العنصرية في العالم العربي .. استبداد لعصر جديد

كتب بواسطة: طه عبدالرحمن | في الملف . بتاريخ : Nov 25 2012 | العدد :95 | عدد المشاهدات : 1674

العنصرية في العالم العربي ..  استبداد لعصر جديد

نسخة للطباعة
على الرغم من الأخلاق الفاضلة والتعاليم الدينية التي ينبغي أن يتحلَّى بها العرب والمسلمون، إلا أنَّ هناك العديد من الممارسات التي تشوِّه هذه الصورة، وتدخل في نطاق العنصرية، والتي سرعان ما يتمّ الحديث عنها في العالم العربي لترتبط بتلك التي تمارسها قوات الاحتلال في الأراضي العربية المحتلة، أو كَيْل الولايات المتحدة بمئات المكاييل.
ما يسمى بـ"الربيع العربي" كشف عن العديد من أشكال العنصرية التي يواجهها العرب في بلدانهم، حتى الأخرَى من الدول التي لم تُصِبْها الثورات، حيث يعانِي فيها الوافدون والمقيمون والأجانب العرب- ممن يوصفون هكذا في بعض الدول العربية- من أشكال عِدَّة جراء الاضطهاد والتمييز.
فمعاملة المهاجرين في بعض الدول العربية تؤكّد بما لا يدع مجالاً للشكّ أنَّ العرب الذي يرفض دينهم التمييز والعنصرية، يتعرضون هم لهذه الممارسات في بلدانهم وعلى أيدي أطراف أخرى فيها، سواءٌ كانت أنظمة استبدادية أو جهات عمل، أو ظهور العديد من الظواهر الشاذَّة التي تدعو للتمييز والاضطهاد كالإجراءات الروتينية والفصل التعسّفي والتمييز ضد النساء في الملبس، على نحو المنتقبات من دخول أماكن بعينها، ومعهم الرجال من أصحاب اللِّحى ومن ذوي التوجُّه الإسلامي، فيمنعون من الوصول الى كليات الشرطة والعسكرية، على نحو ما ظهر أخيرًا في مصر من إحالة ضباط أعفوا لحاههم الى التحقيق، وهو أمر لم يكن غريبًا قبل الثورة، غير أنَّه يكون أكثر غرابة بعدها.
حملات الاضطهاد والتمييز لم تقف عند حدود الاستبداد السياسي أو فيما يتعلّق بالحريات الشخصية، ولكن تجاوزته إلى الحق في الحياة، عندما يتم ممارسة أشكال عِدَّة من التمييز بحقّ الخادمات والعمال بالقطاع الخاص، وما الذي تنقله وكالات الأنباء عن حالات وفاة جرَّاء تعذيب الخادمات أو توقيف العمال عن ذلك التمييز ببعيد.
وخلافًا للحالة الفلسطينية التي تعانِي من تمييز واضح بفعل ممارسات الاحتلال الصهيوني، فإنَّ هناك أشكالاً عدة من التمييز في العالم العربي عبر ظواهر عديدة تتعلق بالممارسات العنصرية والتمييز العنصري والخوف من الأجانب، شأن كثير من بلدان العالم، لكنها تَنْفَرد بظواهر لا يكاد يوجد لها نظير في العالم مثل الطابع المؤسَّسي للعنصرية الذي يعانِي منه الشعب الفلسطيني.

