مجالس السعوديين الخاصة.. أحاديث السياسة والدين والاقتصاد

كتب بواسطة: عبدالحي شاهين | في الجهات الاربع . بتاريخ : Jan 1 2011 | العدد :75 | عدد المشاهدات : 2385

مجالس السعوديين الخاصة..  أحاديث السياسة والدين والاقتصاد

نسخة للطباعة
يجد السعوديون في مواسم الأعياد والإجازات فرصاً سانحة للنقاش وتبادل الآراء فيما بينهم بشكل مستفيض، تبدأ بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية دون أن توفر الجانب السياسي، سواء المحلي منه أو الإقليمي أو العالمي. 
وعلى الرغم من أن مجتمع السعودية كان يُعرف إلى وقت قريب بأنه مكثر في المجالس والتجمعات العائلية، وتلك المختصة بمجموعات الأصدقاء والأصحاب، إلاّ أن المتغيّرات الاجتماعية في السنوات الأخيرة قلّصت إلى حد كبير من فرص اجتماع المواطنين السعوديين مع بعضهم البعض، ما جعل من الأعياد والمناسبات فرصاً ثمينة للرجوع بعادة المجالس إلى عهدها الزاهر، بكل ما فيها من سخونة في النقاش واختلاف في الآراء. 
        ويعتقد علماء الاجتماع في المملكة أن المجالس كانت من أهم الوسائل التي تساهم في صنع الرأي العام في المملكة حيال القضايا المهمة المتعلقة بالمجتمع السعودي، وأن التغيّر الذي طرأ على هذه "العادة" أفقد المواطن مورداً مهماً للمعلومة، وفوّت عليه فرصة تبادل الآراء بين مجموعات كبيرة من الناس.
وخلال الشهر المنصرم حين كان معظم السعوديين يتمتعون بإجازة طويلة نسبياً بسبب عيد الأضحى المبارك، كانت الفرصة كالعادة مواتية لطرْق العديد من القضايا والشواغل المهمة التي تراكمت خلال الفترة التي سبقت موسم حج هذا العام، وتداخلت في هذه النقاشات التي تتمّ بصورة عفوية غير مرتبة، قضايا المعيشة اليومية مع شواغل السياسة والاقتصاد، تساوى في ذلك رجل الشارع العادي مع المثقف والأكاديمي، حيث تجري الترتيبات العفوية لهذه المجالس أو المنتديات الشعبية على  توافر مجموعات من المثقفين وذوي الاهتمامات المختلفة، مع المواطنين العاديين وأصحاب (البزنس) والاستثمارات.
ففيما يختص بالوضع الداخلي كانت العملية الجراحية التي أُجريت للعاهل السعودي الملك عبد الله في نيويورك أحد الموضوعات المهمة التي تمّ تناولها، وقد ساد ارتياح كبير في المملكة عندما ظهر الملك على شاشات التلفاز، مطمئناً شعبه على صحته بعد أنباء تعرّضه لوعكة صحية عارضة. 
لكن ما كان ملاحظاً بشكل لافت عند حضور أكثر من مجلس ولقاء بين الناس، أن موضوع تنظيم الفتوى، كان طاغياً بين الحضور، ويرجع ذلك إلى المكانة التي تحتلها الفتوى والداعية في المجتمع السعودي، وذلك على الرغم من أن الأمر الملكي بضبط عملية إصدار الفتاوى وقصرها على علماء معينين هم أعضاء هيئة كبار العلماء في المملكة، قد صدر منذ أكثر من شهرين، لكنه لا يزال يثير نقاشات واسعة بين الناس، وقد اضطرت قنوات تلفزيونية ومواقع إسلامية على الإنترنت على إلغاء العديد من برامجها التي كانت قائمة على تقديم الفتاوى للجمهور، كما لم تتردد الجهات المسؤولة في إلغاء تصاريح القنوات التلفزيونية التي لم تلتزم بذلك القرار، وقد طالت هذه العقوبات قناة وليدة في المملكة مثل قناة (الأسرة)، ولم تنجُ أيضاً المواقع الإلكترونية الخاصة بعدد من الدعاة المشهورين مثل الشيخ المنجد. ولهذه التطورات المتلاحقة التي أعقبت قرار تنظيم الفتوى، فقد كان النقاش حولها مركزاً وواسعاً في مجالس العيد. لكن هذه النقاشات وعلى الرغم من تركيزها أحياناً على قرارات ومراسيم ذات طابع رسمي، لم تخلُ معظمها من تناول مستجدات الحياة المعيشية اليومية للمواطن والقضايا المتصلة بها؛ فمعدّلات التضخم والغلاء أصبحت في ارتفاع دائم في المملكة، ومستويات أسعار الخضراوات والفاكهة وأساسيات المائدة السعودية في صعود دائم، لم تفلح معها جميع المعالجات التي اتخذتها الجهات ذات العلاقة سواء وزارة التجارة أو المالية. 
