رسّام البورتريه الزهراني أهوى رسم التجاعيد

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في حوار . بتاريخ : Aug 4 2012 | العدد :94 | عدد المشاهدات : 4234

رسّام البورتريه الزهراني أهوى رسم التجاعيد

نسخة للطباعة
حاوره: نايف كريري - جازان


يستلّك هذا الفنان بإبداعه المحلّق من باحة الواقع إلى فضاءات الخيال، وأنت تنظر إلى رسوماته في مجال (البورتريه)؛ إذ تتعجّب من دقّة رسمه، وحدّة الملامح التي يرسمها، وإبداعه في تلك الوجوه، هو لا يرسم إلاّ قليلاً ووجوهًا نادرة، فقط تلك التي تستهويه أو تفرض عليه رسمها، أو إعادة تهيئتها، كما يقول.
جرّب هذا الفنان الرّسم في مجالات عدّة، وحاول في أنواع كثيرة من الفنّ التّشكيليّ، إلاّ أنّه في كلّ مرة يجد نفسه في هذا المجال تحديدًا..
الحوار معه لم يكن عاديًّا كما كنت أتوقّع؛ فإجاباته تفرض عليك التوقّف عندها وتكرارها كثيرًا؛ فهو يحمل لغة سلسة وحكائيّة في غاية الجمال، فلا تتجرّأ على مقاطعته حتى يكمل إجابته، والوصول معه إلى ما يريد قوله لك، بعد كثير من الملاحظات والوقفات و"التّحويلات" الكلاميّة..
التقينا رسّام البورتريه مرضي بن عبد العزيز الزهراني بعد انتهائه من رسم أحد الوجوه، وكان ذلك وجه الرّوائي الرّاحل عبد الرحمن منيف، ودار بيننا هذا الحوار:
  لابدّ لكلّ موهبة من بدايات. دعني أسألك أولاً كيف كانت بدايات مزاولتك للرّسم؟
لو كنت مثقّفًا سعوديًّا لقلت لك (بدأت من حيث انتهى الآخرون)، لكن الحمد لله أنّي لم أكن مثقّفًا وسعوديًّا أيضًا، وإلاّ لاتّهمت بالكذب، ولصنع لي المتوتّرون/المتوتّرون هاشتاقًا؛ مجاراةً للموضة السّائدة..
تبدأ حكايتي ليس من الطّفولة، وربّما كان لديّ مثل هذي الخزعبلات والحياة التّعيسة، لكنّي لا أذكرها. كلّ ما أذكره أنّي زاولت الرّسم في المدرسة، وفي كلّ الحصص وكلّ الموادّ بلا تحديد، وليس في حصّة (الفنيّة)؛ فقد كانت هي الحصّة الوحيدة التي لا أرسم فيها.. لقد اكتشفت أنّي موهوب في الرّسم على أغلفة الكتب "تحديدًا" أكثر من التّعليم، كلّ ما أحتاج إليهِ هو قلم رصاص ومَسّاحة بيضاء سأجدها في أيّ كتاب أحمله معي إلى المدرسة، أعتقد من هنا بدأت مزاولة الرّسم. لا أعتقد بل متأكّد من ذلك.
   لكن لماذا اخترت رسم البورتريهات دون أنواع الرّسم الأخرى؟
لو قلتُ لكَ بأنّي أرى كلّ الرّؤوس في حاجة لإعادة تهيئة، بالذّات ملامح المعلمين البشعة جدًا في نظري، لدخلتُ في "هاشتاقٍ" آخر، ولقالوا بأنّي قليل التّربية، ولقالوا أيضًا بأنّي ملحد، وأشكّك في جمال خلق الله، مع العلم بأنّ حصة القرآن لم أرسم فيها مطلقًا، كنتُ -ولله الحمد- أقرأ فيها القرآن.. لكنّه أحمد شوقي، ذلك الطبّال الكبير، الذي جعلهم يزعمون بأنّهُ لو أتيحت لهم الفرصة لأصبحوا رُسُلاً ومبشّرين.. قلْ لي بربّك: ألا يزعجك منظر المعلّمين المتغطرسين وهم يتعاملون مع ذلكَ الشّبل النّبيل، وكأنّه أحد بهائم القطيع يُساق للعلم سوقًا، ربّما من هنا تمّ سلْب الحريّة. المعلّم يتعامل معك كقاضٍ وكمخبر وكجلاد في بعض الأيّام، بل كلّ الأيّام، وفي أيّام أخرى  تراه الرّسول والمنقذ والقدّيس، أيّ رعبٍ هذا..؟! من هنا بدأت البورتريه. كنتُ كاريكاتيريًّا، ثمّ نَمَت معي تلك الهواية إلى أنْ تمرّست على الواقعيّة بعد عمر متأخّر جدًّا. قد لا أكون بدأت الواقعيّة إلاّ بعد إتمامي المرحلة الثّانويّة، ولم يعد هناك من شخصيّات كاريكاتيريّة تستحقّ الرّسم.
