الأدب وفصول السنة

كتب بواسطة: عبدالكريم العبدالكريم | في أوراق ثقافية . بتاريخ : Apr 20 2012 | العدد :71 | عدد المشاهدات : 7033

الأدب وفصول السنة

نسخة للطباعة
المتتبع لارتباط الأحكام الشرعية بفصول العام (الصيف –الشتاء –الربيع –الخريف) يلحظ أن الارتباط جلي، فهناك أحكام شرعية ارتبطت بالموسم، مثل: تأخير صلاة الظهر في شدة الحر ، والتيمم في شدة البرد بضوابط معروفة عند الفقهاء، وغير ذلك من أحكام .
وارتبطت المواسم أيضاً بفضائل الأعمال، فكانت أداة للحث على بذل طاعات تنسجم مع الموسم ، وربما جاء استخدام الموسم استخداما بياناً، لغاية الإيضاح والحث ،  أخرج الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (الشتاء ربيع المؤمن)، وأخرجه البيهقي - رحمه الله - وغيره وزاد فيه (طال ليله فقامه وقصر نهاره فصامه) فالحديث متجه لحث المؤمن على استثمار فصل الشتاء ، ولفظة الربيع وظفت توظيفاً بيانياً ؛ ففصل الربيع من الفصول المحببة إلى النفوس، المبهجة للناس، ينبعث فيها الناس للاستمتاع، والبحث عن الجمال، والاستجمام، وهكذا هو الشتاء للمؤمن.
وارتبطت جملة من أقوال سلف الأمة بفصول السنة من مثل:
ماروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه – أن قال: مرحبا بالشتاء تنزل فيه البركة، ويطول فيه الليل للقيام ويقصر فيه النهار للصيام. 
وعن الحسن البصري - رحمه الله - قال: نعم زمان المؤمن الشتاء، ليله طويل يقومه، ونهاره قصير يصومه. 
وعن عبيد بن عمير - رحمه الله - أنه كان إذا جاء الشتاء قال: يا أهل القرآن طال ليلكم لقراءتكم فاقرؤوا، وقصر النهار لصيامكم فصوموا، قيام ليل الشتاء يعدل صيام نهار الصيف.
وبكى معاذ - رضي الله عنه - عند موته وقال: إنما أبكي على ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء ومزاحمة العلماء بالركب عند حِلَق الذكر.
  إنَّ الحديث عن مواسم السنة، وارتباطها بأحكام الشريعة، وأبواب الفضائل ظاهرة تحتاج إلى عناية من أهل الاختصاص، والدراية، إمعاناً في البحث عن وشائج الصلة بين كل موسمٍ وما ارتبطت به من أحكام.
  ولا ريب أنَّ أنصع مثال على حضور المواسم في أحكامنا الشرعية ماورد في كتاب الله في سورة التوبة حكاية عن المتقاعسين عن جهاد العدو في تبوك  : (وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لوكانوا يفقهون).
وحديثي هنا غير معنيٍ بتتبع آثر المواسم في أحكام الشريعة، ورصدها في القرآن والسنة، فللمتخصصين أن ينبروا لجمعها، ودراستها، وإنما أردت هاهنا أن ألتقط بعض ما جاء في كتب الأدب حول بزوغ المواسم في نثر الناثرين، وشعر الشعراء، وربما كان الصيف ووهجه، ملهبةً لمثل هذه المقالة التي سأبحث فيها عن انعكاس هذا الموسم في صفحات الأدب ، ولعل من أطرف ما وقفت عليه جملة من المحاورات والمناظرات التي جرت على لسان الشتاء والصيف ، أو الشمس والقمر ، وانطوت على تعداد الفضائل، وغمزٍ بالمثالب ، استمع إلى القمر يلمز حرارة الشمس، فيقول  : (... هذا وإن شعاعك أيتها الشمس، يذهب بالسرور والأنس، يُنشي الصداع، ويغشى الأسماع، وينفر الطباع، ويثير الداءات والأوجاع، فلا يبدو به انشراح، ولا تشدوا به بلابل الأفراح، ومن الذي بشعاعك ترنَّم، وشدة الحرِّ من فيح جهنم )
 وفي مقابل هذا الهجوم تبدو نزعة الفخر عند الشمس ، وتنثر جملة من محاسنها، فتقول: (أنا العروس الناضرة، والعين الناظرة، بي تحلو ثمار لواعب الأدواح، وتبدو محاسن الكواعب الملاح، ويأمن لعمري الخائف طارق الليل الحائف، وتُنسخ بي آية الليل الحالك، وتستنير المسالك لكل سالك...ولولاي لم تتحرر مواقيت الصلاة...).
