متلازمة مختلِف بلا هويّة!

كتب بواسطة: أماني الغانمي | في أدب . بتاريخ : Aug 2 2012 | العدد :93 | عدد المشاهدات : 3301

متلازمة مختلِف بلا هويّة!

نسخة للطباعة
يا مُلون؛  قدْ أثخنتَ، وأثقلتَ ديارك بنكساتٍ تلو أخرى!
 كنتَ في ليل المدن الزّرقاء؛ ضائعًا، وفي زحام صورها ووميض أضواء النّيون المعلّقة على رؤوسها كليالي لاس فيغاس؛ مشدوهًا، حتى تزاحمتْ في رأسك  أفكار التّهاوي؛ أفكار تُسقط عناصرك من يديك!
أحاديث المتسكّعين، والمهدّلين على كراسي المقاهي؛ الذين يثرثرون ليريقوا تعب يومهم ويحتسوا أوجاعهم مع القهوة المُرّة، وكعب قدم جدّك الطيّب المتعبة والمشقّقة كخنادق طوليّة مملوءة بطين مزرعته اللازب، وعصاه التي توكّأ عليها طيلة عمره؛ بين أحكام الحياة، وثيابه، وعمامته. كلّها غدتْ لوحات مأسونة قذرة في عينيك، تتمنّى أنّ ما تراه عليه ليس إلاّ (توكسيدو) من جفنشي، وساعةً من رولكس، ويضع على ساعده الأيسر وشمًا بوهيميًّا مخبوءًا تحت قميصٍ من فيرزاتشي، ويحضر قدّاس الأحد، ويتعاطى طقس الأفخريستا؛ حتى تنضح  على رأسك ماديّة أرستقراطيّة تتوق لها!

ونسيتَ هويّتك!
وأصبحتَ بعيدًا؛ تُشهر  خباياك المتعفّنة  ــ دون أدنى حياء ــ أمام المدى،  بعيدًا بما يكفي و أسفل كثيرًا عن  قمّتك، قمّتك التي كانت تتيح لك التّحليق بأكثر من طريقة،  لكنّك كنت تريد طريقة مُبْهرة بمذاقات تسلخ جلدك القديم، وتضيف لك آخر جديدًا لونه أزرق!
تكسرتْ مدينتك بين أصابعك، ونثرتها لأجل عين الوهم، وعين البهرجة، حتى تصاعدتْ أشرعة الهجرة على زوارقك المشتّتة الطّرق، لاهدف تعرفه ولا نهاية تطلبها، وأمّا جدران وطنك التي كانت تحميك فتشقّقت مع رياح التّغيير هذه، وأصبح ينبت فيك العفن فخَبُثَتْ رائحتُك، فزهر وطنك لم يعد ينمو خلالك!
أصبحتْ كدون كيخوته لا واقع تعرفه، أضحوكةً للوسط، اختلافك لم يُهنئك بشيء، مطلقًا، بل كان يقضم جسدك وروحك معًا، ويلفظهما في توابيت المقذورين، كأحدب نوتردام تخبو في السّراديب المظلمة ..حتى غربت شمسك!
الأقنعة في حفلات الشّوارع المزيّفة تُوزع،  وأنت تضيع في أيّها يصلح لك لتختلف، وتتمنّى لو تعُبُّها عبًّا وتملأ بها جوفك، بلهفةٍ جائعةٍ كنت تختار كطفل أصابته الحيرة في اختيار الحلوى المميّزة بعد أن أمرته أمّه أخذ قطعة واحدة من منصّة مملوءة بضروب الحلويات.... كنت تختار!
كنتَ تلهثُ بين المدعوّين  لتذيب العيون بالبريق تظنّك ألماسًا، حسبه ظنّكَ!
كنتَ تضحك وتغرّد أنحاؤك مع زمرة المختلفين مثلك، يلكزك أحدهم ويقول لك: ما هذا التّطوّر الذي غيّرك كثيرًا فتتّسع ضحكتك!

