محمد الفيتوري شاعر إفريقيا ويوميات حاج إلى بيت الله الحرام

كتب بواسطة: محمد سيد بركة | في الملف . بتاريخ : Nov 27 2012 | العدد :97 | عدد المشاهدات : 4236

محمد الفيتوري  شاعر إفريقيا ويوميات حاج إلى بيت الله الحرام

نسخة للطباعة
ليس ثَمَّة شك أنَّ تجربة الحج من التجارب الإنسانية الخالدة، تلهم الشعراء والأدباء، وتمنحهم من روعتها وجلالها عواطفَ وأحاسيس روحية عميقة، وهي- على تنوعها وألوانها وأطيافها- تثير أخيلة الشعراء، وتمدهم بصور حسية وواقعية، وتهيِّج في نفوسهم أرقى أنواع المشاعر الإنسانية، وتفتق أذهانهم عن معانٍ كبيرة ترتد إلى التاريخ الأول للدعوة الإسلامية في أول انطلاقها من الجزيرة العربية، وتعيش حاضر المسلمين المؤلم والمتردي مع الأسف، وتتطلع إلى مستقبل أرحب حين تتحقق أهداف الأمة الإسلامية والعربية.

 شاعر إفريقيا الفيتوري في قصيدته "يوميات حاج إلى بيت الله الحرام"، التي نظمها عام 1968م إثر الهزيمة الكبرى التي مُنِيَ بها العالم العربي عام 1967م، كان موضوعها قضية العرب أمام تحدِّيات العصر وتحديات الصهاينة، يعرضها أحد حجَّاج بيت الله الحرام على النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- رجل العرب ورسول الإنسانية، والشاعر يريد من هذه الجموع الحاجَّة أنْ تتبصر بشئونها الدنيوية إلى جانب اهتمامها بالشئون الدينية، وأنْ تفهم الدين على حقيقته

في غيبته الشعرية الطويلة، وابتعاده عن الندوات والملتقيات؛ حيث لم يعد الجسد فتيًّا ليقاوم صخب الحياة، ولا الصوت جهوريًّا كما كان ليصدح في الأمسيَّات، ولا يمينه ثابتة لتخُط من معين الشعر- انحسرت الأضواء عن الشاعر السوداني "محمد الفيتوري"، ولم تعد وسائل الإعلام تذكره إلا بإشاعات عن وفاته تتناقلها مواقع الإنترنت. وقال الفيتوري- معلقًا على خبر وفاته- جملة واحدة: "الشعراء لا يموتون".
شاعر إفريقيا مازال حيًّا يعيش بالمغرب- متَّعه الله بالصحة والعافية- في رحلة إبداعية طويلة، مازال محمد الفيتوري يتنفس شعرًا؛ فقد كان مبدعًا ملتزمًا بالمعنى الإنساني للكلمة، ومناضلا ضد التمييز، ومنحازًا للإنسان أينما كان، وشاعر إفريقيا العربي بامتياز.
يعد الشاعر "محمد الفيتوري" علامةً بارزة في حركة الشعر العربي، وإضافة حقيقية له؛ إلا أنَّ لمساته الأبنوسية ظاهرة شديدة الألق؛ فهي- مثل الطبيعة الإفريقية- صارخة وصاخبة، وفي براءة الإنسان الإفريقي عارية لا زيف فيها.
وليس جديدًا القولُ أنَّ محمد الفيتوري قد جمع بين نشيد إفريقيا وبين الشعر والسياسة، التي قاده إليها عملُه الدبلوماسي خصوصًا؛ إذ له أكثر من ملمح.

