أكد أن الديمقراطية همه الأول ،الحمد: الخطاب الإسلامي سيتغيّر

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Aug 2 2012 | العدد :93 | عدد المشاهدات : 2892

أكد أن الديمقراطية همه الأول ،الحمد: الخطاب الإسلامي سيتغيّر

نسخة للطباعة
حاوره: نايف كريري
لا تزال ثلاثيّته الشّهيرة "أطياف الأزقّة" عالقة في أذهان كثيرين ممّن يختلف أو يتّفق معه، ولذلك قامت دار (مدارك) بطباعتها مرّة أخرى هذا العام، بعد أن طبعتها دار (السّاقي) لأعوام عديدة، ولكن ذلك لم يشفع للرّواية أن تكون حاضرة في معرض الرياض الدوليّ للكتاب الذي أُقيم مؤخّرًا؛ فمازال المنع يطالها مع كثير من الأعمال السعوديّة، على الرّغم من الانفتاح الثّقافيّ والإعلاميّ الهائل الذي يشهده العالم الآن.
تركي الحمد في هذا الحوار لم يستثنِ أحدًا؛ لا الجمهوريّات ولا الملكيّات من تأثّرهم بالرّبيع العربيّ وثوراته التي اجتاحت دولاً كثيرة، ولكنّه في الوقت ذاته يشدّد على ضرورة تبنّي منهج الإصلاح ونبذ الفساد إذا ما أرادت هذه الدّول أن لا يصبيها ما أصاب جاراتها.. ولا أعتقد أنّ مقدّمة كهذه ستفي بالغرض دون قراءة الحوار كاملاً، وهو ما أدعوكم إليه..
 هل يمكن أن نقول إنّ شخصيّة هشام العابر بطل ثلاثيّتك تنطبق على شخصيّة حمزة كشغري الواقعيّة؟
هذا سؤال مفاجئ ويحتاج إلى تفكير.. لكن ذلك ممكن إلى حدّ كبير.. يمكن أن نقول نعم؛ فالتّشابه يمكن أن يكون في مرحلة عمريّة معيّنة بين شخصيّة هشام وحمزة في فترة بداية الشّباب وأواخر المراهقة، ويكون لدى الشّاب نزوع إلى الفكر؛ فهنا تبدأ التّساؤلات الكثيرة التي تغزو نفسه وعقله، ويبدأ يفكّر في أشياء كثيرة لم يكن يفكّر فيها من قبل، وكثير من الأشياء قد تكون من الخطوط الحمراء، ولكنّه يفكّر فيها بينه وبين نفسه، فهذه المرحلة العمريّة هي مرحلة التّفكير في كلّ شيء؛ سواء كنّا نتكلّم في قضيّة المسلّمات أو الثّوابت أو أيّ شيء؛ فهذه المرحلة من  العمر من صفاتها التّفكير في كلّ شيء، أو ما يمكن أن أطلق عليه مرحلة التّشكيك في كلّ شيء، ومن الخطأ أن نحكم على الشّخص من خلال هذه الفترة العمريّة المعيّنة، ولكن بعد فترة النّضوج قد تأتي أفكار أخرى. و هناك مثل قديم يقول: إذا لم تكن شيوعيًّا في العشرين فأنت بلا قلب، وإذا بقيت شيوعيًّا وأنت في الأربعين فأنت بلا عقل؛ فلكلّ مرحلة عمريّة طريقة تفكيرها واتّجاهاتها، ولكنّها لا تستقرّ على حال.