ثم ماذا بعد؟!
انظر للخلف ماذا ترى.. هوّة عظيمة خلّفتها، وقطّعت كلّ وتين بين تناسجك مع واقعك وقالبك المتين، الذي كان وكأنّه سلك فولاذيّ مجتمع الأطراف، والآن ذبْت وتفلّتت ركونك من بين جنبيك. أنتَ اخترتَ أنشوطة العذاب هذه؛ الضّياع وفقدان الهويّة، وعلقتها حول رقبتك؛ فتأزّك أزًّا على المضيّ في رحلة تهشيم الواقع، والإنتفاخ، لكنّك كنت كثيرًا تتفجّر وتتشظّى وكأنّ قنبلة "تفريغ كهروطيسية" كامنة فوق رأسك لتدمّرك بشكل مختلف فتهبط طوابقك في برقة عين، لاشيء ثابت فوق من لا أساس له.
كلّ ملامح وجهك تميّهت وأصبحت لا أنت بل هم.. أو أولئك ..أو الآخرين لكنّك لستَ أنت!
جذرك هذا الذي تراه ككابوس يتعقّبك ليقبض عليك، فتنسى نفسك الأصيلة؛ تلك الحزينة التي تنتظرك على باحة مصطبة الأنا التّاريخيّة لأصوليّتك؛ تآكل حتى استحلّت بذورًا لا أرض تملكها، فأنّى لها أن تنبت سوقًا  وثمرًا؟ أو أنّك حقل قمح ناضج، تلعب الرّيح الجائرة به من جهاته الأربع حتى غدوتَ متناثرًا ومهتّكًا، مثقلاً بالحزن، تقلّب عينيك في الحيرة لماذا لا تُحصد!
أصبحت تداوم التّغيير في وضع أقنعة تلو الأقنعة، كلّما اهترأ أحدها ضمّدتها بِرقعٍ من قناع آخر، حتى صارت تتشابك على وجهك!
صدّقني لم تتعلّم شيئًا طوال مدّة فقدانك لنفسك/ هويّتك، ضاعت قدرتك على التّجميع لركائز المشكل الذي يغوص بك في دلهميّات غير منتهية، صرت مؤجّجًا بعواطف تغرّر بك وتغويك لتتقرّب من طموحاتك الجوفاء... ولم تكن ترسم مجدك بريشة العقل الأصيل المعتزّ بتراثه، بأرضه، بأهله، حتى تصعد!
تريد أن تكون كجماهير أمريكا اللاتينيّة الشّاخصة في أيقونة جيفارا الماديّ بلا حراك، والتي لم تتعلّم منه شيئًا أبدًا، وهو مجرّد رجل اكتنزته الدّنيا و حشتْه في حطام تمثال، وأنت أنت ماذا تريد منه، ولِمَ وقفت تتأمّل بهرجته البلهاء معهم، هو لايخصّك بل يخصّهم. كنت بلاهويّة تتزمّل بها وسط زمهرير تشوّهاتك الملعونة، تريد أن تكون هو... مع أنّه ليس أنت.. لقد اصطادتك كرنفالات الاختلاف للاختلاف بطعم رخيص جدًّا، وليس بمهرجان يُقام من روح حضارتك، كما توضّحه أيقونة الصّيني في أعياد الصّين الميلاديّة الحمراء، حتى بُنيت من دمها حضارة الدّب الأسيويّ العملاق لا كريسمس مشبوه الأصل، أمّا أنت كفرت بعِشرة دربك الماضي، وصيّرته سرابًا مأفونًا مطرودًا من هيكل صومعتك الزّجاجيّة.
في طرق وطنك، كنت ثالوثًا من مرض عضال أنت، وأنت، وأنت؛ رأسك الغيثيّ الفكر الشّديد الرّعونة ومجاهيلك/ خيالاتك، ورأسك الضّائع في لا حيث أنت/ هويّتك ميّتة؛ وتمازجتْ هذه الأنهار؛ فحدثتْ بعثرتكَ ويكأنّك لوحةً لمايكل آنجلو لم يرها أو يسمع بها من أحد، ومنسيّة، بكهف، وتحاملت عليها الغبرة وتماسكت فلم تعد تُرى ألوانها مطلقًًا، قيمتك لا تجدي إلاّ بهويّتك.
أنت مختلف بلاهويّة، لكن ما جدواك؟! تتهاوى روحك هذه المسكينة، داخل دوّامات عظائم التّوهة، فتصبح حزينةٌ وتُحْزِنُ كل من رآك؛ كطفل فُطِم للتّوّ من أمّه التي ماتت وهي تلقمه رضعته الأخيرة!
الأفون يتملقك، يُركبك على ظهره ويرقص بك، وأنت غائر العينين كبحيرات غاصت في باطن الأرض... لم تعد ترى شيئًا من كلّ ما يحيط بك، تقف على منصّة الملاكمة وتبادر المارّة بلكماتك الخطّافيّة، تخال أنّك ذو القبضة الذّهبيّة ولم تعلم أنّ كلّ سلاميّات أصابعك تفتّت ولم تشعر بوجعك إلاّ بعد أن قضيت عليها نهائيًّا...!
عبثتْ بكَ المدن والشّوارع وغيّرتْ ملامحكَ، جعلتك إنسانًا ساخطًا على واقعك وبلا قلب، ناقصًا بلا تكامل. لم تعد أبديّ القامة بل مقطوعًا ومبتورًا بلا أساسات، هكذا أردْت لنفسك، والآن ماذا ترى، قلْ لي بالله عليك؟!
صرْتَ خاليًا، أجوف، مشوّهًا؛ كَفَمٍ انقرضت منه الأسنان، لم تعدْ أنحاءك تقطع، ولن تكون ذا فائدة لمن حولك؛ فلقد أصبحت موبوءًا بمتلازمة "مختلف بلاهويّة"!