شاعر التخوم
نشأة الفيتوري ورحلته الطويلة مع الأدب والسياسة والصحافة- جعلته شاعر التخوم لا ينتمي إلى وطن نهائي، كما يقول الكاتب اللبناني عبده وازن؛ فهو يقيم على تخوم الخريطة العربية والإفريقية، وعلى تخوم العروبة والزنوجة أيضًا، وكذلك على تخوم الغناء والالتزام والكلاسيكية والرومنطيقية والحداثة.
وُلِد محمد الفيتوري في بلدة الجنينة، عاصمة دار مساليت، الواقعة على حدود السودان الغربية، والمساليت من القبائل السودانية الكبيرة التي اشتهرت بالفروسية.‏ والطريف في الأمر أنَّ شاعرنا يجهل تاريخ ميلاده إلا أنَّ زوجة الفيتوري السابقة السيدة "آسيا" أكَّدت أنَّ ميلاد الفيتوري كان سنة 1929م، كما أخبرها حموها الشيخ "مفتاح رجب الفيتوري"، والد شاعرنا.‏
أمَّا والدته، فهي الحاجة "عزيزة علي سعيد"، من أسرة معروفة من قبيلة الجهمة العربية الحجازية، التي هاجرت إلى صعيد مصر ومن ثَمَّ إلى ليبيا، وكانت تشتهر بالتجارة والفروسية، وقد عَرفتْ أسرة شاعرنا الهجرةَ أكثر من مرَّة؛ فوالده هاجر من ليبيا إلى غرب السودان قبيل الحرب العالمية الأولى؛ هربًا من وطأة الاستعمار الإيطالي, كما أنَّ أسرة الأم قد هاجرت أيضًا إلى هناك حيث استقرت الأسرتان فتعرَّف والد الفيتوري بالوالدة وتزوجها، ومن غرب السودان هاجرت الأسرة الجديدة إلى مصر فالإسكندرية؛ حيث نشأ شاعرنا وترعرع.‏
التحق الفيتوري في بداية الأمر بمدرسة الأخلاق لحفظ القرآن الكريم تأهبًا لدخول الأزهر الشريف،‏ حفظ القرآن الكريم لكنه عانى الكثير من حفظه له، كما تلقى مبادئ الحساب والإنشاء والأناشيد.‏
وعندما قامت الحرب العالمية الثانية كان الفيتوري في المدرسة الأولية في الإسكندرية، وقد عاش هو وأقرانه حالة من الرعب؛ نتيجة الغارات الألمانية وقنابلها التي أحدثت الكثير من الفواجع في المنطقة, وهذا ما ولَّد حالةً من القلق والشعور بالحزن والتوتر لدى شاعرنا.
كما كان لأقاصيص جدته الزنجية وأساطيرها أثرها الكبير والبعيد في نفسه؛ لهذا بقي يبحث عن الحقيقة.‏
وعندما اشتدت وطأة الحرب عام 1944م انتقلت أسرته إلى ريف مصر قرية عرمش في منطقة كفر الدوار، وهناك اتحد الفيتوري بالطبيعة بكل مظاهرها, وعاش جمالياتها، وراقب الفلاحين وهم يعملون ويكدحون:‏

كانت جموع السحب‏
كان الدجى يرخي جناحيه على القرية‏
وكانت لأوجه ذات الأسى‏
ذات العيون الاستوائية‏
قد انزوت خلف سراديبها‏
تحلم بالنار وبالثورة‏
وانتصبت أذرعهم في الدجى
مثل محاريب علاها الصدأ‏

وعندما وضعت الحرب أوزارها عاد الفيتوري إلى الإسكندرية؛ ليتابع دراسته في المعهد الابتدائي حتى عام 1947م، ثم التحق بالمعهد الديني التابع للأزهر في الإسكندرية؛ حيث بدأت مسيرته الحقيقية لفَهْم اللغة العربية، والتعرف على مصادرها، والفلسفة الإسلامية، وبعض العلوم الحديثة كالحساب والجغرافيا والرسم.
بعدها دخل إلى المعهد الديني الثانوي في القاهرة، ثم الأزهر الشريف حتى عام 1953م, ومن الأزهر انتقل الفيتوري إلى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة؛ حيث قضى سنتين، ثم تركها دون أنْ ينال شهادتها منصرفًا إلى الصحافة.
وأثناء دراسته في كلية دار العلوم نشر ديوانه الأول: "أغاني إفريقيا" عام 1955م؛ فأقامت له الكلية حفلة تكريمية تشجيعًا واعتزازًا بطالبٍ استطاع أنْ يهز الأوساط الأدبية والفكرية في مصر والوطن العربي بالقضية التي تناولها في هذا الديوان ودفاعه عنها ألَا وهي القضية الإفريقية.‏
لقد ترك الجامعة قبل أنْ ينهي دارسته فيها، واتجه نحو العمل الصحافي؛ هاربًا من رتابة الدروس، وقوانين وقيود الجامعة، والحقيقة أنَّ عمله في الصحافة أَمِن له لقمة العيش، وهو ما كان يبحث عنه.‏