لقد استهويت رسم التّعابير والملامح والتّجاعيد، بعض السحن تشدّكَ كثيرًا، وبعضها يجبرك على الرّسم، لذلك لم أحاول الخروج من وعن هذا المجال (البورتريه)..
 وهل لديك أيّ محاولات للرّسم في مجالات أخرى؟
يبدو أنّ بورتريهاتي قد أثارت اهتمامك، حسنًا دعْني أحبطك قليلاً.. نعم لقد كان لديّ محاولات تجريديّة وتكعيبيّة وهندسيّة وسرياليّة، لكنّها جميعًا باءت بالفشل، ليس لأنّي حاولت ذلك، ربّما لأنّها كانت مجرّد تجربة فقط لا أكثر، وربما لأنّي أعيش قصّة شغفٍ مع اللّون الأسود. كلّ السّواد يعدّ جميلاً بالنسبة لي، ربّما لأنّ الأيّام تبدو كذلك، وربّما كانت نسبة إلى أنّ السّواد يسود في الأشياء التي تحيط بي.. قهوتي واللّيل والحسناوات السّمر بأعينهنّ وجدائلهنّ واللاتي لم أحاول كثيرًا التّطرّق إلى رسمهنّ. ربّما كان خوفًا من أجل أن لا أرتكب جريمة تشويهِ فتاة حسناء وقعت ضحيّة تجربة ما، ثمّ بعد أن أقوم بتشويهها –بشكل جيّد- على الورق ألمحها عكس ذلك، ربّما كان هذا شبيهًا بدرء المفاسد..
  ومع بداياتك الأولى هل كان هناك من يدعمك ويقف إلى جانبك؟
نعم بالتّأكيد، لقد كان لرفاقي، وتحديدًا من كانوا يقبعون في المقاعد الخلفيّة للفصل أثر كبير ودعم لوجستيّ لي، مع أنّي لا أعرف معنى كلمة لوجستيّ إلاّ كوني أشعر بجودتها للتّعبير عن دعم أصدقائي لي؛ فكلّ مرّة أرسم فيها مُدرّسًا، كنت أعرض عليهم ذلك الرّسم الكاريكاتيري، لأنال من بعدها كلّ كلمات الثّناء والمديح، كم هو ممتع أن تحصل على إشادة الكثيرين واعترافهم لك بأنّك مشروع جيّد لتشويه الآخرين.. ليس من السّهل أن يعجب بك "عرابجة" المدرسة، لقد كنت أشعر بالزّهو جرّاء ذلك التّشجيع وتلك الإشادات المتتالية. كنت بعد أن أعرض أعمالي على لجنة التّحكيم القابعة في الخلف، وأحصل وبكلّ فخر على لقب (والله إنّك خطييير)، كنتُ أمشي بين الصّفوف بخيلاء.. لنقل إنّهُ من هنا بدأ الدّعم.
وفي منزلي، كان الرّسم يعدّ من إحدى الكبائر، وأنّ الملائكة لن تلقي عليّ السّلام لو فكرت في فعل مثل هذا الذّنب العظيم، وأنّه ربّما تحوّلت إحدى بورتريهاتي إلى إلهِ يعبدُ من دون الله، وأنّه سيكون عليّ آثام كلّ من ينحرف ويقوم بعبادتها، وإفك كثير.. لذلك لم يكن هناك أيّ دعم أبَويّ يعزّز هذه الهواية. وبين هذا وذاك كانت البداية..
