً (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)(الكهف: من الآية49) .
“ANC”
حروف ثلاثة إنجليزية
-أفريكان : أفريقي
-ناشيونال : وطني
-كونجرس : اجتماع - هيئة ..
حزب يحكم ويفوز في أي انتخابات نزيهة معتمداً على الأغلبية السوداء التي تدعمه وتؤمن به .
عربياً فالحروف الثلاثة “ أ ن س “ تشكل جذراً يدعو إلى النسيان ، عربياً أيضاً فالنسيان يعني تجاوز الماضي وعدم الوقوف عنده ، ولو بقي في الذاكرة .
شجاعة نادرة لقادة جدد ، لم يخشوا أن يتهموا بالانقلاب على مطالب شعبهم ، ولا أحد يزايد على وطنيتهم وإخلاصهم ، أنجدتهم شجاعة في الموقف الصعب لتجاوز آلام السنين الطويلة مما أجهض أحلام كثيرين من البسطاء كانوا يحلمون أن يسكنوا في بيوت البيض ، ويستولوا على زوجاتهم ، ويصادروا أموالهم .
لم تقم إذاً مملكة عنصرية للسود ، ولم يُستجب لمنطق الانتقام ، تفوق أخلاقي رسم ملامح مرحلة من التعايش والاندماج في شراكة وطنية .
وعي سياسي أدرك أن تراكماً من الثقافة السلبية لدى السود لن يزول بانقلاب ، يجب أن يوضعوا أمام تحدٍ حياتي ليتدربوا على المسؤولية ، وتقديس العمل ، والإنتاج ، وتبعات التنمية .
لا ينصح الناس عادة بزيارة جزيرة “روبن آيلند“، فليس فيها ما يستحق أن يبذل له سائح قطعة من نهاره .
ليست معلماً تاريخياً ، فمبانيها متواضعة وقديمة .
الطبيعة في “ كيب تاون “ وما حولها أجمل ، والحدائق الغناء تستدعي زيارات متعددة وطويلة .
الأشجار منحنية هنا أو يابسة ، وحتى تلك الخضراء تحمل سراً دفيناً يعرف الناس أقلّه “ وهل شجر في قبضة الظلم يثمر ؟ “
العصافير والنوارس تغرد وتغني في فضاء مفتوح ، حرة طليقة ، وهي تعلن أن الحياة معناها الحرية، فالخالق حين أرسل الروح للأحياء أعطاهم حق الاستقلال والحركة والتعبير ، لهذا هي لا تكف عن التحليق والنطق (عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ)(النمل: من الآية16) !
شواهد تلك القبور البائسة تفتح عليك ألف سؤال :
من هؤلاء ؟ كيف ماتوا ؟ بل كيف عاشوا ؟ هل بكاهم أحد ؟ هل تمنوا شيئاً قبل الوداع ؟ هل لهم أزواج ؟ هل لهم صغار ؟ أين قبور أزواجهم وصغارهم ؟ كيف دفنوا ؟ هل يعد حيز القبر ملكاً لهم في نظر سادتهم ، وهم كانوا محرومين من امتلاك قدر مساحته حال الحياة ؟
لا ألفينك بعد الموت تندبني       
وفي حياتي ما زودتني زادي !
كنز من الأسرار في الأغوار ، تحت كل حجر قصة ، ووراء كل جدار معاناة ، يعرفها جيداً من يتقمص صورة واحدٍ ممن مروا هنا ، ويتسلل إلى حيث رمي في نار وقودها الناس والحجارة ..

كيب تاون
22/5/1432هـ
الساعة 8.30 مساء
مارينا