حلول عنصرية
وتتميز بعض هذه الظواهر بحِدَّة إطلاق نزاعات عسكرية عنيفة راح ضحيتها أعداد كبيرة من القتلَى والجرحى وتشريد أعداد كبيرة من المواطنين، ونزوح ولجوء ملايين من الأشخاص. ويوصف بعض هذه النزاعات بأنَّه أطول نزاع في تاريخ القارة الإفريقية مثل مشكلة جنوب السودان قبل الانفصال، كما يوصف بعضها بأنَّه الأكثر دموية مثل صراع دارفور وتأخذ بعض هذه الظواهر طابعًا مزمنًا، جراء الإهمال، أو السياسات القمعية، أو التدخل الخارجي، وأصبحت تهدّد وحدة التراب الوطني في بعض البلدان.
ويأخذ بعض هذه الظواهر طابعًا متناميًا في مخاطره، واتساع نطاقه الجغرافي مثل الصراعات الاثنية والقبلية والاجتماعية التي أفرزت أنماطًا من الحلول مثل المحاصصة الطائفية التي تكرِّس الهويات الأولية كمعيار لتولِّي المناصب الرئيسية للدولة بدلاً من الكفاءة، وتعمِّق التمييز في إدارة شئون الدولة، وتعرقل بناء الدولة الحديثة القائمة على مبدأ المساواة أمام القانون.
ويمثّل نمط التعامل مع الأجانب والمهاجرين نمطًا مؤسفًا في الواقع العربي ويتبدَّى أبرز مظاهره فيما يُسَمَّى "بنظام الكفيل" في بعض البلدان، الذي يُخْضِع العاملين الأجانب لإجراءات تمييزية مهينة تبدأ بالتحفُّظ على جواز سفره، وتقييد حركته، والهيمنة على قدرته في الانتقال إلى عمل آخر، وإمكان ترحيله إذا ما وقع خلاف معه.
وتبرز من بين إشكاليات العمالة المهاجرة ظاهِرَة عاملات الخدمة المنزلية، وتتعرَّض هذه الفئة من العاملات لشتَّى أنواع الانتهاكات بدءًا مما يُوصَف بالاتِّجار بالبشر؛ حيث يتم استدراج بعضهن إلى أعمال مُخِلَّة بالآداب بعد أن يكن قد تعاقدن مع شركات الاستقدام على أعمال الخدمة المنزلية، كما يتعرضن للانتقاص من أجورهن، وزيادة ساعات العمل، والمعاملة القاسية، والتحرش الجنسي. ويقوض من قدراتهن على حماية أنفسهن ثلاثة عوامل رئيسية: أولها: عدم امتداد مظلّة الحماية القانونية لهن طبقًا لقوانين العمل المطبقة، وثانيها: طابع العُزْلة الذي يمارسن فيه عملهن في خدمة مخدوميهن، بخلاف مجالات العمل الأخرى التي تتيح الوجود مع عمّال وعاملات آخرين، وثالثها بيئة العمل التي تتيح العقاب البدنِي والتحرُّش الجنسي، وإمكانية تعرضهن لاتهامات من جانب مخدوميهن بالسرقة أو مخالفة القوانين، فضلاً عن صعوبات الوصول إلى العدالة التي يشاركن فيها أقرانهن من العاملين فى المجالات الأخرى.
ولا تتوقف مشكلات العِمَالة المهاجرة فى البلدان العربية عند وضعها كدولٍ مستقبلةٍ لهذه العمالة فحسب، فهناك بلدان مُصَدِّرة لهذه العمالة مثل مصر والسودان، وهناك أخرى تحولت إلى معبر للعمالة المهاجرة وخاصة تلك المتوجهة إلى أوروبا مثل مصر وليبيا والمغرب وموريتانيا.
ومن أشكال التمييز أيضًا، ما هو قائم في جنوب السودان بممارسة الرقّ التي تعرّض لها السودان جراء معاملة القبائل للأسرى في سياق الاقتتال. فيما واصلت حكومة موريتانيا تعزيز جهودها لمكافحة آثار الرقّ، الذي كان قد تَمَّ حظره قانونًا في نوفمبر 1981 لكن بَقِيت بعض آثاره في ضوء عجز النظام الاقتصادي الاجتماعي عن امتصاص آثاره وخاصة في بعض المناطق الريفية، وكذلك بسبب عدم إصدار قانون تنفيذي لقانون 1981.
غير أنَّ هناك بعض البلدان العربية شهدت توجهات إيجابية في مواجهة الممارسات الشبيهة بالرقّ. فاهتمت بالادعاءات المتعلقة بـ"الاتجار بالبشر"، وأجرت حوارات مع مقرري الأمم المتحدة المعنيين بهذه الظاهرة، وشرع بعضها في إصدار تشريعات لمكافحة هذه الظاهرة وإنشاء آليات مُختصَّة بمواجهتها وإعداد تقارير عنها، واتخاذ إجراءات تنفيذية حيالها. فيما لم تسلم بلدان ومجتمعات عربية أخرَى من الاحتقان الطائفي.
ووفق الهيئات الدولية، فإنَّه يمنع ممارسة أي شكل من أشكال التمييز ضد المواطنين أو المهاجرين للدول بفعل الديانة أو الحقوق الشخصية أو الحريات، وهى جميعها الحقوق التي تُوجِب هذه المواثيق حمايتها وإقرارها والعمل على تنفيذها.