  ما أوّل بورتريه قمْت برسمه ولمن كان؟
ما زلت أذكر أوّل مرّة قمت فيها برسم البورتريه، مع أنّي ليس بذلك الشّخص الذي يمكنه تذكّر الأشياء القديمة أو حتى الحديثة. المهم أنّي مازلت أذكر الرّسمة الأولى التي كانت بالقلم الجافّ الأزرق. رسمتها على ظهر ورقة لم أكن أعلم ماهي بصراحة في بداية الأمر، لكن بعد يومين اكتشفت أنّي قمْت برسمها على ظهر صورةٍ لصكّ شرعي كان مهمًّا لوالدي، وربّما هذا سرّ عدم نسيان أوّل بورتريه لي، فكيف تنسى إبداعًا حصلت من خلاله على خطوط حمراء في ظهرك كوسام فخر وثناء على ما قدّمته من إبداعات.. لقد كان البورتريه لميكي ماوس، كشخصيّة كانت تبهرني بحضورها، لم يكن ذلك قرارًا حكيمًا. الصّكوك وصورها لا يمكن أن تكون مساحة لإبداعاتكم يا رفاق!
  وما هي طموحاتك المستقبليّة في هذا المجال؟
هذا السّؤال أكثر الأسئلة تقتلني، لكنّ طموحي في هذا المجال، أنْ أكون رسّامًا حقيقيًّا يرى نفسهُ كذلك، مع أنّي لا أعتقد لعدّة أمور أختزلها في أمرين: الأوّل كوني رسّامًا حقيقيًّا، أيّ إحباطٍ سأعيشه كي أبقى حقيقيًّا، والأمر الثّاني: كوني أرى نفسي، سحقًا، كيف سأفعل هذا، يبدو الأمر صعبًا.. لذلك ما رأيك لو استغنينا عن مسألة الطّموح، وقمْنا بشطب هذا السّؤال المزعج؟!
   موقف طريف أو محزن لا تنساه مرّ بك أثناء مزاولتك هذه الهواية؟
حسنًا.. ربّما كانَ هو موقفًا واحدًا جمع الحالتين، الطّرافة والحزن.. قبل سنة ونصف تقريبًا.. عندما اكتشفت زوجتي بأنّي رسّام الغفلة، لا أنسى تلك اللّحظة وتلك التّعابير التي كانت ترتسم على وجهها. لقد فرحَتْ بي كثيرًا، فأخيرًا وجدت في زوجها شيئًا واحدًا يمكنها أن تفخر به أمام غريماتها التّقليديّات من بني نسوة. كنتُ سعيدًا في تلك اللّحظة. يا له من شعور جيّد أن تنظر إليكَ زوجتكَ وتبتسم في وجهك، لذلك قرّرت أن أسدي لها معروفًا بمناسبة تلك اللّحظات السّعيدة، وليتني لم أفعل.. أذكر حين قلت لها: (لقد قرّرت يا زوجتي العزيزة أن أصنع لكَ بورتريهًا متواضعًا بهذه المناسبة الرائعة)! قالت: (متواضعًا فقط؟!).. فقلت لها: المعنى مجازيّ هنا.. يبدو أنّكِ لا تقرئين كثيرًا لمحمود درويش.. وبدأت هي بالابتسامة، لأبدأ أنا بالرسم.. ولما انتهيت، قلت لها: أغمضي عينيك الجميلتين (لا بدّ من المقبّلات)، أغمضت عينيها، وعندما رَكَزتُ البورتريه نصبَ عينيها، قلت لها: يمكنك الآن يا جميلتي النّظر إلى المرآة !
قالت: هذه ليست أنا، وهي لا تشبهني. أنت رسّام فاشل، إنّي أجمل منها.. في الحقيقة يا رفيقي لم تكن تشبهها إطلاقًا، لقد كانت بكلّ صراحة رسمة بشعة جدًا، أصبت بصدمة، وذهبت المسكينة إلى المرآة تتفقّد وجهها، وتتمتم بكلمات لم أفهمها، ربّما كانت تلقي عليّ بعض الشّتائم، فأنا أستحقّ ذلك، لقد شوّهتها كثيرًا، حتّى إنّها كرهت الرّسم بعد ذلك على ما أعتقد..
