1433 هـ .. عام الأحلام المسفوحة

كتب بواسطة: مصطفى عياط | في الملف . بتاريخ : Nov 27 2012 | العدد :98 | عدد المشاهدات : 5609

1433 هـ .. عام الأحلام المسفوحة

نسخة للطباعة
أيام قليلة ويلملم عام 1433هـ أوراقَه ليسلم الراية إلى عام جديد، يأمُل الجميع أنْ يكون أكثر "رأفة" بالمسلمين عبر العالم، بعدما كان سلفه شديد القسوة؛ فأنهار الدماء البريئة مازالت تراق في سوريا، والثورة المصرية كادت أنْ "تجهض" في انتخابات رئاسية كشفت أنَّ النظام القديم مازال فاعلاً ومتحركًا، أمَّا السودان فقد "ترنَّح" ما بين جبهة حرب مفتوحة مع الجنوب و"نار غلاء" تحرق فقراءه بعدما تبخَّر "سراب" النفط، أمَّا ليبيا وتونس والصومال وموريتانيا فمازالت تائهة في النفق الفاصل ما بين ضفتي النجاة والتيه، بينما تحاول الأحزاب الإسلامية في عدة دول اختبار قدرتها على "الحكم" بعدما لعبت لسنوات طويلة دور المعارضة، لكنْ- وكما يقال- "يوم في الحكم أصعب من مائة عام في المعارضة".
هذا المشهد بالغ الكآبة والضبابية لم يَخْلُ من نقاط مضيئة؛ فعندما وُضعتْ الثورة المصرية في اختبار حاسم ما بين المستقبل والماضي فإنَّ المصريين حسموا أمرهم وتجاوزوا خلافاتهم، ونجحوا في إيصال مرشَّح جماعة الإخوان المسلمين، د.محمد مرسي، إلى كرسي الرئاسة على حساب رئيس آخِر حكومات مبارك، الفريق أحمد شفيق، لكنَّ ذلك تطلَّب ثمنًا فادحًا بعدما قررت المحكمة الدستورية حلَّ مجلس الشعب المنتخب، رغم أنَّه البرلمان الأول- منذ 60 عامًا- الذي يُقرُّ الجميع داخل وخارج مصر بنزاهة انتخاباته!.
كذلك، فإنَّ الرئيس المصري الجديد لم يجد صعوبة في إنهاء "ازدواجية السلطة" مع المجلس العسكري؛ حيث تمكَّن من إحالة المشير، حسين طنطاوي، والفريق، سامي عنان، إلى التقاعد، وألغى الإعلان الدستوري المكمل، الذي كان ينتزع الكثير من سلطات الرئيس، وكان لافتًا أنَّ الرجلين لم يبديا أي رغبة في التمسُّك بالسلطة وانصاعا للقرار، الذي تم- على ما يبدو- بالتنسيق مع الجيل الأكثر شبابًا في قيادة الجيش، وقد برهنت تلك السلاسة في نقل القيادة على الوطنية والاحترافية الرفيعة للجيش المصري.
وفي مقابل ذلك فإنَّ الوضع الاقتصادي في مصر مازال في دون المأمول، كما أنَّ "التوافق الوطني" تتضاءل فُرَصُه يومًا بعد آخر، وهو ما ينعكس بالسلب على عملية صياغة دستور توافقي، كما أنَّ المصالحة الوطنية مازالت تراوح مكانها، في ظل مزايدات القوى السياسية ومناكفاتها التي لا تنتهي.

