من الكويت إلى مكة المكرمة «الرحلة الميمونة إلى بيت الله الحرام"

كتب بواسطة: محمد سيد بركة | في الملف . بتاريخ : Nov 27 2012 | العدد :97 | عدد المشاهدات : 3231

من الكويت إلى مكة المكرمة «الرحلة الميمونة إلى بيت الله الحرام"

نسخة للطباعة
يقول الغنيم: وأشهد أنَّ مساعد البدر قد أحسن في وصف الطريق وأجاد، وأنَّه وثَّق مسارًا مهمًّا من طرق الحج بأسلوب دقيق لا نجده عند من سبقه من الرحَّالة الذين سجلوا خط سيرهم للحج إلى بيت الله الحرام، واتسم أسلوبه بالإيجاز، وخلوه من المبالغات التي يلجأ إليها أحيانًا كتَّاب الرحلات، وما أشار إليه من صِعَاب في رحلته لا يتجاوز الواقع الذي كانت عليها ظروف الطرق في الجزيرة العربية في ذلك الوقت.

الكاتب: مساعد يعقوب البدر.
حرَّرها وقدم لها: الدكتور عبد الله يوسف الغنيم.
عدد الصفحات: (200) صفحة من القطع الكبير.
الناشر: مركز البحوث والدراسات الكويتية – الكويت.

الحَجُّ هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو رحلة تعارُف، وعلاقات أخوية أجناس وألوان من البشر... يجمعهم هدف واحد، ومكان واحد، وشعائر واحدة في أيام معدودة، تتسم بلقاءات مفعمة بحب أخوي، تبقى ذكراها ساكنة في النفس، وفيض من الأشواق تحنُّ لها النفوس، وتهفو القلوب نحو الشعائر ورفقة الأماكن.
ولقد صدر عن مركز البحوث والدراسات الكويتية مؤخرًا كتابٌ بعنوان الرحلة الميمونة إلى بيت الله الحرام، كتبها مساعد يعقوب البدر العام 1932م، وحرَّرها وقدم لها الدكتور عبد الله يوسف الغنيم، رئيس مركز البحوث والدراسات الكويتية، واصفًا هذه الرحلة بأنَّها أول سجل موثَّق لمسار حُجَّاج الكويت بواسطة الجِمال، رصد فيه الكاتب حركة القافلة بالساعة والدقيقة منذ خروجها من الكويت نحو حفر الباطن فمدينة بريدة، فالمدينة المنورة، فمكة المكرمة، ثم العودة عبر سهل ركبة فمرَّان وضَريَّة، إلى مدينة بريدة، ومنها إلى الكويت في رحلة استغرقت نحو ثلاثة أشهر.

