وثيقة الأزهر تعيد للمؤسسة الإسلامية استقلالها

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Aug 2 2012 | العدد :93 | عدد المشاهدات : 2131

وثيقة الأزهر تعيد للمؤسسة الإسلامية استقلالها

نسخة للطباعة
في محاولة لاستعادة دوره التاريخي لنشر التنوير، وإشاعة الفكر الإسلامي المعتدل، الداعم لقضايا واقِعه، ليس في مصر وحدها، بل في محيطه العربي والإسلامي، صدرت عن الأزهر الشريف خلال العام الماضي وثيقة هامة، جاءت محصلة للقاءات عقدها شيخه الدكتور أحمد الطيب مع عدد من المثقفين والمفكرين، حتى خرجت في ما يعرف إعلاميًا بـ"وثيقة الأزهر".
إصدار الوثيقة جاء في محاولة من جانب المؤسسة الدينية لتدشن لنفسها نهجًا مغايرًا عما كانت عليه إبان النظام السابق، عندما كانت تدور في فلكه، لا يعرف شيوخه للقرار استقلالا، وهو ما أغرقها في تبعية واضحة للنظام، حررتها منه ثورة 25 يناير، بما أصبح يعيد للأذهان الدور التاريخي للمؤسسة الدينية في إشاعة الاستنارة، والفكر الإسلامي الصحيح، بعيدًا عن ثنائية "التكفير والتخوين".
وإذا كان لعلماء الأزهر دورهم التاريخي منذ أكثر من قرنين في مواجهة الغزاة الفرنسيين والانجليز، فإنه ظل رهينًا لمحاولات خطفه من جانب النظام السابق، حتى قامت ثورة 25 يناير، فأعادت إحيائه من جديد، من خلال تلك اللقاءات التي قام بها شيخه مع عدد من رموز وقيادات التيار الإسلامي، ثم دوره فيما يعرف بـ"ببيت العائلة" لوأد "الفتنة"، إلى أن كانت لقاءاته بعدد من المثقفين والمفكرين، توجت بصدور "وثيقة الأزهر".
صدور الوثيقة جاء ليؤكد الدور الذي يفترض أن يقوم به الأزهر تجاه مجتمعه وأمته العربية والإسلامية، بدعمه للقضية الفلسطينية، ورسمه لملامح مصر خلال الفترة القادمة، فضلا عما حملته من تطوير للتعليم، والسعي لوأد الفتنة، مواكبة للمرحلة الحالية.

تنوع في المصادر
وحرص معدو الوثيقة على أن يستلهموا في مناقشتهم روح تراث أعلام الفكر والنهضة والتقدم والإصلاح في الأزهر الشريف، ابتداءً من شيخ الإسلام الشيخ حسن العطار وتلميذه الشيخ رفاعة الطهطاوي إلى الإمام محمد عبده وتلاميذه وأئمته المجتهدين من علمائه، من أمثال المراغي ومحمد عبد الله دراز ومصطفى عبد الرازق وشلتوت وغيرهم من شيوخ الإسلام وعلمائه.
كما استلهموا في الوقت نفسه إنجازات كبار المثقفين المصريين ممن شاركوا في التطور المعرفي والإنساني، وأسهموا في تشكيل العقل المصري والعربي الحديث في نهضته المتجددة، من رجال الفلسفة والقانون، والأدب والفنون، وغيرها من المعارف التي صاغت الفكر والوجدان والوعي العام.. اجتهدوا في كل ذلك وركزوا في وضع القواسم المشتركة بينهم جميعًا، تلك القواسم التي تهدِفُ إلى الغاية السامية التي يرتضيها الجميع من عقلاء الأمة وحكمائها.
ويصف الكاتب الصحفي حلمي النمنم، أحد المشاركين في إعداد الوثيقة، تلك الوثيقة بأنها مشروع دستور مصري، يؤكد على مدنية الدولة المصرية، ويعمل على الاهتمام بالمواطن المصري دون تمييز في الجنس والديانة ووضعت التعليم والصحة والبحث العلمي كأهم أولوياتها.
لجنة القوات المسلحة بمؤتمر الوفاق الوطني، سبق أن طالبت بدعم "الوثيقة" بضرورة الرقابة على دور العبادة من كنائس ومساجد دينيًا وماليًا.
ومن جانبه، يعتبرها د.محمد الدسوقي، المستشار السابق للمركز القومي للتعبئة العامة والإحصاء، أشبه بالصحيفة التي كتبها الرسول صلى الله على وسلم في المدينة، وخطبة الوداع التي ساوت بين الناس جميعا، "فضلا عن كونها تنحاز للدولة المدنية التي تقوم على مبادئ الشريعة الإسلامية".
الكنائس المسيحية من جانبها رحبت بـ"الوثيقة"، ووصفتها بأنها "تاريخية، تتسم بالحكمة، وتعبر عن وسطية الإسلام الحقيقي، وتتصدى للتيارات المتشددة التي تتلاعب بالدين ونصوصه لخدمة أهدافهم السياسية". واعتبرها الأنبا باخوميوس مطران البحيرة ومطروح وعضو المجمع المقدس "عميقة في التفكير، وتعمل على تحقيق السلام الاجتماعي، والعدالة والمساواة بين المواطنين دون تمييز، وهو اعتراف بمدنية الدولة من قبل الأزهر، تلك المؤسسة الرسمية، التي تعبر عن الإسلام، هي المنبر الحقيقي لوسطية الإسلام المعتدل".
وبدوره، سيعمل منتدى الحوار بمكتبة الإسكندرية، الذي هيأ لكتابة الوثيقة، على تفعيلها من خلال الفعاليات التي دعت إليها، ومناقشة المبادئ التي قامت عليها الوثيقة، وبحث مستقبل مصر على ضوء هذه الوثيقة من خلال لقاء عدد من المشاركين في إعدادها.
والوثيقة جاءت نتيجة للقاء عدد من النخب المختلفة من المثقفين من مختلف الطوائف والمدارس الفكرية، اعترافا منهم بدور الأزهر القيادي في بلورة الفكر الإسلامي الوسطي السديد من ناحية، ودارسين لمقتضيات اللحظات الفارقة في تاريخ مصر بعد ثورة 25 يناير، من ناحية أخرى.