مطبات ليبية
وإذا ما اتجهنا غربًا إلى ليبيا فسنجد أنَّ الوضع يتراوح ما بين "اليأس" و"الرجاء"؛ فالليبيون نجحوا في انتخاب "المؤتمر الوطني العام"، المكوَّن من مائتي عضو، ويتولَّى إدارة شئون البلاد لحين وضع دستور ثم انتخاب رئيس وبرلمان جديدين، وقد خرجت تلك الانتخابات بصورة شفافة وسلمية فاقت توقعات أكثر المراقبين تفاؤلاً، كما أنَّ نتائجه جاءت معاكسة للصعود القوي للإسلاميين في دول الربيع العربي؛ حيث حقَّق التيار الليبرالي نتائج قوية، وحصد معظم المقاعد المخصصة للأحزاب، والبالغة 80 مقعدًا، لكنَّ تأثير هذا الفوز تلاشى مع تشتت الـ120 مقعدًا الباقية، والمخصصة للأفراد، ما بين مرشحين قبليين وقيادات محلية وشخصيات مستقلة.
وفي المقابل فإنَّ المجلس مازال عاجزًا عن منح الثقة لحكومة جديدة، كما أنَّ خطر الميليشيات مازال قائمًا بل ويتفاقم، وهو ما عكسه الهجوم على مقر القنصلية الأمريكية في بنغازي، والذي راح ضحيته السفير الأمريكي في ليبيا وعدد من حُرَّاسه، لكنَّ الخطر الأكبر الذي يهدد مستقبل ليبيا يتمثل في الافتقاد لقوة الدفع اللازمة لإنجاز مصالحة وطنية شاملة، تتجاوز آلام وثأرات الماضي، وتؤسس لدولة وطنية تتجاوز الحسابات المناطقية والقبلية، خاصة أنَّ ليبيا بثرواتها النفطية الضخمة وعدد سكانها المحدود وموقعها المتميز- مؤهلة لتصبح في سنوات قليلة دولة صاعدة، لكنَّ ذلك يبقى رهنًا بحل مشكلة الميليشيات ونجاح المصالحة الوطنية، وإلَّا فالبديل مرعب.
مخاض تونسي
أمَّا تونس فقد باتت تشكل لغزًا للكثيرين؛ في البداية أشاد الجميع بثورتها الرائعة، وبالترتيب المنطقي لخطوات المرحلة الانتقالية، حيث تم انتخاب مجلس تأسيسي يتولى إدارة البلاد وصياغة الدستور، ثم يشرف على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وتم انتخاب المجلس بنجاح، وأبدى حزبُ النهضة- ذي المرجعية الإسلامية والذي حل في المقدمة- مرونةً شديدة لتشكيل تحالف حاكم يضم حزبين آخرين أحدهما يساري والآخر قومي، وتقاسمت الأحزاب الثلاثة رئاسة الجمهورية والحكومة والمجلس التأسيسي ومقاعد الوزارة، كما أظهروا توافقًا جيدًا في إدارة شئون البلاد.
لكنَّ الأمر لم يَخْلُ من "مطبات صعبة" بدأت تتزايد في الأشهر الأخيرة؛ فالقوى السلفية بخطابها الزاعق باتت تشكِّل ضغطًا لا يحتمل على حزب النهضة، فمن ناحية تحرج النهضة أمام جمهورها المتدين، ومن ناحية أخرى تعطي القوى العلمانية المتطرفة الفرصة والأداة كي تهاجم النهضة، وتحشرها في مربع التطرف بما يحرمها من الحصول على دعم الشريحة الأكبر من الطبقة الوسطى، التي رغم أنَّها كانت تمقت فساد وديكتاتورية حكم "بن علي" لكنها تعوَّدت وانسجمت مع نمط الحياة المنفتح والامتيازات الكبيرة التي وفرها للمرأة.
كذلك فإنَّ تصاعد الاضطرابات المناطقية والاحتجاجات الفئوية بات يقلق الكثير من التونسيين، وهو الوتر الذي يلعب عليه فلول النظام السابق؛ حيث شكَّل رئيس الوزراء السابق "الباجي قائد السبسي" حزبًا جديدًا يضم معظم الوجوه المقبولة في حزب "بن علي" المنحل، إضافة لشرائح من التيارات والنخب المعادية للإسلاميين، ويتوقع أنْ يشكل هذا الحزب رقمًا صعبًا في الانتخابات البرلمانية القادمة المقررة منتصف العام المقبل.

المغرب العربي
أمَّا أقصى المغرب العربي، حيث الجزائر والمغرب وموريتانيا، فتبدو الأوضاع في الأولى والثانية هادئة؛ فالعاهل المغربي منح رئاسة الحكومة لـ"عبد الإله بن كيران" زعيم حزب العدالة والتنمية، ولا يبدو أنَّ ذلك أحدث تغيرًا جوهريًّا في قواعد اللعبة السياسية؛ حيث مازالت خيوطها في يد الملك، الذي نجح بتلك الخطوة الرمزية في تجنيب عرشه مواجهة رياح الثورات.
أمَّا الجزائر فإنَّ انتخاباتها الأخيرة أسفرت عن تراجع واسع للأحزاب الإسلامية، وهو ما كان متوقعًا في ظل أدائها الضعيف في السنوات الأخيرة، وفي المقابل فإنَّ العوائد المادية الكبيرة التي تجنيها الدولة من صادرات النفط والغاز مكنتها من امتصاص التظاهرات المحدودة التي عكست في معظمها مطالب اجتماعية ومعيشية أكثر من كونها سياسية، لكنَّ التحدي الكبير يبقى كامنًا في قضية خلافة الرئيس الحالي "عبد العزيز بوتفليقة"، والذي نادرًا ما يظهر بشكل علني إثر الأزمة الصحية العنيفة التي تعرض لها قبل نحو عامين.
وبالنسبة للدولة الثالثة وهي موريتانيا، فقد استيقظت فجأة على حادث غامض تسبب في إصابة رئيسها "محمد ولد عبد العزيز" بعدة أعيرة نارية، مما استدعى نقله للعلاج في فرنسا، ومازال وضعه الصحي غامضًا، لكنْ ورغم الاحتجاجات التي تصاعدت ضده في الأشهر الأخيرة، إلَّا أنَّ مقاليد اللعبة السياسية في موريتانيا مازالت في يد العسكر وليس الساسة!.
وبالعودة إلى الشرق وبالتوجه جنوبًا، نجد أنَّ الأوضاع في السودان بالغة التعقيد؛ فالمظاهرات التي وقعت مؤخرًا لم ينجح منظموها في تحويلها إلى حراك شعبي واسع، وبقيت مقصورة على فئة محدودة، وبالتالي يمكن القول:
إنَّ نظام البشير نجا من رياح الثورات، لكنَّه مازال يعاني من آلام الانفصال القسري للجنوب، وهو ما حَرَم الخرطوم من ثلثي عائدات النفط، كما أنَّ العديد من مناطق التماس مع الجنوب مازالت مشتعلة، والنزاع حول منطقة "أيبي" مازال عالقًا، والنيران لاتزال كامنة تحت الرماد في إقليم دارفور، وكل ذلك يستنزف ميزانية البلاد ويعوق إطلاق أي خطط للتنمية الاقتصادية