القلب الحالم النقي
ويصوِّر الفيتوري نظرات الناس التي كانت تلاحقه بسبب: لون بشرته الأسود، وقصر قامته، وفقره إلا أنَّه يبقى الرجل الحالم، الذي تستيقظ النجوم في قلبه النقي الطيب:‏

فقير أجل.. ودميم دميم‏ْْ
بلون الشتاء.. بلون الغيومْ‏ْْ
يسير فتسخر منه الوجوه‏ْْْ
وتسخر حتى وجوه الهمومْ‏
فيحمل أحقاده في جنونْ
ويحضن أحزانه في وجومْ‏
ولكنه أبدًا حالم‏
وفي قلبه يقظات النجومْ‏ْْْْْْْ

ورغم حقده وغضبه واشمئزازه من تلك النظرات يبقى متسلحًا بالكرامة؛ فاللون الأسود ليس عيبًا أو مذلة:‏

قُلْها لا تجبن.. لا تجبن‏
قلها في وجه البشرية‏
أنا زنجي‏
وأبي زنجي الجد‏
وأمي زنجية‏
أنا أسود‏
أسود لكني حر امتلك الحرية‏

وكثيرًا ما أعلن ثورته السوداء قائلاً:‏

لتنتفضْ جثة تاريخنا‏
ولينتصبْ تمثال أحقادنا‏
آن لهذا الأسود.. المنزوي‏
المتواري عن عيون السنا‏
آن له أنْ يتحدى الورى‏

مارس الفيتوري أثناء إقامته في القاهرة العملَ الصحافي، وكتب الكثير من الدراسات الأدبية والسياسية والمقابلات في صحيفة الجمهورية.
وبعد انتقاله إلى السودان عام 1958م رَأَس تحرير أكثر من مجلة وجريدة؛ ومن أبرزها مجلة "الإذاعة والتلفزيون" السودانية.
وفي لبنان عمل محررًا أدبيًّا في مجلة "الأسبوع الأدبي"، ومحررًا في جريدة "بيروت"، وشارك في إصدار مجلة "الديار"، كما أسند إليه مهام رئيس تحرير مجلة "الثقافة العربية الليبية".‏
كما شغل وظيفة خبير إعلامي في جامعة الدول العربية في القاهرة، إلَّا أنَّه ترك وظيفته هذه وقدِم إلى بيروت ليعمل من جديد في الصحافة، لكنَّ الفيتوري أُبعِد عن لبنان لأسباب قيل إنَّها سياسية، وقد اختار السفر إلى ليبيا، ومن ثَمَّ إلى دمشق، وكان لإبعاده ضجة في الأوساط الفكرية التي استنكرت هذا الترحيل، وسُمِح له بالعودة إلى لبنان في 8 مايو عام 1975م.

أهم مؤلفاته
1- أغاني إفريقيا 1955م - شعر.
2- عاشق من إفريقيا 1964م - شعر.
3- اذكريني يا إفريقيا 1965م - شعر.
4- سقوط دبشليم 1968م - شعر.
5- معزوفة لدرويش متجول 1969م - شعر.
6- سولارا "مسرحية شعرية" 1970م.
7- البطل والثورة والمشنقة 1972م - شعر.
8- أقوال شاهد إثبات 1973م - شعر.
9- ابتسمي حتى تمر الخيل 1975م- شعر.
10- عصفورة الدم 1983م - شعر.
11- ثورة عمر المختار 1974م - مسرحية.
3- عالم الصحافة العربية والأجنبية- دراسة- دمشق 1981م.
4- الموجَب والسالب في الصحافة العربية- دراسة- دمشق 1986م.

الكتب المترجمة:
5- نحو فهم المستقبلية- دراسة- دمشق 1983م.
6- التعليم في بريطانيا.
7- تعليم الكبار في الدول النامية.

