العرب والانتخابات.. وعي غائب أم مصداقية مفقودة؟

كتب بواسطة: مصطفى عبدالجواد | في الجهات الاربع . بتاريخ : Jan 1 2011 | العدد :75 | عدد المشاهدات : 2306

العرب والانتخابات..  وعي غائب أم مصداقية مفقودة؟

نسخة للطباعة
كان لافتاً في مجموعة الوثائق الأمريكية التي سرّبها موقع (ويكيليكس) وثيقة منسوبة إلى السفارة الأمريكية في القاهرة، تتضمن إشارة إلى نصيحة أسداها الرئيس المصري حسني مبارك لأعضاء في الكونجرس الأمريكي، مفادها أن الديموقراطية لا تصلح في العراق؛ لأن الشعب العراقي عنيف، ويحتاج إلى “ديكتاتور عادل”، ولعل تلك النصيحة تعكس نظرة كثير من الأنظمة العربية تجاه شعوبها؛ إذ تراها “غير ناضجة”، وعاجزة عن استيعاب آليات الديموقراطية، وما تتضمنه من انتخابات حرة وبرلمانات فاعلة، وبصياغة أخرى فإن الأنظمة ترى أن الشعوب لا تملك الوعي الكافي لمنح أصواتها لمن يستحقها، ولذا فإنها في كثير من الأحيان تقوم بالتصويت نيابة عنها.
وبنظرة سريعة على “الخريطة الانتخابية” العربية نجد أنها تتضمن أنماطاً انتخابية وتصويتية عدة؛ فهناك انتخابات تحسمها الاعتبارات الطائفية، كما هو الحال في العراق ولبنان وإلى حد ما البحرين، وهي انتخابات تشهد قدراً محدوداً من التدخلات الحكومية، لكن نتائجها تُعدّ معروفة سلفاً، وفقاً للأوزان الطائفية، وتنحصر التغيرات التي تشهدها هذه الانتخابات فقط في الأشخاص والتكتلات التي يصطف داخلها ممثلو كل طائفة. أما في الكويت والأردن -وإلى حد ما اليمن- فإن الاعتبارات العشائرية تشكل العنصر الحاسم في نتائج الانتخابات، في حين تُعدّ الانتخابات في مصر والجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا وسوريا والسودان “لعبة موجهة” تديرها الحكومة، وفقاً لحساباتها الخاصة؛ فقد يتسع الهامش الديموقراطي لأقصى مدى كما حدث في انتخابات موريتانيا التي أعقبت الإطاحة بالرئيس ولد الطايع، أو يتسع بشكل مقبول كما في انتخابات المغرب الأخيرة وانتخابات عام 2005 في مصر، أو يتقلص بشدة كما هو حال انتخابات سوريا وتونس دائماً.

نزاهة منقوصة
وبعيداً عن تلك التذبذبات فإن لبنان والكويت تعدان الأكثر رسوخاً في مجال نزاهة الانتخابات، لما تتمتعان به من تقاليد دستورية راسخة في هذا المجال، لكن للأسف فإن انتخابات لبنان محكومة باعتبارات دينية ومذهبية صارمة، في حين تعاني الانتخابات الكويتية من سيطرة الولاءات العشائرية على اتجاهات الناخبين، ما يحدّ بشدة من فاعلية العملية الديموقراطية، وتسبب في تراجع نسب المشاركة في الانتخابات الأخيرة التي شهدتها البلاد إلى 39%، أما لبنان فقد شهدت انتخاباته الأخيرة أعلى نسبة مشاركة في تاريخه بمعدل 52%، وهي نسبة ضعيفة إذا ما قورنت بانتخابات الرئاسة الأخيرة في فرنسا التي بلغت 80%، أما في باقي الدول العربية فإن نسب المشاركة المعلنة من قبل الحكومات لا تحظى بمصداقية لدى كثير من المراقبين، الذين يؤكدون أنها لا يمكن أن تتعدى بحال من الأحوال حاجز الـ 50%.
وإذا ما أخذنا نسب المشاركة في الانتخابات المصرية نموذجاً، بصفتها البلد الأكبر عربياً من حيث عدد السكان بكتلة تصويتية تبلغ (40) مليون ناخب، نجد أن النسبة الرسمية للمشاركة في انتخابات برلمان عام 2005 بلغت 22%، في حين تؤكد منظمات حقوقية تولت مراقبة الانتخابات أن النسبة لم تتجاوز 12%، أما الانتخابات الأخيرة التي أجريت جولتها الأولى الأسبوع الماضي فقد أعلنت اللجنة العليا للانتخابات أن نسبة المشاركة بلغت 25%، ثم عادت ورفعتها في وقت لاحق إلى 35%، لكن منظمات حقوقية أكدت أن النسبة تتراوح بين 10 و15% على أكثر تقدير.

