خلال محاضرة له بالقاهرة: تشومسكي: غطرسة أمريكا تعرضها للانهيار

خلال محاضرة له بالقاهرة: تشومسكي: غطرسة أمريكا تعرضها للانهيار
خلال محاضرة له بالقاهرة: تشومسكي: غطرسة أمريكا تعرضها للانهيار

على مدَى مشواره الفكري الكبير ظلَّ المحلِّل السياسي الأمريكي نعوم تشومسكي معروفًا بنقده ورفضه للممارسات التي تمارسها بلاده ضدَّ غيرها من الدول، الأمر الذي جعله صاحب الإنجاز الأكبر بتوجيهه النقد إليها جراء ما ترتكبه من أفعال بحقّ الشعوب الطامِحَة إلى الحرية واستقلال وطنها.
وربما كان المخزون الفكري الذي يحظَى به تشومسكي دافعًا إلى توافد العديد من الشخصيات العامة والسياسية والفعاليات الشبابية والثورية على الاستماع إليه خلال محاضرته بالجامعة الأمريكية في القاهرة، والتي دارت حول "النظام العالمي الناشئ والربيع العربي".
هذا المفكّر كثيرًا ما يصف الولايات المتحدة بأنَّها تعدّ ثاني دولة ذات كراهية في العالم بعد إسرائيل، منتقدًا بشدَّة عدم انضمام الكيان إلى معاهدة خطر الأسلحة النووية و"لذلك فإنَّ سجلها مليء بالقمع والعنف، فضلاً عن أنَّها والولايات المتحدة يضربان بميثاق الأمم المتحدة عرض الحائط، ورغم ذلك تتحدث أمريكا عن الإرهاب الدولي والحروب الاقتصادية في الوقت الذي توجه فيه تهديداتها إلى الدول مستخدمة أحدث وسائلها الإلكترونية، وهذا يعدّ شكلاً جديدًا من القمع".
وجاءت المحاضرة لتعدّ الثانية لتشومسكي بالقاهرة، بعدما سبق له أن ألقَى محاضرة في ذات الجامعة، وطوال وقت كلمته لاحظ الحضور قدره الإبداع اللغوي لدى تشومسكي، وفق ما يتمتع به، عكس خلالها ذهنًا متقدًا للرجل الذي ألقَى المحاضرة واقفًا على قدميه لأكثر من ساعة.
وخلال محاضرته دعم تشومسكي أفكاره بأبحاث ودراسات حديثة وبآراء سياسية ثاقبة لم تخلُ من روح الدعابة والنظرة التاريخية للنظام العالمي ونشوء الإمبراطورية الأمريكية والهيمنة الغربية التي انتقلت إلى سيطرة الشركات المتعددة الجنسيات على الحكومات المنتخبة إيذانًا بموت الديمقراطية.
كما حرص تشومسكي خلال محاضرته على التأكيد بعدم ممانعته في صعود التيار الإسلامي للسلطة السياسية، مادام ذلك عن طريق انتخابات ديمقراطية حرَّة، في الوقت الذي حرص فيه حضور محاضرته على الاستماع إلى أحد الذين عرفوا بآرائهم المناهضة للولايات المتحدة، خاصة وأنَّ له توقعات بانهيار أمريكا كقوة عظمى، وأنَّها في طور السقوط وأنَّها تتَّجه نحو التحلل، ما دفعه إلى استهلال ندوته بالتأكيد على أنَّ "الانهيار حقيقي وله علامات لكن هذا ليس جديدًا، فقد بدَا تراجع أمريكا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية مباشره فخلالها بلغت أوج قوتها وبعدها بدَا الانهيار، أنَّ النظام الاقتصادي الحالي فاسد ويتآكل من داخله، أنَّ هذا النظام المتآكل الذي وضعه ويستفيد منه 1% من سكان العالم سيظل فاسدًا ومتآكلاً ومنهارًا وغير عادل كما حدث في الأزمة المالية العالمية ما لم يستلهم واضعوه النموذج الذي قدَّمه ميدان التحرير".
وقال إنَّ أول العلامات على انهيار الإمبراطورية الأمريكية انتقال جزء من القوه العالمية للصين والهند، خاصة بعد استقلال الصين عام 1949م وهو ما اعتبر ساعتها بمثابة ضياع للصين من الولايات المتحدة وهو ما علق عليه تشومسكي ساخرًا "لا يمكنك أن تفقد شيئًا لا تملكه، لا يمكنني أن أفقد حواسبكم، يمكن فقط أن أفقد حاسبي أنا".