 وهل أخطأ المجتمع بجميع مكوّناته في التّعامل مع قضيّة كشغري حسبما ترى؟
قبل أن أجيب عن هذا السّؤال علينا أن ننظر إلى مصطفى محمود الذي كان يؤلّف كتبًا في الإلحاد، وفي مرحلة لاحقة أصبح يدافع عن وجود الله سبحانه وتعالى، لذلك أنا لن أتحدّث عن كشغري أو عن غيره تحديدًا، إنّما عن فئةٍ معيّنة من الشّباب الذين تملؤهم التّساؤلات والشّكوك، والذين يستوجب التّعامل معهم بعمليّة (احتواء) وليس عمليّة (عقاب)، والاحتواء يكون عن طريق النّقاش بالفكر لنقنعهم في النّهاية، ويعجبني في هذا المجال الدكتور عدنان إبراهيم، وهو ناقد مسلم يناقش بعقل ومنطق، وكثير من الشّباب يستمعون إليه؛ لأنه يستوعبهم بنقاشه العقليّ والمنطقيّ كطرحه أسئلة عليهم أو إجابته عن أسئلتهم، أمّا رفع السّيف في وجه من يقول أيّ شيء، والحكم بسفك دمه فأعتقد أنّ هذا خطأ؛ لأنّك بذلك تقضي على الشّخص فقط ولا تقضي على الظّاهرة، فالسؤال هنا: لماذا هذه الظاهرة؟ لماذا بدأت تستشري؟ ومن ثمَّ نأخذ هذه الفئة العمريّة ونتحاور ونتناقش معها، ونتمكّن في النّهاية من إيجاد السّكينة والهدوء، فالتّهديد بالسّيف وسفك الدّم لا يحلّ المشكلّة، بل فقط  يبعث الرّعب في القلوب، فلا نقضي على الظّاهرة، إنّما يصمت الجميع خوفًا.
 يُقال إنكم سبب غير مباشر من خلال تأثيركم وكتاباتكم فيما وصل إليه كشغري. فبماذا تردّ؟
يا سيّدي فليقولوا ما يقولون، أعتقد أنّه لو حدث زلزال في البرازيل لقالوا بأنّ تركي الحمد كان خلفه. وإنّي أستغرب من ذلك فلنفرض أنّه تأثّر بي أو بغيري فالسّؤال الذي يجب أن يُطرح هو: لماذا تأثّر أو يتأثّر باتّجاهات معيّنة، وتدور في عقله مثل هذه الأفكار؟ خصوصًا شخص مثل كشغري جاء من مدارس تحفيظ القرآن فخلفيّته الدّينيّة قويّة جدًّا، لذلك يتوجّب استيعاب هذه الأفكار ومناقشة الأمر (كظاهرة) تنتشر بين الشّباب، ونعالجها معالجة نفسيّة، واجتماعيّة، وثقافيّة. نعم قد يكون أخطأ في الأدب مع رسول الله أو مع ذات الإلـه، لكنّ الحلّ ليس في سفك الدّم فإنّه لا يحلّ القضايا، إن أردنا أن نناقش الظّاهرة بشكلّ صحيح وسليم، فيجب أن نحلّل القضيّة ونعرف أسبابها ودوافعها والعوامل الاجتماعيّة والنّفسيّة وحتى السّياسيّة  التي دفعت إليها.
 قلت بأنّ خلفيّة كشغري الدّينيّة قويّة، هل تعتقد أنّ تلقين الدّين كمسلّمات يوصل إلى مثل ما وصل إليه كشغري؟!