تعاون عربي
والواقع، فإنَّ كل البلدان العربية أعلنت تعاونها مع لجنة القضاء على التمييز العنصري التي أعْقَبت مؤتمر ديربان 2001، وبتوقيع جيبوتي على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري في 14 يونيو 2006، تكون البلدان العربية قد انضمَّت جميعها إلى هذه الاتفاقية المهمة، فيما سبق أن أوْرَدت 9 بلدان عربية إعلانات وتحفظات على بعض أحكام الاتفاقية، حول إحالة النزاعات إلى محكمة العدل الدولية، فيما أكَّدت سبع بلدان أنَّ انضمامها للاتفاقية لا يُمثِّل اعترافًا بإسرائيل أو إقامة علاقات معها، وانفردت إحدى الدول العربية بالتنبيه إلى أنَّ المادة 18/ف من الاتفاقية ذات طبيعة تمييزية، داعيةً الى أن يكون الانضمام للاتفاقية مفتوحًا بدون تمييز لكل الدول وبدون أية قيود من أي نوع.
وتتميَّز الجوانب الإيجابية للاتفاقية على ضرورة حماية العمَّال المهاجرين وأفراد أسرهم، وتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها، وحظر السُّخْرة والعمل الجبري، والقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، والخطوات المتخذة لضمان ممارسة النساء لحقوقهن على أساس من المساواة مع الرجال، وتأكيد المساواة بين جميع العمال دون أي تمييز يقوم على الجنسية أو نوع الجنس أو غيره من أشكال التمييز، وتضمين المناهج المدرسية مقررات تعليمية ترمِي لمكافحة التمييز العنصري وتعزيز حقوق الإنسان، وبحث الانضمام للاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين للعام 1951، وإلى العهد الدولِي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وتمثلت أبرز دواعِي القلق والتوصيات الخاصة بالاتفاقية من تَمتُّع السكان الفلسطينيين الموجودين في الدول العربية بجميع الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقية على أساس عدم التمييز، ما يعنِي تهجيرهم من وطنهم، وحصر الحصول على الجنسية عن طريق الوالد، وعدم وجود أية تطورات نحو إنشاء مؤسَّسة وطنية لحقوق الإنسان.
غير أنَّ هناك من يمكن أن يُواجِه مكافحة التمييز في العالم العربي، مثل المستوَى المتدنِي لتعليم المواطنين العرب والذي يمثل عائقًا أمام فرصهم في الالتحاق بالوظائف كما يؤثّر على متوسط الدخل،  والاختبارات النفسية التي تهدف إلى قياس الذكاء والإمكانيات والمهارات الشخصية والتي تمثّل تمييزًا غير مباشر.
وعلى الرغم من ممارسة أشكال عدة من التمييز ببعض الدول، إلا أنَّ ذات الدول تدَّعِي عملها على مكافحته، على نحو ما كان يفعل النظام المصري السابق عندما أعلنت حكومته التزام مصر بالتطبيق الكامل لإعلان وبرنامج عمل ديربان، غير أنَّها لم تترجم ذلك على الأرض، وادَّعت تطوير حقوق الإنسان من خلال منظمات المجتمع المدني، وتدريب العاملين في قطاع العدالة الجنائية، فضلاً عن الدور الذي يلعبه الإعلام في هذا الشأن، وإنشاء المجلس القومي لحقوق الإنسان ليُسْهِم في الإصلاح القانوني والدستوري، غير أنَّ كل ذلك تَمَّ تطويعه ليخدم النظام، ويمارس الاستبداد ضد المواطنين بأشكال مختلفة.
كما سبق أن أعلن النظام السوري أنَّ دمشق لا تعانِي من مشكلة التمييز العنصري، وأنَّها اتخذت إجراءات لمنعه، من خلال خطة خَمْسية لمواجهة قضايا مثل احترام التعددية والمساواة والعدالة الاجتماعية، وتبنّي سوريا شراكة مع منظمات المجتمع المدني لتنفيذ برامج حقوق الإنسان وترصد الحكومة ظاهرة التمييز العنصري لتكون مستعدة للمواجهة في حال وجود أية قضايا يجب مناقشتها أو تطوير استراتيجيات بشأنها، وهي أمور خالفها النظام الحالي بارتكابه لجرائمه، حتى أصبحت جرائم دولية بامتياز