مخطوط الرحلة
قصة الكتَّاب- كما يرويها الدكتور عبد الله يوسف الغنيم- تعود إلى إهداء الدكتور عبد اللطيف أحمد البدر، مدير جامعة الكويت، مجموعةً من وثائق أسرة البدر، وكانت المفاجأة وجود كرَّاسة صغيرة "وثيقة" تتضمن سجلاً مخطوطًا بعنوان: الرحلة الميمونة إلى بيت الله الحرام، قام بكتابتها مساعد يعقوب البدر، يصف فيها رحلته من الكويت إلى مكة المكرمة، حاجًا على ظهور الإبل عام 1932م، حيث غادر الكويت يوم 18 فبراير وعاد إليها يوم 23 مايو.
مؤلف الرحلة- الكِتَّاب- صاحب الرحلة الميمونة إلى بيت الله الحرام هو: مساعد يعقوب البدر، رجل من رجالات الكويت المعدودين، التحق بالمدرسة المباركية، وحضر دروس الشيخ عبدالله الخلف الوقيان، كما كان إمامًا وخطيبًا لمسجد البدر، ولديه مكتبة عامرة، درس اللغة الإنجليزية في مدرسة الإرسالية الأمريكية، إلى جانب العلم الشرعي، عمل في التجارة العامة وتجارة اللؤلؤ مع إخوته في بداية حياته، ثم عُيِّن مفتشًا للجمرك البحري، ومديرًا عامًّا لإدارة الكهرباء والماء، تُوفِّي في بيروت عام 1966م.
وهو من عائلة كريمة لها مكانتها المشهودة في تاريخ الكويت، وكان من أبرز رجالها "يوسف عبد المحسن البدر"- رحمه الله- (1800م – 1879م)، الذي عُرِف بأياديه البيضاء، وتفانيه في خدمة مواطنيه، وكان ديوانه مقصد رجال العلم والأدب من أمثال الشاعر الشعبي المعروف "محمد بن لعبون"، والشاعر الموصلي المبدع "عبد الغفار الأخرس".
يشير الدكتور الغنيم إلى أنَّ: مخطوط الرحلة الميمونة كُتِبَ في دفتر مدرسي من الحجم المتوسط بالحبر الأسود، والعناوين الرئيسة بالحبر الأحمر، وقد وضع عنوان الرحلة في صفحة مستقلة "الرحلة الميمونة إلى بيت الله الحرام".
كتب المخطوط في دفتر مدرسي ووضع عنوان الرحلة في صفحة مستقلة "الرحلة الميمونة إلى بيت الله الحرام"، ووُضِعَ في الهامش الأيمن من الصفحة جدولٌ يسجل فيه مسار القافلة في كل يوم من أيام الرحلة بالساعات والدقائق، وتحمل بعض الصفحات عناوين جانبية مثل: من الكويت إلى الحفر، ومن بريدة إلى المدينة المنورة، ومن المدينة المنورة إلى مكة المكرمة، ومن بريدة إلى الوطن المحروس الكويت...
وبعد عودته إلى الكويت يخصص صفحة عن وصف بيت الله الحرام، يتحدث فيها عن: الكعبة، والحَجَر الأسود، وبئر زمزم، ومقام سيدنا إبراهيم- عليه السلام-، ووقت إحرام الكعبة، وكنسها. وفي المخطوطة تفصيلات أخرى عن رحلته إلى الصبيحية وبغداد.

الرحلة الميمونة