لديّ مقولة كثيرًا ما أطرحها: الدّين كالدّواء، فالدّواء يُستخدم للشّفاء من مرضٍ مّا، وبجرعاتٍ محدّدة يساعدك على الشّفاء، ولكن إذا زادت الجرعة تحوّل الدّواء إلى سمّ قاتل وهو(التشدّد في الدّين)، فعندما فُرِضَت علينا الواجِبات كانت: خمس صلوات لا تتجاوز مدّتها النّصف ساعة كلّ يوم، وصيام شهر في السّنة، وحجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلا، وحرم محرّمات قليلة جدًا؛ لأن الأصل في الأمور الإباحة، ولو كانت النّظرة إلى الدّين بهذه النّظرة البسيطة فسنجد أنّ المتطلّبات الدّينيّة قليلة جدًا جدًا، ولكن التشدّد في الدّين هو الذي جعل المحرم هو القاعدة والأصل في الدّين، وكلّ شيء حرام ما لم يأت شيخ ويفرّق بين الحرام والحلال، وتناسينا أنّ الحرام بيّن والحلال بيّن، ولكنّ الكثيرين يهوّلون ذلك حتى أصبح التّشدّد في أشياء كثيرة، وانسحب ذلك على تشدّد اجتماعيّ لبس لباس الدّين؛ فمثلاً الاختلاط سُمّي خلوة، وهذا غير صحيح، كما أنّ الشّباب يمنعون من دخول أسواق معيّنة، وتمنعهم من أمور كثيرة تؤدّي إلى الكبْت والضّغط الاجتماعي الذي لبس لباس الدّين، وهذا ما يجعل الشّباب ينفرون من الدّين، ولكلّ فعل ردّة فعل أخرى، والشّيء الذي يزيد عن حدّه ينقلب إلى ضدّه، فمن الطبيعي أنّ التّشدّد الدّيني المتجاوز لسماحة الدّين وللمتطلّبات البسيطة للدّين حتمًا سيؤدّي إلى أشياء كثيرة لاشكّ.
 الشّيخ محمد النجيمي يقول: إنّ ما جاء على لسان هشام في الرواية "الله والشّيطان وجهان لعملة واحدة"، يمثّل العقيدة القدريّة الإبليسيّة التي تمثّلها، كما أنّه طالب بمحاكمتك كما يصنع الآن مع كشغري؛ لأنّك تدعمه في الباطل. ما ردّك؟
مثل هذا وغيره كثير ممن يطالبون بالمحاكمة والسّجن والسّيف، وما إلى ذلك من هذه الأمور. هم ليس لديهم فكر يطرحونه، فيلجؤون إلى مثل هذه الوسائل، وأنا أقول: إنّ ما قدّمته أو ما كتبته أنا وغيري يمثّل فكرًا مطروحًا، وبالتّالي عليه أن يقارع الفكر بالفكر، فهؤلاء الشّباب الذين هم في سنّ العشرينيّات لديهم أسئلة يطرحونها وشكوك يعيشونها داخل أنفسهم، وهم بحاجة إلى من يستوعبهم فكريًّا، ومن يناقشهم فكريًّا، وليس الحلّ بالتّهديد بالمحاكم؛ فإنّ هذا قد يروّع وقد يخيف، ولكن في النّهاية لن يتمّ القضاء على هذه التّساؤلات والشّكوك في نفوس هؤلاء الشّباب، وهو ما ينبغي أن يُطرح ويُناقش.
