تحديد أعداد الحجاج .. ضرورة واقعية .. أم متاهة سياسية؟

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Nov 27 2012 | العدد :97 | عدد المشاهدات : 3341

تحديد أعداد الحجاج .. ضرورة واقعية .. أم متاهة سياسية؟

نسخة للطباعة
مما لا يخفى على الكل أن فريضة الحج مشروطة بأماكن محددة ومشاعر مقدسة لا يصح الحج إلا بالوقوف بها، كمنى ومزدلفة وصعيد عرفات الطاهر، ونظراً للزيادة المضطردة في أعداد المسلمين حول العالم، انعكست هذه الزيادة على أعداد الحجيج في كل عام، الأمر الذي استلزم معه تحديد أعداد الحجاج بنسب معينة، كل دولة يحق لها نسبة معينة قياساً إلى عدد سكانها، فرض هذا الأمر واقع المسجد الحرام والمشاعر المقدسة، طمعاً في تقديم خدمة، وتوفير حج مناسب لكل من يؤم البيت العتيق.
إلا أن هذا التحديد لم يخلُ من مشاكل وآثار سلبية، فدول غير إسلامية مثل الهند والصين يعيش بها مئات الملايين من المسلمين، ودول إسلامية ذات تسجل أعداد سكانها أرقاما كبيرة مثل أندونيسيا وباكستان وغيرها، من المستحيل حسابياً أن يُتاح الحج لكل قادر نوى على الحج، الأمر الذي يجبر حجاج تلك الدول على القرعة التي تبتسم للبعض حيناً، وتخيب آمال البعض أحياناً أخر.
هذا التحديد كان محل نقاش طرحته "الإسلام اليوم" حيث تباينت الآراء إزاءه، فالشيخ عبدالله الجفن أيده بقوله: المسألة فيها إطلاق وفيها عموم، فقوله تعالى "وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق" في هذه الآية الدعوة هنا لم تُحدد بل جاءت على الإطلاق، ولكن ولله الحمد هذا الركن على الاستطاعة فلو كان واجباً لوضعنا مسألة تحديد أعداد الحجاج في موضع النظر، ولكنه ليس واجباً على الإطلاق وإنما قيد بشرط الاستطاعة، ولعل تحديد أعداد الحجاج فيه ضرورة ملحة في أيامنا هذه، ضرورة تتحقق فيها المحافظة على الأرواح، وتتيح للسلطات المسؤولة القيام بأعباء الحج، ولنا أن نتخيل لو لم يكن هناك تحديد لأعداد الحجيج، أعتقد أنه ستفلت زمام الأمور من يد السائس أو المدبر لهذا الأمر.

الضرورات تبيح المحظورات
ويضيف الجفن: أنا أتصور لو أن الأمر فتح على مصراعيه لشاهدنا في عرفة من 7 إلى 10 ملايين حاج، هذا إن لم يكن أكثر، هذه الأعداد من أين تأكل ومن أين تشرب وأين تقيم؟ وكيف سيكون شكل الحركة في مكة والمشاعر المقدسة؟
سنجد هناك من يقول أن المشاعر بها بركة لكننا نقول أن التنظيم وحده كفيل بمثل هذه الأعداد، كما يجري حاليا من إدخال القطارات وتجهيز البنى التحتية لاستيعاب أعداد أكبر من الأعداد التي يتم استيعابها حاليا، لكننا اليوم نحتاج إلى التحديد وهو ضرورة ملحة، ولعل الضرورات تبيح المحظورات، وأحكام الشرع تتغير رهناً للواقع، وليس هناك مانع للتحديد.
ولذلك أرى أن الناس ارتاحت ولله الحمد، تؤدي حجها على أكمل وجه ثم ترجع آمنة مطمئنة، وكلما قل العدد كلما حظينا بخدمات أعظم وأكثر، فالتحديد ضرورة إلى أن يتيح الواقع فتح المجال لأعداد أكبر، يكفي النظر إلى زحام السيارات والمواصلات وتعطيل حركة المرور، ومثلما يعرف الجميع، فالبعض من الحجيج لا يصل إلى مبتغاهم إلا في اليوم الثاني أو الثالث، تخيل حاجاً لا يصل إلى عرفة إلا في اليوم التالي، فالعلماء لم يفتوا بجواز التحديد إلا لأجل ضرورة ملحة، لأجل إظهار هذه الشعيرة بوجهها الأكمل والأمثل.

