د. محمد شومان للإسلام اليوم: للإعلام دور بارز في تعميق الانتماء الوطني

كتب بواسطة: عمرو محمد | في حوار . بتاريخ : Nov 27 2012 | العدد :97 | عدد المشاهدات : 4560

د. محمد شومان للإسلام اليوم: للإعلام دور بارز في تعميق الانتماء الوطني

نسخة للطباعة
حالاتٌ كثيرة من الاستعداء تُبدِيها الحكومات- سواء كانت عربية أو غربية- من بعض أجهزة ووسائل الإعلام، حتى أصبحت تضيق بكلمات ترسلها هذه الفضائيات، على الرغم من شعارات الحرية والدفاع عن الرأي والرأي الآخر!.
وفي حديثه لمجلة"الإسلام اليوم" يشرح الدكتور "محمد شومان"- أستاذ الإعلام بجامعة عين شمس المصرية، وعميد المعهد الدولي العالي للإعلام- أبعادَ ضيق الحكومات للفضائيات، وخبايا هذا الضيق، معتبرًا أنَّ المجتمعات الغربية هي الخاسر الأكبر من إغلاق الفضائيات العربية، وتقييد الحريات، مؤكدًا أنَّ للإعلام دور بارز لتعميق الانتماء الوطني.
وفي المقابل، فإنَّه يرى أنَّ مصلحة البعض بث فضائيات كونها أصبحت تناقش قضايا تلهي الناس عن قضايا واقعهم، مؤكدًا أنَّ مُشغِّلي الأقمار الصناعية ليست مستقلة؛ فجميعها تابعة للدول أو لشركات احتكارية ترتبط بدورها بعلاقات شراكة وتحالفات سياسية مع حكومات.

  برأيك كيف يمكن للإعلام تعميق الوطنية لدى متلقيه؟.
- لاشك أنَّ للإعلام دورًا بارزًا لتعميق الانتماء الوطني، وهناك أنماط عديدة يمكن لأجهزة ووسائل الإعلام أنْ تعمل عليها لتعميق الانتماء الوطني، وذلك من خلال عناصر العمل المهني المختلفة، ولكنْ من الضروري أنْ يكون هناك تفعيل لمواثيق الشرف الإعلامي؛ بحيث يكون هناك متابعة لأدائها بما يجعلها تعمل على تعميق الانتماء الوطني.
 من خلال اهتمامكم بقضية الإعلام والأزمات، هل تعتقدون أنَّ الإعلام أصبح بمثابة أزمة للحكومات العربية وبعض الدول الغربية؟.
- أودُّ التوقف بدايةً عند مفهوم الفضائيات العربية؛ فهو مفهوم مطَّاط ومراوغ، وأحيانًا يستخدم للمدح أو للنقد؛ فالفضائيات العربية مجال واسع، ويشمل عدة مئات من الفضائيات بلغ في بعض التقديرات أكثر من 500 فضائية، وبالتالي فنحن أمام طيفٍ واسع من الفضائيات الجادة، وفي المقابل أخرى مبتذله، وضمن هذا الطيف توجد قنوات إخبارية جيدة، وفضائيات للسحر والشعوذة والموضة والمسابقات وفضائيات للتسلية وهكذا.
هذا الطيف الفضائي غير موجود في أغلب دول العالم؛ فهناك ضوابط ومعايير لاستقبال البث، والذي يتم أغلبه عبر "الكابل" مقابل تسديد اشتراك شهري.
أمَّا ما يحدث في مصر من ديمقراطية تكنولوجية غير مسبوقة فإنَّها تمكِّن أي شركة أو مواطن من امتلاك قناة فضائية، وكذلك أي مواطن من استقبال مئات القنوات مجانًا وبدون ضوابط؛ فإنَّ هذا أمرٌ يثير مشكلات وأزمات غير مسبوقة.
في هذا الإطار، فإنَّني أرى أنَّ أغلب القنوات الفضائية لا تثير أزمة للدول العربية أو الغربية، بل إنَّها مطلوبة ومرغوبة من تلك الحكومات، ويمكن الادعاء بأنَّ بعضها يتلقى دعمًا ما من الحكومات لأنَّها تقوم بدورٍ فعَّال ومتواصل لتزييف وعْي الناس وإلهائهم بأمور شكلية تبعدهم عن السياسة، بل وعن التفكير في الشان العام.