تفسيرات متباينة
الحكومة المصرية دائماً ما تبرر انخفاض المشاركة بغياب الوعي الانتخابي، في بلد يعاني ثلث سكانه من الأمية، فضلاً عن ارتفاع معدلات الفقر، في حين يقول المعارضون إن عمليات التزوير المتكررة أفقدت الناخبين الثقة في جدوى المشاركة، طالما أن أصواتهم سوف يجري التلاعب بها في نهاية المطاف، ويُلاحظ في هذا السياق أن المناطق الريفية، حيث تسود التكتلات العصبية والعشائرية، تُعدّ الأعلى في نسبة المشاركة، في حين تتدنى المشاركة بشدة في المدن الكبرى، حتى إن مقعد إحدى الدوائر في القاهرة جرى حسمه في الانتخابات الأخيرة بأقل من ثلاثة آلاف صوت، بينما تتجاوز أصوات الناخبين المقيدين في الدائرة مائة ألف ناخب.
ومن اللافت أن التفسيرات تتباين بخصوص هذا العزوف شبه الجماعي للناخبين العرب عن المشاركة في الانتخابات، فنجد النخب المثقفة المرتبطة بدوائر الحكم تردّد نظرية تقول إن السياسة لا تشكل أي أولوية لدى الطبقات الكادحة، التي تسعى لتأمين قوت يومها وتوفير احتياجاتها الأساسية، من مأكل ومسكن وعلاج وتعليم، ولذا فإن هذه الطبقات لا تهتم كثيراً باللعبة السياسية بما تشمله من أحزاب وانتخابات. وبالتوازي مع ذلك يروّج البعض الآخر لنظرية أخرى تقول إن معظم الدول العربية تمر بمرحلة نمو وإعادة بناء، ما يتطلب وجود نظام وحكومة قوية وبرلمان يسيطر عليه حزب رئيسي، حتى لا تغرق البلاد في الفوضى وعدم الاستقرار، الذي تعاني منه ديموقراطيات فاشلة مثل باكستان وبنجلاديش، ويرى هؤلاء أنه من العبث الحديث عن تداول للسلطة في مثل هذه الأوضاع، أو أنه رفاهية لا طائل من ورائها.
       وهناك فريق ثالث لا يتردّد في الجهر بموقفه الرافض لتطبيق الآليات الديموقراطية، محذّراً من أن ذلك يعني الإتيان بالإسلاميين إلى الحكم، ويبرر هؤلاء موقفهم بأن تلك الديموقراطية سوف تكون من “شوط واحد”، وأن الحركات الإسلامية بمجرد وصولها للحكم سوف تنقلب على قواعد اللعبة وتفرض نظام “حكم ديني”، وهذا الفريق والآخر الذي سبقه يتفقان على كون الهامش الديموقراطي الذي تسمح به الحكومات يُعدّ كافياً للغاية في هذه المرحلة.

وعي فطري
وبالإضافة لتلك الآراء فإن هناك فريق رابع يدعي الحياد، ويرجع تدني مشاركة الناخبين في العالم العربي لضعف الأحزاب السياسية، وافتقاد قطاعات كبيرة من الشعوب لـ “الوعي الانتخابي”، فضلاً عن عدم جدية الحكومات في إدارة عملية ديموقراطية شفّافة، وطبيعي أن تكون محصلة ذلك عملية ديموقراطية فاقدة للمصداقية، نتيجة ما تشهده من تدخلات حكومية، أو ديموقراطية شكلية خاضعة للولاءات المذهبية والقبلية وسيطرة المال السياسي.
وفي مقابل هؤلاء يوجد فريق خامس يتبنى وجهة نظر مغايرة، مفادها أن الشعوب العربية تمتلك وعياً فطرياً بأسس الديموقراطية؛ ففي مصر على سبيل المثال خرج الشعب برمته قبل أكثر من (90) عاماً ليوكل سعد زغلول ورفاقه للحديث باسمه أمام المحتل الإنجليزي، كما عرفت معظم الشعوب العربية قبل أكثر من نصف قرن حركات تحرر وطني جرى تشكيلها واختيار قادتها بإرادة شعبية واعية، ولا يقتصر الأمر على الماضي، فحتى الآن تشهد كثير من الدول العربية انتخابات راقية على مستوى النقابات والأندية الاجتماعية والاتحادات الطلابية، وفضلاً عن شفافية تلك الانتخابات فإنها غالباً ما تسجل نسب مشاركة مرتفعة، وهو ما يرجع- بحسب هذا الفريق- إلى تمتع تلك الانتخابات بالمصداقية، ما يدفع المعنيين بها إلى المشاركة بكثافة لإيمانهم بأن صوتهم سوف يحدث فارقاً.

مثالب انتخابية
ويقر هذا الفريق بأن الوعي الانتخابي للمواطنين العربي ليس “مثالياً”، ففي بعض الدول يشكل الاصطفاف الطائفي أو المذهبي الدافع الأساسي لمشاركة الناخبين، والبوصلة الرئيسة لاتجاهات أصواتهم، وبالتالي فإن مواقف ممثليهم البرلمانيين تدور في نفس الفلك، وهو ما يجعل الانتخابات “نقطة كاشفة” لعوامل الضعف والتفكك الكامنة في “النسيج الوطني” لتلك الشعوب، لكن الانتخابات ليست هي السبب وراء ذلك الضعف، إنما هي فقط تفضحه وتجلّيه أمام الجميع، كي ينقبوا عن الأسباب الاجتماعية والثقافية والسياسية المسؤولة عنه.
ويحمّل أنصار هذا الرأي الأنظمة جلّ المسؤولية عن تفشي النزاعات الطائفية والعرقية لعجزها عن فرض سيادة القانون على الجميع بشفافية ومساواة، ولغياب مشروع وطني جامع، يحتوي الجميع ولا يقصي أحداً. فافتقاد هذين الأمرين أضعف حضور الدولة في حياة مواطنيها، وجعلهم يلجؤون إلى الطائفة أو المذهب كملاذ يضمن لهم حقوقهم ومصالحهم من جهة، ومن جهة أخرى فإن طموحات ومشاريع الطائفة أصبحت بديلاً عن مشاريع وطموحات الوطن، وفي ضوء ذلك فإن “مواسم” الانتخابات تشكل الاستعراض الأبرز لقوة الطائفة وتماسكها، حتى لو كان ذلك خصماً من قوة الوطن وتماسكه.