حج وبيع سبح

كتب بواسطة: سمير خميس | في الملف . بتاريخ : Nov 27 2012 | العدد :97 | عدد المشاهدات : 2361

حج وبيع سبح

نسخة للطباعة
يعتبر الشاب محمد سِلْمي المواسم الدينية كشهر رمضان المبارك وموسم الحج فرصة مناسبة لزيادة دخله، حيث يمتلك السلمي سيارة أجرة اقتناها لمواجهة أعباء الحياة التي لم يعد يكفيها مجرد وظيفة، إذ لا بد من نشاط آخر يضاعف به الفرد دخله على حد رأي السّلْمي.
ويصطلح أهل الحجاز على تسمية هذه المهنة بـ"الكدادة" فيما يطلق على السائق مسمى "كدّاد" ونشأت هذه التسمية قبل نحو سبعين عاماً، إذ كان المكيون يستعينون بالحناطير في ذلك الوقت لإيصال الركاب من مكان استقبال الحجيج في بحرة، أو حداء، إلى مكة المكرمة، ليتطور الأمر بظهور السيارات إلى إنشاء نقابة للسيارات، وهي النقابة الوحيدة التي تعمل بترخيص حكومي.
ورغم النقلة الكبيرة في هذا المجال، بدءاً بظهور شركات النقل الجماعي، وصولاً إلى إنشاء قطار الحرمين، إلا أن السّلْمي يصر على مواصلة نشاطه، مؤكدا على أن هناك الكثير من الناس الذين لا يحبذون السفر في الباصات الكبيرة، والبعض الآخر الذي لا تسمح له ظروفهم بركوب القطار، الأمر الذي يجعله دائما ما يحرص على استغلال مثل هذه المواسم، طالما أن الزبائن لا زالوا بحاجة إليه وإلى بقية "الكدّادة" كما يعبر بذلك ويزيد: الأعداد الكبيرة من الحجاج يصعب حصرها بشركات النقل الجماعي، فكانت المبادرات الفردية التي اشتهر بها أهل الحجاز من ميكروباصات وسيارات نقل صغيرة، ونظرة بسيطة إلى "مواقف الركاب" في مدينة جدة تعطيك صورة واضحة عن الجهد الذي يقوم به "الكدّادة".
ويدافع السّلْمي عن نفسه وعن زملاء مهنته جرّاء الأصوات المتعالية التي تتهمهم بالجشع حين يقول: مع بداية كل موسم دائما ما تتردد هذه الاتهامات دون التأمل في واقعنا الفعلي الذي نعاني منه من مشاكل عدة من زحام نتعطل فيه لساعات كثيرة بالإضافة إلى القوانين المرورية المرتجلة عند كل موسم، ويضيف: ولا ننس المتطفلين على مثل هذه المهنة والذين هم برأيي من أهم الأسباب التي شوهت مهنة "الكدادة".

وظائف موسمية
كما يمثل موسم الحج فرصة كبيرة لطلاب الثانويات العامة والجامعات، إذ أن موسما كالحج يستوعب أعدادا كبيرة من الوظائف الموسمية، التي يلتجئ القائمون عليها إلى الطلاب بشكل عام، إذ يحرص علي الخليوي على الالتحاق بهذه الوظائف المؤقتة، على الرغم من تخرجه من الثانوية وإنهائه لمرحلته الجامعية والتحاقه بإحدى الوظائف الحكومية، إلا أن سنوات من الانتظام في مثل هذه الوظائف الموسمية خلقت نوعا من الألفة لم تمحوه سنوات من الدراسة والعمل الحكومي.
ويضيف الخليوي: بحكم عملي في صالة استقبال الحجاج بمطار الملك عبدالعزيز بجدة، يتاح لي الالتقاء بأجناس شتى من الحجاج، الأمر الذي يمثل نوعا من التحدي المختلط ببعض المتعة التي تتجدد في كل عام، مشيراً إلى قدرته المتمثلة في الحديث بأكثر من لغة وبطلاقة، خاصة الإنجليزية والفارسية نتيجة لعمله الدائم مع حجاج يجيدون هذه اللغتين.
وعن أبرز المواقف التي يتعرض لها، يشير الخليوي إلى أن لحظة وصول الحجاج إلى مطار جدة، عادة ما تكون لحظة خاصة جدا، سيما إذا عرفنا أن سنينا من الانتظار والصبر يقضيها الحاج من أجل هذه اللحظة، بالإضافة إلى القلق المعتاد الذي يبديه الحجاج خاصة على أمتعتهم الشخصية، ليتحول هذا القلق إلى مواقف كاريكاتورية عند البحث عن أمتعة ضائعة.

حج وبيع مسابح
إلا أن الشاب محمد اللقماني يرى أن المتعة الحقيقية تكمن في العمل في المشاعر المقدسة نفسها، والتعايش مع الأجواء الروحانية، سيما أن هذا العمل يمكن الجمع فيه بين أداء الفريضة والعمل الشريف الحر، خاصة البيع والشراء، الأمر الذي يذكرنا بالمثل الحجازي الشهير: "حج وبيع مسابح" ويضيف: علاوة على الحرية في الحركة والتنقل، فأنت تمتلك الحرية الكاملة للتنقل، والاطلاع على هذا التجمع البشري الهائل بكافة مكوناته، وفي بقعة محدودة، مما يزيد فرص الربح. وعند سؤاله عن عمله بالتحديد، أجاب مبتسماً: بيع المسابح، التي توفر له مبلغا طيبا إذا سلم من مضايقات البلدية والجهات الرقابية في الحج.

وسائل مواصلات ممنوعة
وتنشط في مكة أيام الحج حركة الدراجات النارية إذ تضج مكة هذه الأيام بأصواتها المميزة، كما يتميز الشباب المكاوي بالمهارة الفائقة عند قيادته لمثل هذه الدراجات، ورغم الصرامة المرورية التي يلقاها هؤلاء الشباب نظرا لنشاطهم غير النظامي إلا أن المبالغ التي يجنونها تجعلهم يواجهون هذه الصرامة بتحدٍ مشوب بالقلق كما يعبر بذلك حسام مسمار، الذي يعتبر أن ظروفه العائلية والمالية هي من تجبره على مثل هذا العمل، وليس حبا في مخالفة الأنظمة، ويزيد: يمكنك النظر بإيجابية إن أردت إلى فوائد هذه الدراجات، فالزحام الهائل في أيام الحج، يجعل بعض المشاوير الصغيرة تستهلك من وقت الحاج ساعات طويلة، ساعات يمكن اختصارها إلى دقائق بفضل هذه الدراجات النارية، وحين مواجهته بالأسعار الكبيرة التي يشترطها أصحاب هذه الدراجات للظفر بخدماتهم أجاب: لكل ميزة ضريبتها.
ويصعب حصر الأعمال التي ينخرط بها عادة شباب مكة والحجاز في موسم الحج لكثرتها وتنوعها، إلا أنها تعطي تصورا على أرض الواقع للمنهج القرآني الكريم القائل: "ليشهدوا منافع لهم"