ومثل هذا وغيره كثير.. يقولون مثل هذا الكلام، وقد تعرّضت لكثير من هذا الكلام في تويتر من قبل عدد من الشخصيّات المعروفة وغير المعروفة، وحتى لو أنّني كتبت "لا إله إلاّ الله" لقالوا انظروا إلى ما يكتبه تركي الحمد، فهو يقول "لا إله.."، وهؤلاء مثل هذا الشّيخ الذي ترك رواية من حوالي (1000) صفحة، واجتزؤوا منها "الله والشّيطان وجهان لعملة واحدة" فهم أخرجوها من سياقها، ومن بنيتها الفنيّة والرّوائيّة؛ لأنّ المقصود ليس من قال، ولكن من قال هذا الكلام، ومثال آخر أعطيك إيّاه في تعامل هؤلاء الأشخاص غير الموضوعيّ مع الأشخاص، وما يكتبون هو مثال الدكتور طارق الحبيب حينما تكلّم عن الرسول -عليه الصّلاة والسّلام- وعن عائشة أم المؤمنين، لماذا لم تقم ضجّة على كلامه ذلك، ومثال ثالث هو الشّيخ العريفي حينما جاء بسورة وأسماها سورة التّفاح، فلماذا لم يُقل عنه شيء..؟ واستشهدوا أن قصد هؤلاء كذا وكذا، فلماذا تُحاكم النيّة هنا، والقصد هنا، ولم تُحاكم لدى هؤلاء؟ ولماذا يُفترض سوء النيّة هنا وحسن النيّة هناك؟ وهل ذلك بسبب أنّ هذا ينتمي إلى تيّار معيّن، وهذا ينتمي إلى تيّار آخر؟ فهل هذا من الدّين وسماحة الإسلام الذي ينادي حتى بالعدل مع الأعداء، فما بالك بالمنتمين إليه..؟
 الثّورات العربية طالت الجماهيريّات، برأيك هل الملكيّات في مأمن من هذا التّغيير الذي يجتاح العالم العربيّ؟
ليس هناك أحد في مأمن، ومن يقول هذا الكلام فأنا أعتقد أنّه يطرح فكرًا غير صحيح، وحتى لو كانت في مأمن فيجب عليها أن تفترض الأسوأ، وأن تنظر في أسباب ما حدث هناك كي لا يتكرّر ما حدث في هذه الممالك. صحيح أنّه لم يحدث شيء في هذه الممالك لأسباب عديدة بطبيعة الحال؛ لأنّ الملكيّات أكثر رسوخًا، وأتت بشكلّ تاريخيّ معيّن، بينما الجمهوريّات التي قامت فيها الثّورات العربيّة أو (الرّبيع العربيّ) كلّها أتت عن طريق انقلابات عسكريّة؛ بمعنى أنّها كانت اغتصابًا للسّلطة، بينما الملكيّات لم تكن اغتصابًا للسّلطة، ولم تحدث بها انقلابات عسكريّة، ولكن هذا لا يعني أن نتجاهل ما حدث، أو نقول عنها إنّها محصّنة أو إنّها بمنأى عن هذه الأشياء، هناك أسباب موضوعيّة قد تؤدّي إلى أيّ شيء آخر، فبالتالي قبل أن يأتي الدّاء فلنطرح الدّواء.
وهذا الدّاء الذي يلفّ الملكيّات اليوم في عالمنا العربيّ مثل الفساد، وعمليّة الاستئثار المطلق بالسّلطة وإهانة المواطن وأشياء أخرى كثيرة.. فإذا كنّا نريد أن نتجنّب هذا الدّاء فيجب علينا أن نقدّم الدّواء؛ لأنّه إذا ما جاء الدّاء وقدّمنا الدّواء بعد أن يستفحل الدّاء فسيكون في ذلك الوقت بدون قيمة، وبالتّالي ليس هناك من أحد في مأمن من هذه الثّورات العربيّة، بل يجب أن نبحث عن الأسباب قبل أن تقع الفأس في الرّأس كما يقول المثل..
 وهل لديك رؤية مستقبليّة عمّا سيكون عليه الوضع بعد وصول التيّار الإسلاميّ للحكم في بعض الدّول التي حلّ عليها الرّبيع العربيّ؟
أهمّ شيء لدينا هو أن تترسّخ الدّيموقراطيّة، وأنت تعرف أنّ الدّيموقراطيّة تعني التّداول السّلميّ للسّلطة، كما لا ننسى أنّ الأحزاب الإسلاميّة التي وصلت إلى السّلطة اليوم كانت محظورة لدى الأنظمة الديكتاتوريّة السّابقة لهذه البلدان، وكانت جماهيريّة لاشكّ في ذلك؛ لأنّها كانت تتحدّث بثقافة مجمل الشّارع، والآن جاءت فرصتها لمّا زالت الموانع السّابقة على هذه الحركات الإسلاميّة انتخبها الشّارع واختارها دون غيرها، وهذا لاشكّ أنّه أمر طبيعيّ ونحترمه، ولكن يبقى السّؤال هو: هل يتمسّك الإسلاميّون بخطابهم التّقليديّ، فيجعلوا من الدّيموقراطيّة مجرّد سلّم للوصول للسّلطة ومن ثم يلغونها؟ هنا السؤال، أمّا إذا كانت هناك ديموقراطيّة فليأتِ أي أحد بشرط أن يكون هناك تداول للسّلطة.