وحل موضوع ارتفاع أسعار العقار وتناقص العرض عن تلبية حاجات الطلب المتزايدة لشرائح المواطنين والمقيمين المختلفة، محل نقاشات البورصة والأسهم التي كانت تحتل في السابق نصيب الأسد في نقاشات السعوديين مع بعضهم؛ فالبورصة السعودية لم تعد الآن من الموضوعات المثيرة للجدل أو التي تحظى بمعدل اهتمام عالٍ، لكن ذلك لا ينفي حقيقة أن أعداد السعوديين المستثمرين في البورصة كبير وفي تزايد مستمر، لكن ربما بفعل الخيبات المتتالية في السوق أو عدم وجود مستجدات مشجعة بعد تقلص الاكتتابات الأولية، انصرف المستثمرون فيه عن النقاش في أوضاعه، وعوّضوا ذلك بأحاديث العقار والسكن والإيجارات، إضافة إلى موضوع ظهر أخيراً جداً وهو جانب الاستثمارات النسائية التي يقول البعض إنها انتشرت بشكل واضح في كافة المجالات الاستثمارية بما فيها الصناعة والعقار، وظهرت تبعاً لذلك أسماء نسائية بارزة في عوالم الاستثمار.
وفي تواصل لأحاديث الغلاء والاقتصاد، كان "الخروف النجدي" حاضراً بقوة أيام عيد الأضحى المبارك؛ إذ قفزت أسعار خراف الأضاحي وبخاصة النوع "النجدي" إلى أسعار عالية للغاية لم تكن معتادة بالمقارنة مع السنوات الماضية، فتحدت بعض المجالس عن أسباب ذلك، فيما طفق آخرون يقترحون بدائل الخراف "السواكنية" وغيرها، وهو الشيء الذي أشار بوضوح شديد إلى مدى التباين الشديد في الاهتمامات بين المواطنين السعوديين، فمن أقصى السياسي إلى أدنى هموم المعيشة، كانت النقاشات تقوم وتنتهي طيلة أيام العيد والإجازة في المدن الكبرى والصغرى، وما يدانيهما من قرى وهجر على امتداد التراب السعودي.
الباحث السعودي عبد الكريم العبد الكريم ذهب إلى التأكيد في حديثه عن مجمل النقاشات التي تدور بين السعوديين في ملتقياتهم غير المنظمة إلى أن ثقافة المجالس لا تزال متجذرة في السعودية، وأن النقاشات التي تحدث فيها هي مؤشر على اهتمامات المواطن العادي والمثقف وأن هذه النقاشات تعكس بشكل عفوي وواضح حقيقة ما يدور في ذهن المواطن بشكل فعلي، داعياً إلى عدم اعتبارها نقاشات عابرة غير ذات قيمة، مؤكداً أنها تُعدّ منابر للرأي العام في المملكة وأحد أوعيته المهمة.
ويشير المحلل المالي السعودي سعد البوعينين -في اتصال هاتفي معه- إلى أن طغيان قضايا الاقتصاد والاستثمار بشكل عام على مجمل نقاشات السعوديين في مجالسهم الخاصة إلى دخول غالبية الشعب في استثمارات متعددة، وبخاصة في قطاعي الأسهم والعقار حيث يستقطب هذان القطاعان نحو خمسة ملايين مواطن، ذلك عدا المواطنين الآخرين المستثمرين في التجزئة وبقية القطاعات النشطة الأخرى، وقال إن النقاشات ما بين المواطنين عادة ما تدور في القضايا التي تهمّهم، وطالما أن أكثرهم مستثمر فإن ذلك يؤدي تلقائياً إلى أن تطغى شؤون الاستثمار على مجالسهم.
وحول مدى الاستفادة الاقتصادية التي يمكن أن يجنيها المشاركون في هذه النقاشات، أوضح البوعينين أن الاستفادة ليست بالكبيرة، خاصة إذا لم يشارك في هذه المجالس اقتصاديون يمتلكون باعاً كبيراً في التحليل وتوعية المواطن بمختلف جوانب القضية الاقتصادية مدار الحديث.
ومن جانبه قارن الإعلامي السعودي عبد الحميد العمري بين النقاشات التي كانت تحدث في مجالس المواطنين السعوديين في السنوات العشر الماضية وبين النقاشات الحالية، وخلص إلى أن اهتمامات المواطن السعودي بدأت ترتفع من شؤونه الخاصة والمحلية البحتة إلى قضايا عامة في الاقتصاد والسياسة العالمية.