أزمات فضائية
 لكنَّنا نجد حكومات عربية وأخرى غربية تضيق ببعض الفضائيات، وخاصة التي تحمل فكرًا سياسيًّا، أو التي تدعو إلى المقاومة؟.
- بالفعل، هناك عدد قليل من الفضائيات ربَّما يثير مشكلات وأزمات ناتجة أولًا: عن رغبة وقدرة هذه القنوات على بثِّ مواد إعلامية تكشف تحيزات الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، واستخدامهم لمعايير مزدوجة في التعامل مع العرب والمسلمين.
ثانيًا: فإنَّ مثل هذه القنوات قد تنشر أخبارًا وتحليلات تكشف عن التجاوزات الأمنية وانتهاكات حقوق الانسان في بعض الدول العربية، فضلًا عن حالات الفساد السياسي والاقتصادي، ما يثير غضب هذه الأنظمة.
كما أنَّ هناك قنوات حكومية وأخرى خاصة تركز على بعض الأمور، وتتناولها بطريقة تثير أزمات في العلاقات بين الشعوب العربية أو بين الحكومات العربية، على نحو ما سبق وحدث من التغطية الإعلامية لمباراتي مصر والجزائر؛ حيث ارتكب الإعلام المصري والجزائري أخطاءً بالجملة، ووقعت ممارسات تفتقر للحد الادني من أخلاقيات تقاليد العمل الإعلامي.
 في تقديرك، ما سِرُّ اهتمام بعض الدول الكبرى بإغلاق القنوات الفضائية، وخاصة العربية منها؟.
- الحالات التي وقعت بالفعل أو يجري التفكير فيها ترتبط بمفهوم هذه الدول، وتقييمها لبعض القنوات بأنَّها تشجع على العنف والإرهاب، وهو مفهوم يتطلب تحديدًا؛ فما تراه تلك الدول إرهابًا هو ضمن أولويات شعوب المنطقة واجبًا وطنيًّا أو دينيًّا، بل وحقًّا وواجبًا للدفاع عن النفس.
 وما الذي يدفع دولة كبرى ما إلى محاربة وسيلة إعلامية ومحاولة إعدامها؟.
- بغضِّ النظر عن تأويل واستخدام مفهوم الإرهاب للمصادرة على حرية الرأي والتعبير يجب أنْ نعترف أنَّ هناك أصواتًا كثيرة داخل الدول الكبرى، أقدمت على خطوة الإغلاق، تدافع عن حق قنوات فضائية في أحقيتها في الرأي والتعبير.
ومن هذه الزاوية، أرى أنَّ الخاسر الأكبر في هذا الملف هو المجتمعات الغربية التي سمحت لحكوماتها بإيقاف أو معاقبة قنوات مخالفة لها في الرأي؛ فالمصادرة لا تفيد خاصة في ظل وجود شبكة "الإنترنت"، ومواقعه التي تصل إلى الناس كافة.