  وعودًا على سؤالك: هل تتوقّع أن يتغيّر الخطاب الإسلاميّ بعد الثّورات العربيّة أم سيبقى على حاله؟
إذا كان الخطاب الإسلاميّ سيبقى كما هو بأن الدّيموقراطيّة كفر، وأنّها مجرّد سلّم للوصول إلى السّلطة، فهذا ما ليس مطلوبًا من الإسلاميّين اليوم بعد وصولهم للحكم، أمّا إذا كانوا يؤمنون بالدّيموقراطيّة فأهلاً بهم في السّلطة ولا مشكلّة في ذلك، وأتوقّع أنّ الخطاب الإسلاميّ سيتغيّر، وبدأنا نلحظ ذلك في تصريحات الغنوشي في تونس، وأطروحات الإخوان المسلمين في مصر، كلّ هذه الأمور نلاحظ من خلالها أنّ هناك تغيّرًا في الخطاب، وأعتقد أنّ هذا مؤشّر جيّد.
 وفي المقابل نجد تراجعًا واضحًا في الخطاب اللّيبراليّ وصوت المثقّف أيضًا مع ظهور الرّبيع العربيّ دون أن يكون لهم رأي واضح، إلى ماذا تعزو هذا التّراجع؟
 دعني أقل لك إن اللّيبراليّة أو أيّ خطاب ثقافيّ آخر غير شعبويّ هو خطاب صعب، ويستند إلى مفاهيم معيّنة ويحتاج إلى وقت، ولكن مجرّد أن تكون هناك ديموقراطيّة تحافظ على حريّة القول، وحريّة الفكر، وحريّة المعتقد فأنا أعتقد أنّ المجال أصبح مفتوحًا لبثّ هذه الأفكار، وبالتّالي لا يمكن أن أخشى من مثل هذه الأمور؛ لأنّها قد تحتاج إلى وقت طويل، وكذلك لم يمض على الثّورات العربيّة سوى عام، وجاءت بعد عقود من تراكمات العفن والفساد، فلابد أن تخرج هذه الأشياء، وكلّ الثّورات التّاريخيّة أخذت وقتًا حتى استقرّت، وحتّى تبلور الشيء الذي تريد تحقيقه، فأنا أعتقد أنّنا ما زلنا في بداية المشوار والحديث عن أمر مثل هذا لا يزال مبكّرًا.
 هنالك من شكّك بثورات الرّبيع العربيّ، ورأى أنّها مؤامرة غربيّة على العرب، بينما آخرون يرون أنّها جماهيريّة محضة.. أنت كيف نظرْت إليها؟
أي ظاهرة اجتماعيّة؛ ثورة كانت أو غير ثورة، ليس من المنطق أن يكون عامل واحد وراءها. ولكن أن نقول إنّ كلّ سببها عامل خارجيّ فهذا ليس صحيحًا، ونحن العرب دائمًا متحفّزون لفكرة المؤامرة، وكلّ شيء يحدث عندنا نعزوه إلى هذه الفكرة، والسّؤال هو: إذا كانت هذه المؤامرة قد استطاعت أن تحرّك ملايين من الجماهير كما رأينا في مصر فإن هذا يؤكّد أنّ هناك سببًا أو أسبابًا داخليّة هو الذي جعل هذه الجماهير تتحرّك، فنعم، العامل الخارجيّ موجود وكلّ يبحث عن مصلحته سواء كانت الولايات المتحدة أو أوروبا، كلّ يبحث عن مصلحته، ولكن إذا لم يجد المنفذ والأرضيّة التي تساعده على ذلك فإنّه لا ينجح، فالقضيّة هي قضيّة عامل خارجيّ وعامل داخليّ؛ فهناك عامل داخليّ هو الذي جعل الجماهير تخرج إلى الشّوارع، وكلّنا نعرفها، ولكنّ العامل الخارجيّ استغلّ هذه الأمور لمصلحته. ولكن: هل سبب الثّورات هو عامل خارجيّ وحسب؟ أقول: لا؛ لأنّ هناك عوامل خارجيّة وعوامل داخليّة هي الأقوى، والتي سمحت للعامل الخارجيّ أن يتدخّل.