يشير الدكتور الغنيم إلى أنَّ أول تسجيل موثَّق لرحلة حجَّاج الكويت إلى مكة المكرمة كانت القصيدة التي نظمها الشيخ "عبد الله خلف الدحيان"، رحمه الله، عام 1906م، ووصل عدد أبيات القصيدة إلى 156 بيتًا؛ الذي غادر الكويت- بمعية جماعة من آل البدر- بطريق
البر في 16 من شوال عام 1324 هجرية / 3 من ديسمبر 1906 ميلادية، فوصل إلى المدينة المنورة يوم 19 من ذي القعدة 1324 هجرية / 4 من يناير 1907 ميلادية، وبعد أنْ مكث فيها نحو ثماني ليالٍ غادرها إلى مكة المكرمة، التي وصل إليها يوم 6 من ذي الحجة / 12 من يناير 1907 ميلادية، وبعد أنْ قضى مناسك الحج عادت الحملة بطريق البر، أمَّا هو ورفاقه من آل البدر فقد سافروا من جدَّة بطريق البحر بالباخرة إلى مومباي، وبعد أنْ مكثوا هناك نحو أسبوع استقلوا مركبًا آخر نقلهم إلى البصرة، ومنها إلى الكويت التي وصلوا إليها في 26 من محرم عام 1325 هجرية / 11 من مارس 1907 ميلادية.
وقد بلغ عدد أبيات القصيدة المذكورة 156 بيتًا، وصف فيها أحوال الطريق منذ خروجهم من الكويت إلى حين عودتهم، ومدح فيها رفاقه في تلك الرحلة.
جاء الكتاب في قسمين، ومقدمة لمحرر الكتَّاب، وتمهيد يتضمن أربعة موضوعات وهي: نبذة عن الكاتب، ووصف المخطوط ومضمون الرحلة، ومنهج المحرر في إعداد الكِتَاب-الرحلة- للنشر.
في القسم الأول وتحت عنوان: الرحلة الميمونة: صياغة جديدة، وضع د. عبد الله يوسف الغنيم خريطةً تبين المسار الذي سلكه الكاتب من تفصيل كامل للمدن والأماكن والمسافات، كأنَّك تطالع رحلة سير جغرافية على حقيقتها، ويسير مع الرحلة مبينًا المواقع الجغرافية، ومستعينًا بصور الأقمار الاصطناعية، والخرائط، والصور الخاصة التي تدلل على المكان، مع نشر أول صورة.
وفي القسم الثاني الرحلة الميمونة: الأصل والشرح، عبارة عن قراءة شرح للكلمات والجُمَل والمواقع التي وردت في المخطوطة، بحيث يتتبع القارئ خط سير الكاتب، ويتعرف على كل التفاصيل، ويقف على الأسلوب المكتوب في المخطوطة، ومقابلة معاني تلك الجمل والأماكن والأسماء...، واحتوى الكتاب على فهرس الأعلام، وفهرس الأماكن، وقائمة بالمراجع.
ويوضح الدكتور عبد الله الغنيم أنَّ هذه الرحلة تُعَدُّ أول سجل موثق لمسار حجَّاج الكويت بوساطة الجِمَال؛ حيث رصد فيها الكاتب حركة القافلة بالساعة والدقيقة منذ خروجها من الكويت نحو حفر الباطن فمدينة بريدة فالمدينة المنورة فمكة المكرمة، ثم العودة عبر سهل ركبة، ثم من مدينة بريدة إلى الكويت، في رحلة استغرقت نحو ثلاثة أشهر.