وتابع المفكر الأمريكي: إنَّ من ضمن تلك العلامات تعددية المراكز الصناعية مع بزوغ ألمانيا ثم اليابان، وفي ذلك الوقت كانت الولايات المتحدة تملك ثلاثة أرباع السوق العالمي وهو ما تقلص بعد ذاك. لافتًا إلى أنَّ "الولايات المتحدة لا تريد أن ترى سياسات في الشرق الأوسط تعكس الرأي العام وتعبِّر عنه، فبالنسبة للولايات المتحدة الديمقراطيات يجب أن تتوقف، وقد ظهر ذلك جليًا في دعمها لابن علي ومبارك في أيام الثورة الأولى وقبل ذلك حين فازت حماس في انتخابات ديمقراطية ونزيهة في قطاع غزة".
وقال: إنَّ سياسات الولايات المتحدة لم تكن لتتغير إذ لم تكن تحتاج نفط الشرق الأوسط، "فهي تسعى نحو الهيمنة على الشرق الأوسط، ليس للحصول علي النفط فحسب، فمواردها المحلية تكفيها، لكن الهدف هو الحصول على مزيد من السيطرة والهيمنة على النظام العالمي وقواعد اللعبة فيه، والحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي المنهار كان صراعًا على الهيمنة على العالم، فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي أخذ النفوذ الأمريكي يتسع شرقًا مع تمدّد حلف الناتو الذي نشأ لمواجهة الاتحاد السوفيتي أساسًا في ألمانيا الشرقية".
ولفت إلى أنَّه مع سقوط الاتحاد السوفيتي تحولت وجهة "الناتو" إلى حماية نظام نقل الطاقة ومواردها عبر العالم، وأصبح الآن قوّه تدخل عالمية كبرى، تتدخل في أحيان كثيرة باسم الأسباب الإنسانية لكنها ليست سوَى وجه آخر للاستعمارية القديمة. منتقدًا النظام المالي العالمي، "فالنفوذ الواسع الذي تملكه الشركات المتعددة الجنسيات على حكومات العالم وتدخلها في إدارة الملفات الحساسة والقضايا الكبرى والسياسة الخارجية للدول، وقال إنَّ تلك الشركات تتحكم حتى في سياسات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لصالحها".
وقال: إنَّ "الولايات المتحدة التي تتحكم فيها الشركات الكبرى والمتعددة الجنسيات نظامًا اقتصاديًا يقسم العالم إلى قسمين الأول الأغنياء جدًا وقسم آخر به أي أحد آخر بخلافهم، وتلك القسمة هي النقلة الأكبر في التاريخ المالي الحديث مع التحولات التي حدثت نحو سياسات الليبرالية الجديدة في عهدي ريجان بأمريكا وتاتشر ببريطانيا. "لافتًا إلى أنَّ "ملف السياسات الأمريكية والإسرائيلية المختلفة حافلاً بالممارسات القمعية ومن خلال هذه الممارسات يعملان على التدخل في شئون الدول على نحو ما كان يتمّ فعله من دعم الأنظمة الديكتاتورية التي أسقطتها الثورات العربية، حتى وجدت الولايات المتحدة الثورات العربية، ووجدت نفسها أمام ضرورة لدعم الربيع العربي".
وأكَّد أن صفقة الأسلحة المقاتلة التي استوردتها إسرائيل من ألمانيا قبل شهور قادرة على حمل أسلحة نووية تَعْبُر من خلالها البحار والمحيطات، وذلك في حال اندلاع حرب ضد إيران، "الأمر الذي يعكس أنَّ هناك نوايَا عدائية جادة ضد إيران من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل". محملاً بشدَّة على سياسة الإمبريالية العالمية التي تقودها الولايات المتحدة منذ عقود و"هي السياسة التي تُعَدّ خطرًا على حركة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط".
كما أكَّد أنَّ بلاده تستند في ذلك على أنَّه لا توجد سلطة تضاهيها في العالم، فضلاً عن اقتصادياتها، "فهي تمتلك أكبر المطارات في العالم، وكذلك شبكة طرق، غير أنَّها تمتلك في الوقت نفسه تداعيات انهيارها وتحللها، فهذه الدولة (أمريكا) ظلّت حريصة على دعم الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي، وعلى رأسها النظام المصري السابق، الذي ظلّت تدعمه وهذا ما ظلّ يفعله الرئيس باراك أوباما حتى يناير 2011،  إلى أنَّ وجد ثورة شعبية على هذا النظام، فشعر أنَّ الأمور أصبحت عصية على امتلاك زمامها، فكان الحديث عن ضرورة إعادة المنظومة الأمريكية وفق ما شهده العالم العربي من ثورات، إلى أن صارت الأوضاع في العالم العربي على النحو الحاصل حاليًا"