العنصرية تنهش العراق

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Nov 25 2012 | العدد :95 | عدد المشاهدات : 2140

العنصرية  تنهش العراق

نسخة للطباعة
قيام أي دولة في العالم له مقومات وأسس ودعائم تستند عليها الدولة لقيام وديمومة تلك الدولة؛ ولأن العراق يمر- بعد الاحتلال الأمريكي له في عام 2003م وحتى يومنا الحالي- بمراحل مستمرة من سيطرة قوى أخرى غير عراقية على المكون العراقي متمثلة في إيران وأمريكا؛ فيصعب القول، من الناحية القانونية والاجتماعية، بأنَّ عراق اليوم يمثل دولة.
والأسباب كثيرة: لأنَّه مسلوب الإرادة، متحكم بخيوط العملية السياسية، ومرافق الدولة مسيطر عليها من قبل الأمريكان والإيرانيين؛ فمن غير المعقول إذا كانت هذه الحكومة مسلوبة الإرادة يمكن أنْ تقود ما يسمى دولة.
ولعل من بين المفارقات الكثيرة التي يعيشها العراقيون اليوم هي العنصرية، والتي تعتبر محرمة دوليًّا وبكل الأعراف والقوانين, ولكنَّ حكومة المالكي تنتهج العنصرية والطائفية بشتى أشكالها، وليس على مكون معين ولكن يشمل تقريبًا كل الطوائف والمكونات العراقية.
والمتابع للشأن السياسي العراقي يلاحظ ارتفاع وتيرة التعصب العنصري، وانتشار الكراهية، وارتفاع الدعوات للتطهير العرقي ضد الكورد قوميًّا، وضد المسيحيين والصابئة المندائيين والأيزيدية دينيًّا، وضد السنة مذهبيًّا، وبروز ظاهرة التفرد في السلطة، وإدارة الدولة، والابتعاد عن القيم النبيلة؛ مما يشكل انحدارًا شديدًا نحو الهاوية بسبب الابتعاد عن أسس الديمقراطية المعروفة، وعن مبادئ التسامح، والحوار، وحق الاختلاف، والتعايش الذي يجب أنْ يسود بين المواطنين مهما كانت قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم ومعتقداتهم.
وحتى الشيعة لم يستبعدوا من عنصرية هذه الحكومة؛ فقرار مرجعيتهم يخضع لعناصر إيرانية تتحكم في قرار المرجع الشيعي في العراق؛ فطوال تاريخ المرجعية لم تقدم أية مشاريع لشيعة العراق، وينحصر همها وهدفها بإقامة مختلف المشاريع والخدمات في إيران فقط.
فهل هو الاحتقار العنصري الفارسي للعرب الذي يختبئ في نفوس رجال الدين الفرس الذين يمسكون بمقاليد المرجعية الشيعية في النجف وكربلاء؟!.
ومن عوائق قيام الدولة في العراق اليوم فقدان الأمن وانعدامه في أحيان كثيرة؛ فلا يكاد المواطن العراقي يأمن على شيء في العراق حياتِه, أموالِه, عرضِه، وكل شئ يمتلكه؛ وهذا سبب رئيس في عدم الاستقرار؛ فلابد من قيام الدولة أنْ تحظى بأمن واستقرار، وهذا مفقود في العراق.
وترى مؤسسة كارينغي للسلام الدولي، من خلال دراسة أعدتها بهذا الشأن- أنَّ ضعف قوات الأمن الحالية بدأ منذ إنشائها؛ حيث كان متوقعًا من قوات غير نظامية سابقة أنْ تندمج بسرعة في بنية قوةٍ حكومية؛ فالكيانات السياسية- لا الأمنية- هي التي تسيطر على عملية تجنيد قوات الأمن ونشرها، وصنع القرارات الاستراتيجية، وهذا الأمر يؤدي إلى ضعف الاحترافية، وغياب التنسيق بين الجيش والشرطة.
لذلك اعتبر الخبراء أنَّ التوصل إلى إجماع سياسي هو خطوة أساسية في طريق تحسين الأمن؛ إذ إنَّ هذا الإجماع سيساهم في بناء استراتيجية وطنية مشتركة هدفها تحسين الاحترافية والتنسيق فيما بين مختلف فروع قوات الأمن، ولابد- بالتزامن مع ذلك- من الاتفاق على تحديد ماهية الخطر الأكبر الذي يتهدد العراق.