 في الكتاب الأخير "السعوديّة البديلة" الذي قدّمته للكاتب أحمد عدنان، أشرت إلى توحيد المملكة الذي قام على تحالف سياسيّ ودينيّ، ولكن ألا ترى أنّ العامل الدّيني هو الحاسم في توحيد المملكة، وبالتّالي أصبح مسيطرًا على التّوجّه السّياسيّ؟
لا، أنا لا أرى ذلك، ولكنّ العامل الدّينيّ كان هو الأساس في الدّولة السعوديّة الأولى عندما تحالف الشّيخ محمد بن عبد الوهاب مع الأمير محمد بن سعود، فكان الاتّفاق اتّفاقًا دينيًّا، والآن الدّولة السعوديّة الأولى قد انتهت، ولمّا جاءت الدّولة السعوديّة الثّانية لم تكن بشرعّية دينيّة، والدّولة السعوديّة الثّالثة كانت بشرعيّة دينيّة، ولكنّها ليست الأساس؛ فالملك عبد العزيز لمّا عاد وفتح الرياض كان العلم المرفوع في الأساس هو عودة ملك الآباء والأجداد في المقام الأوّل، ومن ثم لمّا تكوّنت المملكة في عام 1932 قامت على أسس منها الازدهار، والأمن، وبناء دولة حديثة، نعم الدّين كان موجودًا، ولكنّه ليس الأساس، وليس الرّكن الجوهريّ كما كان في الدّولة السعوديّة الأولى، فبالتّالي الدّولة السعوديّة الثّالثة تختلف عن الدّولة السعوديّة الأولى والثّانية؛ لأنّها دولة حديثة بالمعنى الحديث، أو يفترض أن تكون كذلك، لها حدودها المعترف بها والتي لا يمكن أن تتجاوزها، بينما الدّولتان السعوديّتان الأولى والثّانية لم تكن لهما حدود، بل كانت الحدود مفتوحة إلى أيّ مدى تصل قوّتك ثبّت حدودك؛ بمعنى أنّها كانت دولة تقليديّة، أمّا الدّولة السعوديّة الثّالثة فهي دولة حديثة، أو يفترض أن تكون كذلك؛ أي دولة مؤسّسات تقوم على الإنجاز في المقام الأوّل وعلى خدمة المواطن وعلى تقديم الأمن وتقديم الازدهار، نعم هناك مسحة دينيّة، ولكنّها مع الملك عبد العزيز جاءت متأخّرة؛ فهو قد فتح الرياض في عام 1901 وبدأ في تكوين جيش الإخوان في عام 1912، فهذا يعني أنّ البداية لم تكن على أساس دينيّ، بل كانت على أساس دولة حديثة واستعادة ملك الآباء، وهذا ما يُسمّى في علم الاجتماع بـ الشّرعيّة التّقليديّة.
