«دروز بلغراد» صرخة روائية .. لتاريخ مؤلم

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في قراءة نقدية . بتاريخ : Nov 27 2012 | العدد :97 | عدد المشاهدات : 3806

«دروز بلغراد» صرخة روائية .. لتاريخ مؤلم

نسخة للطباعة
فيما يشبه الاعتراض على كل المحاولات الحثيثة لتعميم هوية ولغة وخطاب واحد سائد، يكون المحمل الشامي المتجه إلى مكة لأداء فريضة الحج، حبل النجاة الذي يتمسك به "المسيحي: حنا يعقوب" بطل رواية "دروز بلغراد" لإنهاء عذاباته وآلامه التي استمرت في أقبية بلغراد وسجونها لأكثر من 12 عاماً.
وكانت رواية "دروز بلغراد" قد حصلت على جائزة البوكر في نسختها العربية، في دورتها الخامسة، بعدما اعتبر نقاد لجنة تحكيم جائزة البوكر العربية أن هذه الرواية هي "العمل الأكثر تميزاً ولمعاناً واجتهاداً فاستحقت جائزة البوكر العربية للرواية للعام 2012 لتصويرها القوي لهشاشة الوضع الإنساني من خلال إعادة خلق قراءة تاريخية ماضية في لغة عالية الحساسية".
 ويلتقي جابر في روايته هذه، مع قضية أمين معلوف "وحدة الأديان" التي كرسها في كثير من أعماله ابتداء بـ"ليون الإفريقي"  مرورا بـ"رحلة بالداسار" وانتهاء عند  "سلالم الشرق" هذه القضية أصبحت الشغل الشاغل لعالم هذه اللحظة الممتلئ لغة طائفية مهدت للكثير من الحروب والنزاعات والمآسي الدامية.
روائي بارع
 ويعتبر الكاتب اللبناني العتيد سمير عطا الله أن  "دروز بلغراد" عثروا على روائي بارع اختار الحرفة الأكثر صعوبة. يقول سمير عطا الله: "أقرأ أخبار الساعة وأحوال الأمة، وأقرأ في "دروز بلغراد" رواية ربيع جابر الحائزة على جائزة بوكر هذا العام، وما بين سرد ربيع جابر عن ظلم القرن التاسع عشر، وتفاصيل الأحداث في القرن الحادي والعشرين، أشعر بانقباض خانق. هل العذابات والعبودية والاضطهاد والتنكيل وظلام السجون وطحالبها، هي لعنة طويلة؟
ترى أشخاص ربيع جابر يتنقلون من بيروت إلى البلقان، كما تراهم على التلفزيونات اليوم. سجناء لا يعرفون لماذا؟ وضحايا لا يعرفون لماذا؟ ورجالاً يحفرون قبورهم قبل الخروج من المنازل إلى متاهة الموت والحياة. لكن "دروز بلغراد" عثروا على روائي بارع، لعله عمل في التطريز قبل الانتقال إلى الحرفة الأكثر صعوبة ودقة".
ورغم امتنان عطا الله لحبكة جابر الروائية المستحضرة لكافة التفاصيل، الرابطة بين الفصول بكل حرفية ودقة، إلا أن الأهم من وجهة نظر عطا الله هو المناخ التاريخي الأليم الذي يحرك فيه جابر أبطاله بكل دقة حين يكتب:
"لا يفلت منه تفصيل ولا يغب عنه العودة إلى ما سبق، لكي يربط الفصول بكل أناة ودقة وحرفة. الحبكة الروائية مذهلة ومثيرة، لكن ليست هي الأهم في أعمال ربيع جابر. الأهم هو المناخ التاريخي المؤلم والأليم، الذي يحرك أبطاله وأشخاصه ولوحاته المرسومة بالحبر الأسود".
كما يعتبر عطا الله الروائي ربيع جابر، يعتبره باحثاً، عالماً وعاشقاً لتفاصيل الحياة الجبلية، لا تغيب عن خياله مكونات ميناء بيروت القديم، أو عادات قوافل الحجيج البلقانية، عارفاً بمتاهات بلغراد كما لو كان ساعياً للبريد فيها، يزاوج ما بين البحث الهائل والمخيلة الملحاحة من أجل أن يسبغ أكبر قدر من الواقعية على ما يكتب. يقول عطا الله: "ثمة عشق للتفاصيل وترتيب تراتبي مذهل لها. وإنني أستعير هذا التعبير منه إذ يصف قنا للدجاج في إحدى قرى البوسنة عند الغروب، فيقول «إن الدجاجات صفقت أجنحتها تريد ترتيب نومها». تراه عالما بتفاصيل الحياة في حقول الجبل، أو في ميناء بيروت القديم، أو في قافلة الحجيج المقبلة من البلقان بخيرها وإحسانها. ونراه عارفا ببلغراد مثل ساعي بريد صربي. يسخر البحث الهائل الدقة كما يستخدم مخيلته الملحاحة التي لا تشبع، من أجل أن يبدو المتخيل متمادي الواقعية"
 هوس بالتفاصيل
قافلة الحجيج المقبلة من البلقان، والمتجهة إلى تركيا ومن ثم سوريا فيما يعرف بـ"المحمل الشامي" والتي كانت سبباً في نجاة "حنا يعقوب" يصفها بجابر بدقة كبيرة كما لوكان قيّماً عليها، ساعده في ذلك مخيلة ملحاحة، وبحث دؤوب في كتب التاريخ، واهتمام إلى حد الهوس بأصغر التفاصيل.
"هذه المرة لم يجرف ثلجاً، ولم يحفر أقنية ولا قبوراً، سار معتمداً على عصاه متجنباً جر قدمه. حين بدأ يتعب وينعس ويمسح عرقاً عن وجهه امتدت أيدي الحجاج ورفعته مثل دمية خفيفة إلى عربة "ديليجانس" بستة أحصنة. أقعدوه كأنه وُلد على الدكة الخشب.
ترنح ناعساً بين أجسام كثيرة ساهرة لكنه لم يسقط. نام هكذا بينما القافلة تمتد في الليل وسط قرع الأجراس الصغيرة التي تزين الحمير وتجلجل كلما زادت سرعتها. فتح عينيه لحظة ولمح جملاً سريعاً تعطيه أقمشة مزركشة وجلود ثمينة. خفقت راية صفراء فوق هودج مكسو بالمحمل الأخضر. حَمَلة القناديل تراكضوا كالملائكة. تضوعت رائحة الزيت والمسك والعنبر. كان شبه نائم لكن بهجتهم ظلت تبلغ أعماقه بينما يتبادلون قصصاً سعداء بالرحلة إلى مكة".
اهتمامه بالتفاصيل لم يقف عند مجرد الأشكال، بل إنه يتعداها حد الغوص في الموروثات الدينية الشعبية لشعوب البلقان في القرن التاسع عشر، فها هو الراعي المقدوني المسلم، يقنع السجين "المسيحي" الهارب" بفكرة الحج عل بيته يكون قريبا من بيت الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة: "جدي قال لي إن الدراويش يسيرون إلى مكة حفاة يسكنون جنب بيت الرسول في الجنة، وكلما كان بيت الفقير أبعد من مكة ورحلته أطول وأصعب كلما كان بيته في الجنة أقرب إلى بيت الرسول".
يكتب ربيع جابر مستحضراً الأمل في واقع التاريخ المؤلم، ربما لأنه يؤمن بما يقول: " يمكن للجنة أن تكون قريبة إلى هذا الحد .. من جهنم"