المدينة تتنفّس حباً

كتب بواسطة: عبدالوهاب الطريري | في الأخيرة . بتاريخ : Jan 1 2011 | العدد :75 | عدد المشاهدات : 2437

المدينة  تتنفّس حباً

نسخة للطباعة
تكاد تظن أنهم يتنفسون الحب مع الهواء الذين يستنشقونه، ويرتوونه مع الماء الذي يشربونه. قد سرى الحب في فجاج حياتهم كلّها، مع قرب العهد بعماية الجاهلية، وجفاء الصحراء، وقساوة الطباع، وإذا بحثت عن السبب وجدت أنه أشرق على نفوسهم فأضاء جوانحها من تلك الشخصية المشعة؛ حيث كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسرج قناديل الحب في كل نواحي الحياة، فهو الذي إذا دخل بيته تعاطى الحب الزوجي في أجمل صوره، مع شربة الماء يحسوها من القدح الذي شربت منه زوجته، فيتحرّى أن يلاقي فمه الطيب موضع فمها بعد أن شربت، وفي لقمة الطعام يتناولها بعد أن أكلت بعضها فيضع فمه حيث وضعت فمها، فيالله كم من رسائل الحب يحملها هذا التعاطي الجميل، وبذلك تحوّلت حجراته الصغيرة إلى خزائن كبيرة للحب.
  يقرؤون الحب النبوي في عاطفة الأبوة تتدفق حباً في مشهد عناق النبي -صلى الله عليه وسلم- لبنيه الحسن وقد ارتمى على صدره، فجعل يشمّه ويقبّله، ويستعلن بحبه فيقول: «اللهم إني أحبه فأحبّه وأحبّ من يحبّه».
كان الحب يسري في حياتهم، وهو صلى الله عليه وسلم يتعاطاه معهم، يسكبه في آذانهم؛ فتنتعش به نفوسهم، وتشرق وترفّ، فها هو يأخذ بيد  معاذ فيقول: «يا معاذ، والله إني لأحبك». فيقول معاذ: بأبي أنت وأمي، والله إني لأحبك. قال: «يا معاذ، أوصيك ألا تدعن في  دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك».
  ينثر الحب في طرقات المدينة وسككها، فيرى بنيّات للأنصار ينشدن ويغنين فيقبل عليهن ويقول: «الله يعلم أني لأحبكن».
   يرون الحب يسري في الحياة مع الأحياء والأموات، فهو يتحدث عن زوجه خديجة بعد وفاتها بسنين فيقول: «إنها كانت وكانت وإني رزقت حبها».
   يرون الحب يسري إلى مظاهر الطبيعة من حولهم؛ فهذا جبل أحد أشهر معالم مدينتهم الطبيعية يشير إليه صلى الله عليه وسلم ويقول: هذا أحد جبل يحبّنا ونحبه.
كان صلى الله عليه وسلم يرفع الستور عن هذه العاطفة الجميلة فبدل أن تكون شعوراً مستكناً يستر، ولا يشهر إذا به يستعلن به ويظهره، ولا يداريه ولا يستره، ويجيب عمرو بن العاص وقد سأله: من أحب الناس إليك؟ فيأتي الجواب ـ سريعاً كالطلقة ـ «زوجتي عائشة».
لقد كان صلى الله عليه وسلم يعلن بهذا أن الحب كمال إنساني واستواء فطري يتعاطى، ويشهر فيزيد الحياة جمالاً وبهجة.
كان يتعاطى الحب ويأمر بتعاطيه والتعالن به؛ فقد كان جالساً مع أصحابه فجاء رجل فسلم عليه، ثم ولّى. فقال أحد أصحابه: يا رسول الله، والله إني لأحب هذا. فقال: «هل أعلمته أنك تحبه». قال:لا. قال: «اذهبْ فأعلم ذاك أخاك».
وكان يقول: «إذا أحب الرجل أخاه فليخبرْه أنه يحبه». 
لقد أصبح الحب عاطفة مبثوثة في حياتهم كلها.
وكما كانوا يرون القدوة في الحب في شخص النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا يتلقون منه التحفيز لنشر الحب وإعلانه في حياتهم.
وهل أعظم من أن جعل النبي صلى الله عليه وسلم الحب شرطاً للإيمان: «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا».
  لذا سرى الحب في حياتهم، فإذا النفوس التي كانت في الجاهلية تتوراث الإحن وتورث الترات، وتُعمِّر في قلوبها الضغائن تتجاوز ذلك كله، فتعيش عافية نفسية وابتهاجاً مع الحياة ساعدها على تجاوز المشاعر السلبية، وتخطي الآلام والوثوب إلى الأمام. كانوا في المدينة يتعاطون الحب صنوفاً؛ وكانت مدينتهم تتنفس حباً وتعطّر حياتهم بالحب..