منهج وسطي
وبحسب تعبير شيخ الأزهر في إعلانه لها، " فقد التزمت الوثيقة ببلورة مستقبل مصر بالتزام المنهج الوسطي السديد للأزهر، وتوافق واضعوها على ضرورة تأسيس مسيرة الوطن على مبادئ كلية وقواعد شاملة تناقشها قوى المجتمع المصري".
ولمزيد من أهمية الوثيقة وكيفية الاستفادة منها، يعتبر الناقد الدكتور صلاح فضل، أحد معدي الوثيقة، بمثابة تأكيد للقيم والمثل العليا، وإعلاء لقيم الثقافة، "خاصة وأن الناس هم الذين منحوا الأزهر الشريف هذه الرمزية، باعتباره مؤسسة للعلم والثقافة، ومنارة للفكر والاستنارة".
وعدد مآثر الأزهر الشريف بقوله: إنه لا يمكن لأي جهة أن تقدم الإسلام بوسطيته وفهمه الصحيح، كما يفعل الأزهر الشريف، "ليقدمه إسلاما معتدلا ووسطيا". واصفًا الوثيقة بأنها تعلي من قيمة الأزهر، وتعمل على إعادته ليسترد وضعه التاريخي في الحياة العامة، "لتصبح الوثيقة بمثابة مبادئ حاكمة، خاصة وأنه لم يحدث أن توافق أحد على وثيقة صدرت أخيرًا، كما توافق كثيرون على وثيقة الأزهر، حتى أصبح التوافق عليها أشبه بالإجماع".
وقال: إن الوثيقة دعمت فكرة "مؤسسة" الأزهر، وأنها دعت إلى استقلاله، وإعادة جماعة كبار علماء الأزهر، "بما يعني استقلاله، وعدم التدخل في شؤونه، وليصبح بعيدًا عن أية محاولات للتدخل". معتبرًا أن مشيخة الأزهر في السابق كانت مخترقة، "والوثيقة تعيد إليها استقلاليتها وتاريخها الطويل".

أمناء الديمقراطية
أما أستاذ الشريعة الإسلامية الدكتور محمد كمال الدين إمام، أحد معدي الوثيقة، فيعرب عن سعادته بما أبداه المثقفون من أصالة بحرصهم على الأزهر الشريف بأن يكون مرجعا إسلاميا لمصر، "انطلاقا من تاريخ تمتزج فيه الحضارة بثوابت الدين الإسلامي وأساساته، والاتفاق على أن الإسلام يمثل الرؤية الصحيحة للمجتمع، وأن العودة للأزهر ضرورة حياتية، ظللنا نبحث عنها لأكثر من 50 عامًا".
ويعرج على سياق آخر، ذي صلة، بقوله: إنه إذا احتكمنا إلى الديمقراطية فيجب أن نكون أمناء على التعديلات الدستورية في مصر، التي تم استفتاء الشعب عليها، خاصة مع إقرار الوثيقة بتطبيق الديمقراطية، والدعوة إلى الدولة الديمقراطية".
ويقول: إن الوثيقة ولكونها غير فقهية، "لذلك لم تعرض على مجمع البحوث الإسلامية، فهي وثيقة فكرية وثقافية بالدرجة الأولى، وليست فقهية"، وذلك في سياق رده على مطالبات البعض بعرضها على المجمع.
وبدوره، وصف المفكر الإسلامي الدكتور صلاح الجوهري، أحد معدي الوثيقة، الأزهر بأنه في لحظة فارقة، وأصبح يستعيد دوره في أن يكون وكيلا عن الأمة، وأن الوثيقة عملت على استنهاض هذا الدور التاريخي للأزهر الشريف. مشددا على ضرورة تحرير المصطلحات التي بدت سارية في المشهد المصري اليوم مثل الحديث عن الدولة المدنية والعلمانية وغيرها من المصطلحات التي نشأت في بيئتها وارتبطت بها، "ولا تناسب البيئة المصرية". مؤكدا أن شيخ الأزهر ليس مناظرا للبابا، "فالإسلام لا يعرف بابا، كما أن الأزهر ليس مؤسسة دينية، بقدر ما هو مرجعية إسلامية".
ومن جانبه، يؤكد الكاتب الصحفي قطب العربي، على بعض المخاوف التي تنتاب البعض من الوثيقة في أنها تسمح مثلا لأصحاب غير الأديان السماوية بممارسة شعائرهم، واستشهد في ذلك بعبدة الشيطان.
غير أنه يرى أهمية الوثيقة ودورها، "وأنها تأتي في ظل ما وصلنا إليه من وحل الاستقطاب الحاد في المجتمع، وأنه لم يبق أمام المصريين سوى العمل بهذه الوثيقة، خاصة وأن من أعدوها لم ينخرطوا في العمل السياسي أو الحزبي، كما أنها جاءت بعيدة عن أية توجهات حكومية"