 أشرت في الكتاب إلى ضرورة الإصلاح في المملكة على مستويات متعدّدة. كيف تنظر إلى أهميّة هذا الجانب في الوقت الرّاهن؟
أحبّ أن أؤكّد أنّ الدّعوة إلى الإصلاح في المملكة العربيّة السعوديّة ليست ضربًا من الرّفاه، وليست مجرّد دعوات نخبويّة من هذا الطّرف أو ذاك، بقدر ما هي حاجة ملحّة في دولة لها من العمر أكثر من قرنين من الزّمان، تحتاج إلى الإصلاح، إذا كانت الاستمراريّة السّلسة للمجتمع والنّظام هي الهدف.
 في كثير من الأحيان يُنظر إلى هذه الدّعوات على أنّها نوع من المعارضة للنّظام، بينما هي دعوات تحمل ولاءً حقيقيًّا له، من حيث الحرص على استمراريّته وتصحيح مساره وفق ضرورات المراحل التّاريخيّة التي يمرّ بها. الولاء للنّظام لا يعني موافقته في كلّ سياساته، بل يكمن في محاولة تقويمه عندما يبدو أنّه بحاجة للتقويم. أمّا ولاء الطّاعة المطلقة و”كلّه تمام يا افندم”، فهو ليس ولاءً بقدر ما هو مسايرة للنّظام في صوابه وخطئه، من دون إحساس بالمسؤوليّة تجاه الدّولة والمجتمع، وما تفتّتت مجتمعات ودول إلاّ نتيجة مثل هذا الولاء المزيّف حقيقة. ما حدث في دول الرّبيع العربيّ هو نتيجة منطقيّة لتجاهل دعوات الإصلاح التي كانت تظهر بين الحين والآخر، لكن تجاهل الأنظمة السياسيّة الحاكمة لها هو ما دفع الجميع إلى اللّجوء إلى الخيار الآخر، أي الخيار المرّ، وما كان لهذا الخيار أن يكون حتمًا لو كان هناك هامش من الأخذ والعطاء بين الحاكم والمحكوم.
عندما بدأت المظاهرات في سوريا، كان الشّعار المرفوع هو “الشّعب يُريد إصلاح النّظام”، لكن ردّة فعل النّظام القاسية تجاه هذا المطلب، دفعت الشّارع إلى تغيير الشّعار ليصبح “الشّعب يُريد إسقاط النّظام“، وهو ساقط لا محالة، وكان بالإمكان تجنّب هذا المصير لو كان العقل والحكمة هما منهج النّظام في التّعامل مع المجتمع.
  وكيف كانت تجربتك كأوّل مرّة تقوم بالتّقديم لكتاب يقوم بتأليفه شخص آخر؟
وجدتها تجربة جيّدة جدًا؛ لأنّك تستطيع أن تقول في صفحات معدودة ما تستطيع أن تقوله في كتاب كامل، وتحاول أن تضع الخلاصة في هذه المقدّمة والصّفحات المعدودة التي قد تكون سهلة على القارئ، ويحمل كافّة الأفكار التي تريد إيصالها، بينما تأليف كتاب يتطلّب جهدًا كبيرًا وصفحات أطول، وكانت هذه التّجربة الأولى لي، ولكنّها جميلة.
 أخيرًا هل سمح معرض الرياض الدّولي للكتاب مؤخّرًا بدخول كتبك وبيعها؟
 صراحة أنا لم أذهب إلى المعرض ولم أنوِ الذّهاب إليه.. وحسب علمي وما وصلني أنّ رواياتي لم تكن موجودة في المعرض ولايزال المنع يطالها،  والآن تمّت إعادة طباعة رواياتي وبعض كتبي عن طريق دار (مدارك) التي يملكها تركي الدخيل.
 ولماذا لايزال المنع قائمًا إلى الآن على كتبك؟
كما قلت لك سابقًا إنّهم ينظرون إلى الاسم قبل النّظر إلى الفكرة المطروحة، وقبل الاتّفاق أو الاختلاف مع الفكرة. هم يختلفون أساسًا مع قائلها، ولهذا -في رأيي- إنّ جزءًا كبيرًا من منع كتبي ورواياتي أعزوه إلى هذا السّبب