"هشيم الحروف"

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في القارئ يكتب . بتاريخ : Jan 1 2011 | العدد :75 | عدد المشاهدات : 2029

"هشيم الحروف"

نسخة للطباعة
تختلف حالات الكاتب حينما يمسك القلم ليكتب خاطرة أو فكرة أو مقالاً.. أو يصور مشهدًا مرَّ بخياله..
فينتابه أحيانًا نوع من أنواع الانتعاش والروحانية والصفاء الذهني.. 
وهو يجمع أفكاره ليسطر حروفاً على ورقاته.. 
ليوصل تلك الأفكار أو يصور ذلك المشهد أو ينثر تلك الخاطرة.. 
لتصل إلى قرَّائه كما عاشها..
فتلمس في حروفه وكلماته أُنسًا وانشراحًا.. 
يضفي عليك ذلك الشعور الذي كتب به.. 
فتحس أن نفسك تنتعش وتتفاعل مع تلك الكلمات.. 
حتى تحس أحيانًا بأنه يحلق بك في كلماته وتصويراته وإلماحاته.
وأحيانًا تحسّ بالألم والحزن.. 
وكأنك تعيش تلك الحالة التي عاشها الكاتب حينما كتب تلك الكلمات..
فعلى الرغم من ارتياحك وانبساطك القلبي.. 
إلاّ أنه يستطيع أن ينقلك معه إلى جوّ من الحزن والسكون.. 
وأحيانًا تنساب دمعات من عينيك تأثّرًا بما تقرأ.
وهناك من يكتب لا لشيء إلاّ ليكتب.. 
أيًا كانت كتابته حتى ولو كانت "هشيم حروف" 
ما إن تقرؤها حتى تتكسّر وتتبعثر وربما لا تكملها.. 
أو لاتعود لقراءتها.. لرداءة معانيها.. ورخاوة مبانيها.. 
وهزالة حروفها.. وكثرة أخطائها.. وضعف إملائها.. 
فلا تؤثر في نفس ولا تستقرّ في قلب..
بل هي كسرابٍ بقيعةٍ إذا جئته لم تجده شيئاً.. 
فهي كهشيم الزرع الذي لم ينتفع به آكل ولا زارع..
وأحيانًا وليس كثيرًا على الصفحات هنا أو هناك.. 
ينغلق عقلك دون فهم ماتقرؤه من حروف وكلمات..
لغموضها ورمزيّتها.. التي ربما قصد الكاتب أن يكتب بهذا النمط.. 
لتقمّصه لذاك الشعور الغامض.. 
أو لغموض شخصية الكاتب الحقيقية.. 
أو لظنه أن الإبداع ولفْت الأنظار.. 
إنما يكون بمثل هذا الاتجاه الغامض.. 
في ترميز الكلمات وتلويحها وبعثرتها.. 
حتى ينتهي القارئ منها.. 
ولم يدرِ ما يريد الكاتب أن يوصل إليه..
وبالمقابل ترتاح نفسك وتسعد.. 
ويحلّق فكرك وروحك مع كلمات.. 
كُتبت بحروف تشعر فيها برصانة الحروف.. وقوّتها وصدقها.. 
وسهولة عباراتها.. وبيان معانيها.. وجمال مبانيها..وانسيابية إيقاعها..
وسرعة وصولها.. ووضوح هدفها..
فتقرأ وأنت تحسّ أن هذه الكلمات والحروف راسية راسخة ثابتة.. 
وتوجس أنها تُنقش على قلبك.. قبل أن تستقرّ في ذهنك وعقلك..
فما إن تنتهي من قراءتها حتى تعود إليها مرة أخرى.. 
لما وجدت لها من لذة وعمق وقرب للنفس... 
وكأنه يحادثك، ويهمس لك بتلك الحروف يخاطب بها روحك وقلبك..
فهنيئًا لمن رزقه الله هذا الفضل وهذا النوع من الكتابة.. 
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء..
فليتنا نسقي زرع حروفنا من وابل فكرنا وعلمنا.. 
ونختار له أرضًا خصبة.. ووقتًا مناسباً لزرْعه وسقْيه.. 
حتى يخضرّ عوده وتشتدّ سوقه.. ويعجب الزرّاع منظره ونظرته.. 
وينتفع به من مرّ عليه من طير وإنسان..
فإن أردت أن تكتب كلامًا وترسم حروفاً.. 
فتجنّب أن تكتب هشيمًا.. فتذروه الرياح..
فلا ينقل منه خبر، ولا يبقى منه أثر..
ولعل حروفي هذه لا تكون هشيمًا.. فتذروها الرياح..

خالد الوهيبي