معارك فضائية
 وبرأيك هل باتت الفضائيات وسيلةً جديدة في معارك المتنافرين والمتصارعين؟.
- لا شك في ذلك؛ فوسائل الإعلام عبر تاريخها هي أدوات لممارسة السلطة والصراع الداخلي والخارجي، ومن ثَمَّ ندرس لطلابنا أنَّه لا يوجد إعلام موضوعي تمامًا أو خالٍ من الغرض؛ فالإعلام أداة من أدوات الصراع الاجتماعي والسياسي والدفاع عن المصالح الخارجية.
وعندما ظهرت الفضائيات أو شبكة "الإنترنت" استخدمت القنوات الفضائية ومواقع "الإنترنت" في معارك وصراعات القوى المتخاصمة داخليًّا وخارجيًّا.
ولكنْ مع الإقرار بهذه الحقيقة- التي تكشف لنا لماذا تُمَوِّل الحكومات أو رجال الأعمال وسائل الإعلام؟- أودُّ أنْ أقرر حقيقة أخرى وهي: أنَّنا يجب أنْ نعمل من أجل تقليص الطابع السياسي والصراعي لوسائل الإعلام؛ لصالح الجوانب الإعلامية المهنية، التي تَعنِي تقديم الأخبار، والرأي، والرأي الآخر، وكفالة حرية الإعلام، وتقليص الجوانب الأيديولوجية والسياسية في الإعلام، وليس القضاء عليها؛ لأنَّ هذا الهدف من المستحيل تحقيقه.
 وهل هناك أحكام وأخلاقيات للبثِّ الفضائي يمكن اللجوء إليها لتعريف المحتوى الإعلامي وبالتالي إقفال القناة أو استمرارها؟.
- هناك كثير من المواثيق والمدونات فضلًا عن القوانين، لكنَّ الإشكالية أنَّ الادعاء بأنَّ هذا المضمون يحرض على الإرهاب هي الأداة التي تستخدم للمنع والمصادرة.
وكما قلت فإنَّ المفهوم مراوغ ومختلف عليه ويصعب تحديده، ومع ذلك فكل المواثيق والقوانين الإعلامية تحرص على منع الدعوات الإرهابية أو المضامين التي تدعو للإرهاب، وبالطبع فكل بلد ستعرف الإرهاب بالكيفية التي تخدم مصالحها السياسية.
كما أنَّ بعض الدول الغربية والإسلامية تستخدم الإرهاب كفزَّاعة للضغط على الإعلام وتقييد حريته، بل وللقضاء على حرية الإعلام.
  وبرأيك من يقرِّر إغلاق القناة؟.
- أغلبية المجتمع هو صاحب الحق في هذا، لكنْ عادة ما ينتزع هذا الحق وتمارسه هيئات تدعي تمثيل المجتمع، وأعتقد أنَّ الإغلاق نهج قاصر وغير تاريخي، مثله مثل عقوبة الإعدام، والتي قررت أغلبية دول العالم التوقف عن تطبيقها.
ولاشك أنَّ إغلاق قناة سيدفع لإطلاق عشر قنوات جديدة تقدم المضامين ذاتها، وإغلاق قناة أو مصادرة صحيفة أو موقع على "الإنترنت" سيدفع إلى إطلاق عشرات الصحف الإلكترونية وعشرات المواقع الجديدة.
 وأخيرًا... كيف تنظر في هذا السياق إلى دور الجهات المشغِّلة للأقمار الصناعية؟.
- بشكل عام لا توجد جهات مشغِّلة للأقمار الصناعية مستقلة؛ فكلها تقريبًا تابعة للدول أو لشركات احتكارية ترتبط بدورها بعلاقات شراكة وتحالفات سياسية مع حكومات.
وبالتالي فإنَّ الجهات المشغِّلة للأقمار ستطيع الأوامر، وتنفذ ما تقرره الحكومات ضد أو مع تلك القناة، وسوف تظهر قريبًا أقمارٌ جديدة ترعى بث قنوات بعينها؛ أي أنَّ الصراع لن يقتصر على القنوات بل على أقمار وأخرى.
ولنتأمل مثلًا ما أعلن عن إطلاق قطر وإيران لقمرين صناعيين جديدين، وكيف سيتنافسان ويتصارعان مع القمر المصري"نايل سات".
وأذكر أنَّ الفضائيات لا تثير كل هذه المشاكل إلَّا في منطقتنا العربية المحرومة من الحريات، والتي "تعشعش" فيها أنظمة استبدادية، بينما في أغلب دول العالم التي تتمتع بأنظمة أكثر ديمقراطية من أنظمتنا العربية يتم البث عبر "الكابل" وفق أنظمة أكثر تعقيدًا من استقبال البث في بيوتنا العربية، وبأساليب أكثر مهنية تضمن حقوق الفضائيات، وحرية التعبير وفق ضوابط مجتمعية