انعدام الأمن في العراق اليوم يعتبر عائقًا قويًّا يمنع قيام دولة عراقية حقيقة؛ فلا يكاد يمر يوم دون وقوع انفجار أو قتل أو اختطاف, والمسئولون الأمنيون في العراق لا يستطيعون مغادرة المنطقة الخضراء دون حراسة مشددة تابعة لشركات أمنية أجنبية متخصصة، فكيف يمكن أنْ تقوم دولة بكل ما تعنيه كلمة دولة؟!.
يرى بعض المحللين والخبراء السياسيين أنَّ وجود أقليات كثيرة في العراق ربما يكون عائقًا قويًّا من ضمن العوائق التي تعرقل قيام دولة عراقية, وهذا ربما ينطبق على واقع العراق بعد الاحتلال الأمريكي، أما قبل ذلك فكانت الأقليات في العراق تعيش متمتعة بكل حقوقها، ولها نفس واجبات المواطنة مع إخوانهم العراقيين، ولكن بعد الاحتلال انتشرت فكرة الفيدرالية والأقاليم والمطالبة بالانفصال.
وقد ابتدأ الأمر بانفصال الأكراد وإقليم كردستان، وبدأت بعدها مطالبات للتركمان وللشبك وبعض المسيحيين في الموصل، وبدأت تظهر الدعوات في أنحاء متفرقة من العراق إلى الفيدرالية والانفصال والحصول على أقاليم خاصة مستقلة ومنفصلة عن الدولة الأم "العراق"، وهذه المطالبات بدأت تشكل عائقًا قويًّا في عدم قيام دولة في العراق.
* ويرى الدكتور رياض صنكال العيثاوي- إعلامي ودكتور في جامعة بغداد- في معرض سؤالنا له عن: هل ترون ما هو موجود في العراق اليوم حكومة ودولة عراقية مستقلة؟
أجابنا دكتور رياض بالقول: الموجود حاليًّا هو محاولة لبناء دولة على أنقاض ما بقي من الدولة السابقة قبل عام 2003م، لكنَّ العراق مازال تحت البند السابع، ومازالت الأموال العراقية في الخارج تحت الحماية الأمريكية، وهناك اتفاقات دولية مثل الاتفاقية الاستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة تحكم علاقات العراق الخارجية.
* وفي سؤالنا للدكتور صنكال: إنْ كنتم لا ترون أنَّ في عراق اليوم مقومات الدولة العراقية فما هي أسباب ذلك؟ هل هو الأمن أم وجود العنصرية والطائفية أم كثرة الأقليات؟
قال الدكتور صنكال: لا يمكن أنْ تقوم دولة على مثل هذه التناقضات والانقسامات المتنوعة؛ مرةً على أساس مذهبي ومرةً قومي، وحتى حكومة الشراكة فقد واجهت انتقادات من داخلها؛ لأنَّها أصبحت عقبة وليس حلًّا نتيجة انعدام الثقة بين الأطراف المختلفة.
أما التنوع فهو ليس مشكلة بحد ذاته؛ فكثير من الدول الكبرى نراها من قوميات ومذاهب قد تمثل المشهد الدولي بأسره، والولايات المتحدة أكبر مثال على ذلك.
* برأيكم ما أهم وأبرز المقومات لقيام الدولة العراقية؟
قال الدكتور صنكال: نستطيع أنْ نوجز مقومات الدولة بما يلي:
- النظر بعين واحدة لكل العراقيين دون تمييز.
- أنْ يكون العراق دولة مدنية، وذات مؤسسات دستورية حقيقة وقوية.
- الاقتصاد القوي يكون النفط أحد أركانه وليس جميعها؛ لأن الاقتصاد هو كلمة السر، ومفتاح الحل لكل الأنظمة بدون استثناء.
- العلاقة الناجحة مع كل دول الجوار مبنية على المصالح المشتركة.
* بتصوركم قيام الدولة العراقية هل يتحقق أم أنَّه بعيد المنال في الفترة الحالية؟
يقول الدكتور رياض: إنَّ الرحلة نحو قيام الدولة وفق الصورة التي نتمناها تحتاج إلى مسيرة طويلة لإذابة كل التناقضات على الساحة، ولكي يتعلم الجميع أنَّ الحل لابد أنْ يكون من الداخل.
وبعد أن استطلعنا بعض العوائق التي تعرقل قيام الدولة العراقية من: عنصرية، الأمن، الأقليات،- وهي بالتأكيد تقف عوائق ضمن العوائق الكثيرة التي تعرقل قيام الدولة العراقية- ولكنْ يبقى السبب الرئيس لعدم قيام تلك الدولة هو "أنْ يعود العراق للعراقيين"، عند ذاك يمكن أنْ تقوم دولة