الحج بين الدين والسياحة
ارتفاع الأسعار الهائل في أسعار الحملات .. هل الحج رحلة سياحية أم دينية؟ يجيب الجفن: مثل هذه القضية أصبحت حديث المجالس في الفترة الأخيرة، وقد أبدينا رأينا أكثر من مرة تجاه هذه القضية، الحقيقة أن هناك نوعية من الحجاج تشترط حجاً راقياً أو ما تصطلح عليه العامة بحج “vip” هذا الرقي تشترطه في الخدمات المقدمة، من باصات ومخيمات ومأكولات ومشروبات وغيرها، هذا الرقي الذي يبحث عنه البعض يتنافى مع الرسالة السامية للحج، ينبغي على الحاج أن يتمثل هذه الرسالة في ملبسه وسلوكه ونوعية استهلاكه في الحج، على الحاج أن يتجرد من ثيابه ويخرج من هذه الدنيا ومن رفاهيتها، ما الفائدة أن يخرج من رفاهية إلى رفاهية؟ من رسائل الحج السامية أن يتساوى الأغنياء مع الفقراء، وأن يشعر الفرد بهول المحشر وفظاعته، لا أن يجعل البعض منا فريضة الحج رحلة مرفهة لا تحقق مقاصد الشريعة من الحج.
ومن ناحية أخرى الاشتراطات الكثيرة ترفع من مستوى الخدمات المقدمة فترتفع الأسعار تبعا لذلك، الأمر الذي يشكل خسارة فادحة لأصحاب هذه الحملات، فالحج كما يعلم الجميع شرطه الاستطاعة، فمن لم يستطع فلا حج عليه، لذلك أرى أن أصحاب هذه الحملات مهددون بفقدان هؤلاء الحجاج نظرا لارتفاع أسعار حملاتهم، ورسالتي في هذه القضية لأصحاب الحملات أن هذه الفريضة هي فريضة عظيمة يكفي أن الحاج فيها ضيف للرحمن تبارك وتعالى، فلا ينبغي الغش ولا التدليس ولا رفع الأسعار وليتقي الله في هؤلاء الحجاج، وأرى أنه لو تدخلت الجهات الرقابية لضبط الأسعار فتصدر عند كل سنة خاصة قائمة بأسعار الحملات بناء على مستوى الخدمات فإنها بذلك ستقدم خدمة عظيمة لضيوف الرحمن، لا يعقل أن حملات في العام الماضي كانت تقدم خدماتها بـ"6000" آلاف ريال، أصبحت تقدم خدماتها لهذا العام بـ"13000" ريال، في ارتفاع لا يمكن تبريره سوى تحت المثل القائل" من أمِن العقوبة، أساء الأدب".

هل يمكن
للتحديد أن يتم؟
لكن الشيخ سعود الفنيسان طرح وجهة نظر مغايرة حين توجهنا إلينا بالسؤال التالي: هل هناك ضرورة شرعية تستدعي معها تحديد أعداد الحجاج؟ أجاب: نعم أرى أن هناك ضرورة لتحديد أعداد الحجاج؛ لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن لهذا التحديد أن يتم؟ لأن هذا التحديد يرتبط بالقضايا السياسية أولاً، والسياسات تختلف من دولة لأخرى، والمسلمون عددهم كبير جداً، ومن ثم دولهم ـ خاصة الدول غير الإسلامية أو الحكومات غير الإسلامية ـ لا تشجع شعوبها المسلمة على الحج، ومن ثم يكون هناك مخالفات كثيرة من منع وتشديد ووضع عراقيل، فمن هنا أرى أن التحديد لا يؤدي ثمرة، فلو نظرنا إلى عدد المسلمين الذي يبلغ قرابة المليار أو أكثر، فمتى سيحج هذا العدد إذا كان عدد الحجاج بالكاد يصل إلى 3 ملايين؟ التحديد لا يتحقق أساساً، فمثلاً الدولة السعودية تخضع لعلاقاتها مع دولة أخرى فتعطيها نسبة أكبر، ودولة أخرى تمنع مواطنيها من الحج أو تشترط شروطاً صعبة عليهم، أو تطرأ قضايا سياسية تستدعي معها تغيير نسبة الحجاج من دولة إلى أخرى، الإشكال أن التحديد تتداخل فيه السياسة.
ويضيف: لو كانت السياسة لا تتدخل في الدين، بحيث لو أن الحكومات غير الإسلامية لا تتدخل في حريات شعوبها الدينية، لقلت أن التحديد هنا مطلب، لكن بما أن العدد مرتهن لظروف أخرى غير التحديد، فلا داعي أصلاً للتحديد، هناك أفراد في شرق آسيا مثلاً وفي الدول الإسلامية التي كانت تحت سيطرة الاتحاد السوفييتي السابق يتمنون ومن سنين طويلة أن تتاح لهم فرصة الحج، فرصة لا تظلمهم فيها القرعة المطبقة حالياً، المرتهنة للغش وللمحسوبيات وللفساد الإداري.

رؤية مغايرة
ويمضي الفنيسان في رؤيته حينما يطالب باستبدال التحديد بالتوعية حين يقول: أرى أن نستغني عن التحديد ونستبدله بالتوعية، نستهدف بالتوعية المسلمين في بلادهم، قبل وصولهم إلى الديار المقدسة، التوعية لهم بأن الحج للقادر المستطيع مرة في العمر، وأيضاً تكرار الحج لأكثر من سنة أرى أنه أمر لا بد من إعادة النظر فيه، فلو أن المبالغ المصروفة على حج النافلة، خُصصت للجهاد ولدعم إخواننا في سوريا وبورما لكان أفضل من صرف المبالغ على حج النافلة، إلا من كان معلماً وموجهاً لمناسك الحج فهذا شأن آخر.
واقع جديد للاستطاعة
وانتقد الفنيسان مغالاة أصحاب الحملات في أسعارهم معتبراً أن ما يقوم به أصحاب هذه الحملات أمر مخز ومؤلم، ويضيف:
بالنسبة لأسعار الحملات حاليا أرى أنها تطرح واقعاً جديدا لمفهوم الاستطاعة، واقع قد يعفي البعض من الناس من فريضة الحج نظرا لظروفهم التي لا تستطيع توفير المالغ الكبيرة التي يشترطها أصحاب الحملات حاليا، مثل هذا الرأي فيه وجاهة، أرى أن الحاج يبقى على نيته، متى ما تيسر له الحج، لأن الحج ليس على الفور، فالمغالاة في أسعار حملات الحج الحالية، الخارجية منها والداخلية، هي أمر مخزٍ ومؤلم وهذه المغالاة لا تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة كما يبرر بعض أصحاب الحملات، المغالاة هذه ناتجة عن البحث عن المصلحة الذاتية الشخصية، أكثر من كونها ناتجة عن خدمات تُقدم