مسار الرحلة
يصف الكاتب الطريق من الكويت إلى مكة المكرمة، والعودة منها بعد أداء فريضة الحج، وقد تم له ذلك على ظهور الإبل- قبل استخدام السيارات في حملات الحج-، وقد استغرقت تلك الرحلة نحو 95 يومًا؛ ابتداء من 18 من فبراير إلى 23 من مايو عام 1932م.
وقد ذكر الكاتب من كان في صحبته من حجاج الكويت؛ فنص على ثلاث حملات لعثمان الراشد وابن حمود والفلاح، وذكر من أسماء العائلات التي صاحبت حملتهم الصقر، والحميضي، والسمكة، والدويري، والعصفور، والفليج، والصميط، وجماعة من العوازم، والمفرح، وابن زوير، وابن مديرس، والمشاري.
أمَّا الأشخاص الذين ذكرهم بالاسم فهم: محمد بن محطب، وإبراهيم الحفيتي، وعلي حسين التمار، وشاهين الفودري، وإبراهيم بن سيار، ويوسف الصميط، وسبيكة الصميط.
وقدَّر عدد خيام الحجَّاج عند الحفر بنحو خمسين خيمة، وعند وصولهم إلى المدينة المنورة ذكر مجموعة من الحجَّاج الذين أتوا عن طريق البحر وهم: محمد الزاحم، وفهد الزاحم، وإبراهيم الخميس، وأحمد ابل، وعبد العزيز الحمر، وابن سدحان.
وأفادنا العم مساعد البدر - صاحب الرحلة - بأنَّه كان معهم في طريق الحج في تلك السنة الشيخ صباح، ولم يذكر من هو صباح المقصود، كما أنَّه لم يشر إليه بصفته أميرًا للحج، وإنْ كان تصرفه مع الحجاج يدل على تلك الصفة؛ فقد ذكر مرة أنَّ الشيخ صباح تأخر عن الركب بسبب ضياع ستة جِمَال للعوازم، وعندما تاه ابن زوير وابن مديرس عن الطريق بَحَث عنهم رجال الشيخ صباح وأرشدوهم إلى الطريق.
وتجدر الإشارة إلى أنَّه حتى عام 1926م كان أمير الحج عبد العزيز بن حسن، الذي استمر في عمله هذا نحو عشرين عامًا، وهو من آل مهنا من القصيم، وقد ذكر اسمه أميرًا للحج في عام 1906م ضمن يوميات الخليج.
وتُعَدُّ هذه الرحلة أول وصف دقيق للطريق المذكور، تتبع الكاتب منازله والمسافات بين تلك المنازل بالساعات والدقائق، وقدم تقريرًا واضحًا لمعالم سطح الأرض التي يمر بها الطريق مثل: الأودية، والشعاب، والجبال، والخبرات، والكثبان الرملية، والآبار...، وذكر ما ينبت في أنحاء الطريق من النباتات كالعشر، والعرفج، والحمض، والسدر، والدوم، وغير ذلك من أنواع الشجر والنبات.
وسجَّل الكاتب أسماء القرى والبلاد التي كانت على طريق الحج المذكور أو قريبة منه، وكان يذكر أحيانًا سكانًا من القبائل وعددهم وأميرهم في ذلك الوقت، وسجَّل أيضًا أسماء الأودية والكثبان الرملية والجبال التي كانت في طريق رحلة الحج وأشكالها.
ويصف الدكتور عبد الله الغنيم- الذي حرر وقدم مادة الكتاب- قائلًا: لقد كانت لي معرفة سابقة بالمناطق التي وصفها مساعد البدر، كاتب هذه الرحلة؛ فقد ذهبت إلى الحج بطريق السيارات القديم مرتين في عامي 1958م و1959م، ثم قمت بدراسة ميدانية عِلْمية عن أشكال سطح الأرض في الجزيرة العربية عام 1973م تنقلت فيها بين معظم المناطق التي سار فيها الكاتب مثل: مناطق اللعاعة، وضرية، ومسكة، وجبال طمية، والأبانان، وعسعس، وشعبى، وعيده، وسواج، ورمال المظهور، وعريق الدسم، وغير ذلك من المناطق التي لم يمحها الزمن من ذاكرتي وسجلتها في دراسة جغرافية نشرت عام 1999م.
ويتابع الغنيم قائلا: وأشهد أنَّ مساعد البدر قد أحسن في وصف الطريق وأجاد، وأنَّه وثَّق مسارًا مهمًّا من طرق الحج بأسلوب دقيق لا نجده عند من سبقه من الرحَّالة الذين سجلوا خط سيرهم للحج إلى بيت الله الحرام، واتسم أسلوبه بالإيجاز، وخلوه من المبالغات التي يلجأ إليها أحيانًا كتَّاب الرحلات، وما أشار إليه من صِعَاب في رحلته لا يتجاوز الواقع الذي كانت عليها ظروف الطرق في الجزيرة العربية في ذلك الوقت.
أمَّا عن مسار الرحلة فهو يبدأ من: الكويت إلى الحفر ومنها إلى بريدة عبر كثبان الدهناء ومرورًا بمحطة أساسية وهي قبة، ومن بريدة تتجه القافلة إلى المدينة المنورة مرورًا بعقلة الصقور والنقرة وعرجا والحناكية، ومن المدينة المنورة لم تأخذ القافلة الطريق المعتاد إلى مكة- وهو طريق ذو الحليفة وبدر ورابغ الذي يسير في سهل تهامة إلى مكة- بل يعود الحجاج شرقًا ليأخذوا طريق الحج القديم المعروف بطريق زبيدة، وهو يأخذ بين حرتي رهاط وكشب مارًّا بأفيعية وبركة المسلح، ومن ثَمَّ يُحْرم الحاج من الضريبة عند قرن المنازل أو السيل، وهو ميقات حجاج نجد، ومن هناك إلى مكة لقضاء مناسك الحج.
أمَّا عن طريق العودة إلى الكويت، فيسير الطريق في مراحله الأولى باتجاه الشمال الشرقي إلى بركة العقيق، ثم يعبر هضبة ركبة إلى مران، ويتجه شمالًا إلى الطرف الجنوبي من عريق الدسم (نفود العريق) الذي يقطعه بالاتجاه إلى ضرية شرقًا، ثم يتحول إلى الشمال والشمال الشرقي إلى بريدة حيث يعود من الطريق نفسه الذي سلكته القافلة في ذهابها إلى الحج، وأجزاء كثيرة من الطريق يتفق مع طريق الحج القديم (درب زبيدة).
كما حفل الكتاب بأسماء ومصطلحات حَرَص على توضيحها وشرحها الدكتور عبد الله الغنيم