  جمعية الفن التشكيلي.. هل حاولت التّواصل معها والانتساب إليها؟
أنا لا أنتمي لأيّ منظمة، سوى منظمة واحدة فقط تُدعى (مركز تسامي للفنون البصريّة) ليس لأنّهم الحمقى الوحيدون القادرون على الرّسم، بل لأنّهم مجموعة من المجانين، الذين يمكنهم أن يفعلوا أيّ شيء في أيّ مجال. إنّهم يفكّرون بطريقة مختلفة، يركضون خارج هذا العالم بمفردهم. لقد كان لهذا "الوكر" الكثير الكثير من الفضل في كوني أبدو كما تشاهدني الآن، ابتداءً من راشد الشعشعي ومساعد الحليس، وانتهاءً بسعيد قمحاوي الذي دائمًا ما كان يخبرني بأنّه أستاذي، لقد كان له بعد الله الكثير من الفضل في إفسادي والله المستعان.. تسامي، هو المكان الذي تمنّيت كثيرًا، أن أقوم بنقل أثاث منزلي إليه، لأعيش به إلى الأبد..
  وكيف ترى أداء مثل هذه الجمعيّات وعنايتها بالمواهب الشابّة؟
لدينا الكثير الكثير من مراكز الرّسم، لكنّ العجائز يتربّعون على عرش الفنون البصريّة، هذا هو التّصوير الوحيد الذي يمكنني أن أقوله عن السّاحة التّشكيليّة في بلدي، وهذا الكلام يعدّ رأيي الخاصّ، من خلال مشاهدتي للكثير الكثير من المسابقات والجوائز، نحن بحاجة ربّما لمصداقيّة أكثر بعيدًا عن التحزّب والشّلليّة. هل أشكّك في مصداقيّة ونزاهة الفنّ في بلدي؟! نعم إنّي أفعَل.
  هل تفكّر في إقامة معرض شخصيّ، وما الذي ينقصك حتّى تقيم معرضك هذا؟
ربّما لا ينقصني شيء، سوى الأعمال. أنا بحاجة لأعمال تبهرني، كي أبادر بإقامة معرض شخصيّ؛ فأنا لا أجد ما يبهرني في أعمالي لحدّ الآن، مثل هذه الأسئلة ربّما لها علاقة بمسألة الطّموح السّابقة الذّكر، كما أنّي كرهت قولك لي: (ما الذي ينقصك)، ولولا خوفي من أن لا تقوم بنشر لقائي هذا، لاصطنعت معك عراكًا عنيفًا!! يقتلني دائمًا من يشكّك في كوني قادرًا على إقامة معرض!
  حسنًا دعك من هذا.. وقلْ لي ما أهمّ الأدوات التي تزاول بها هذه الهواية؟
الفحم والرصاص.. أن تصنع شيئًا من العدم يا رفيقي يُعدّ فخرًا، وربّما في الآونة الأخيرة بدأت أركّز كثيرًا على الفحم، هو يبدو أكثر إمتاعًا من أيّ شيء، على الرّغم من صعوبته. إنّه يعدّ الأصعب والأمتع، حتى حين يخبرك أحدهم بأنّ الألوان تعدّ أكثر متعة، لاتصدّقْه، جرّب الرّسم بالفحم وستشعر بالزّهو وأنت تتحكّم في البياض، تدنّسه بلطف بجمال بروعة.. فأنا أستخدم الفرشاة في توزيع بودرة الفحم على أرجاء البورتريه، ربّما لو أتيحت لي فرصة، لنافست تشيز أستون في المكياج.. ولكان لقاؤنا هنا بشكل مختلف!
  ولكن لماذا يعدّ الرّسم بالفحم من أصعب الأعمال في هذا المجال؟
صعوبته تكمن في طريقة استخدامك للرّسم، ربّما هو الأداة الوحيدة التي لا تقبل الخطأ، كلّما زادت نظافة البورتريه، دلّ ذلك على مهارتك. الفحم إذا وُضع في مكانٍ ما، من الصّعب إزالته، والخطأ فيه غير قابل للتّراجع إطلاقًا.
  شكرًا لك.. هل لك من كلمة أخيرة؟
ربّما لو تركت لي المجال للثّرثرة فلن أصمت، وربّما أوقعتك في مأزقٍ، ستجد نفسك بأنّك مرفوض خارج، أوه نسيت أن أكون لبقًا قليلاً. أحبّ أن أشكر مجلة الإسلام اليوم على هذا اللّقاء واهتمامها بمثل هذه المجالات، التي تُحسَبُ لها، والشكر لكَ يا أخي نايف على نَفَسِكَ الطّويل، لا أعلم كيف أمكنك إجراء هذا الحوار دون أن تمزّق أوراقك وترحل. شكرًا لك وللإسلام اليوم على كلّ حال