يوميات حاج إلى
بيت الله الحرام
ليس ثَمَّة شك أنَّ تجربة الحج من التجارب الإنسانية الخالدة، تلهم الشعراء والأدباء، وتمنحهم من روعتها وجلالها عواطفَ وأحاسيس روحية عميقة، وهي- على تنوعها وألوانها وأطيافها- تثير أخيلة الشعراء، وتمدهم بصور حسية وواقعية، وتهيِّج في نفوسهم أرقى أنواع المشاعر الإنسانية، وتفتق أذهانهم عن معانٍ كبيرة ترتد إلى التاريخ الأول للدعوة الإسلامية في أول انطلاقها من الجزيرة العربية، وتعيش حاضر المسلمين المؤلم والمتردي مع الأسف، وتتطلع إلى مستقبل أرحب حين تتحقق أهداف الأمة الإسلامية والعربية.
إنَّ هذه التجربة القدسية تدعو الشعراء أنْ يقفوا أمام مسئوليتهم الأدبية ورسالتهم؛ فيعبروا بحقٍّ عما يجيش في نفوسهم من آراء سياسية وأفكار دينية عامرة، منحتهم إياها المواقف المتعددة الألوان في هذه المناسبة الدينية السامية؛ فلبس الإحرام له معنى التجرد من زخارف الحياة، ومناسك الحج من طوافٍ وسعي لها في كل منسك معانيه الدينية والإنسانية، والوقوف بعرفات متجردين متساوين على اختلاف عروقهم ولغاتهم وألوانهم بلباس واحد يغمره البياض الناصع كالحقيقة الواضحة.
ولِغِنَى هذه التجربة الدينية المقدسة وخصوبتها نجد كثيرًا من الشعراء قد صوروا مشاعرهم فيها، ووصفوها لنا وصفًا دقيقًا وواقعيًّا.
من هؤلاء، شاعر إفريقيا الفيتوري في قصيدته "يوميات حاج إلى بيت الله الحرام"، التي نظمها عام 1968م إثر الهزيمة الكبرى التي مُنِيَ بها العالم العربي عام 1967م، فموضوعها قضية العرب أمام تحدِّيات العصر وتحديات الصهاينة، يعرضها أحد حجَّاج بيت الله الحرام على النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- رجل العرب ورسول الإنسانية، والشاعر يريد من هذه الجموع الحاجَّة أنْ تتبصر بشئونها الدنيوية إلى جانب اهتمامها بالشئون الدينية، وأنْ تفهم الدين على حقيقته:

قوافلٌ ياسيِّدي قلوبنا إليكْ
تحجُّ كلَّ عامْ
هياكلٌ مثقلةٌ بالوجدِ والهيامْ
تسجد عند عتبات البيت والمقامْ
تُقرئك السلامْ
ياسيِّدي
عليك أفضل السلام.
على الرفات النبويِّ كلُّ ذرّةٍ عمود من ضياءْ
منتصبٌ من قبَّة الضريح
حتَّى قبَّة السماء
على المهابة التي
تخفض دون قدرك الجباهْ
راسمةً على مدار الأفق أفقًا عاليًا
من الأكفِّ والشفاه
يموج باسم الله:
الحمد لك
والشكر لك
والمجد لك
والملك لك
يا واهب النعمة يا مليك كلِّ من ملك
لبَّيك لا شريك لك
لبيك لا شريك لك

يؤكِّد الشاعر هنا أنَّ هذه الأمَّة المضاعة قد تاهت في سراديب الظلام فضيَّعت شخصيَّتها الحقيقية وتنكَّرت لِقِيَمِها، وأنكرت حضارتها الأصيلة:

يا سيِّدي عليك أفضل السلام
من أمَّة مُضاعه
خاسرة البضاعهْ
تقذفُها حضارة الخراب والظلام
إليك كلَّ عام
لعلَّها أنْ تجد الشفاعهْ
لشمسها العمياء في الزحام ...
يا سيِّدي
منذ ردمنا البحر بالسدودْ
وانتصبت ما بيننا وبينك الحدودْ
مِتْنَا
وداست فوقنا ماشيةُ اليهودْ ...
يا سيدي
تعلمُ أنْ كان لنا مجدٌ وضيَّعناه
بَنَيْتَه أنت، وهدَّمناه
واليوم ها نحن!
أجل يا سيدي
نرفلُ في سقطتنا العظيمهْ
كأنَّنا شواهدٌ قديمهْ
تعيش عمرها لكي
تؤَرِّخَ الهزيمهْ!  …
لا جمرَ في عظامنا ولا رمادْ
لا ثلجَ لا سوادْ
لا الكفر كلُّه ولا العباده
الضعفُ والذلَّة عاده
يا سيِّدي
علَّمتنا الحبَّ
فعلِّمنا تمرَّد الإرادهْ …
ابكِ لنا
وادعُ لنا
فالعصرُ في داخلنا جدارْ
إن لم نهدِّمْهُ
فلن يغسلَنا النهارْ