   وفي أمثال العرب يحضر فصل الصيف، ويبدو أن ذهن القارئ الكريم يذكر المثل الشهير (الصيف ضيعت اللبن) وقصة المثل مشهورة.
ومما ورد على لسان العرب حول موسم الصيف:
· حرٌّّّ يذيب قلب الصبِّ، ويذيب دماغ الضب.
· حرٌّ تُصلى فيه الحزباء، ولا تُصلى فيه الحرباء. (والحزباء:الأرض الغليظة، والحرباء: من الزواحف التي تتلون في الشمس بألوانٍ مختلفة).
· الشتاء ذكر ، والصيف أنثى (ذلك لقسوة الشتاء، ولين الصيف ).
  وللبخلاء مع فصول السنة أحاديث طويلة، وفي كتاب الجاحظ الشهير (البخلاء) منها شيءٌ ليس بقليل، ومنها قصة أبي محمد الحزامي الذي كان لا يتبخر إلا في منازل أصحابه ، فإذا كان في الصيف دعا بثيابه فلبسها على قميصه لكيلا يضيع من البخور شيء، وكان يقول: حبذا الشتاء فإنه يحفظ عليك رائحة البخور، ولا يحمض فيه النبيذ إن تُرِك مفتوحاً، ولا يفسُد فيه مرقٌ إن بقي أياما.
   وهكذا تتعدد مشارب الأدباء ، ورؤيتهم لفصل الصيف ، والفصول الأخرى، مابين حديث مباشر بمدحٍ أوذم ، أو توظيف للفصل  من أجل جلاء فكرة، أو تصوير معنى، وحينئذٍ يكون الموسم أداةً يعبر بها الأديب لمراده وغايته، وعكس تجربةٍ ذاتيةٍ انتقائية، تُعلي من موسمٍ على آخر، ومما ورد في امتداح الصيف، وخفة ملابسه، وثقل الشتاء، وضراوته قول أحدهم:
إذا كان الشتاء فأدفئوني 
فإن الشيخ يهدمه الشتاء 
وأما حين يذهب كل قر 
فسربال خفيف أو رداء
وفي مقارنة صريحة بين فصلي الشتاء والصيف يقول أحدهم :
رحل الشتاء ببرده وعذابه 
وبجسمنا من بأسه آثار 
وأتى المصيف بحره وسمومه 
أفما لنا بين المنازل دار؟
   والصنوبري وجد الراحة والأنس في الربيع، ولم يفاضل بين الصيف والشتاء، ووجد مزاياهما تقابل مثالبهما، ولم يجد ذلك في فصل الربيع فقال:
ما الدهر إلا الربيع المستنير إذا 
أتى الربيع أتاك النَّور والنُور 
   وهكذا الإنسان في دائرة من الحب والكره، إذا آذاه الصيف بسمائمه، ابتغى الشتاء ببرده، وإذا آذاه صقيع الشتاء تذكر الصيف واشتهى حره، وقد عبر أحد الشعراء عن حالة الجحود البشري في ابتغاء المواسم فقال:
يطلب الإنسان في الصيف الشتا
فإذا جاء الشتا أنكره
ليس يرضى المرء حالاً واحداً
قُتل الإنسان ما أكفره
وحين تأتي الفصول موظفة لغاية من الغايات يكون مرورها في النص أجمل، ومذاقها أعذب، ويشعر المتلقي بتصاعد الحس الشعري، وتنامي الأدبية التي لا تعتمد على المباشرة والوضوح، وإنما هو الإيماء والرمز، فالفصول تأتي هاهنا لغايةٍ وراء شدة حرها، أو قساوة بردها، فتأتي –أحياناً- في ميدان الحث والبذل:
لصيد اللخم في البحر
وصيد الأسد في البر
وقضم الثلج في القرِّ
ونقل الصخر في الحر
وإقدامٌ على الموت
وتحويلٌ إلى القبر
لأشهى في طلاب العزِّ
ممن عاش في الفقر
وطلب العلم لا يعرف حرارة الجو ، وزمهرير الشتاء، وجمال الربيع، ويبس الخريف ، فالعمر قصير، والعلم ثمين، وطالب العلم منهوم يبحث عن الفرص، ويستثمر الزمن القصير، ومثابرته ستقوده إلى ثمرته، وهذا ما صوره ابن فارس في أبيات طارت بها ركبان الأدباء حين قال:
إذا كان يؤذيك حر المصيف
ويبس الخريف و برد الشتا
و يلهيك حسن زمان الربيع
 فأخذك للعلم قل لي متى ؟!
  إن حديث الأدباء عن فصول السنة حديث طويل، يبدأ بحديث مباشر عن أجواء الموسم، وينتهي بتوظيف الموسم لغايات ومآرب يتغياها الأديب، ويستثمر دلالاتها، وما ذقته من حرارة الصيف استحثني على كتابة هذه السطور التي أرجو أن يجد فيها المختص ما يفتح شهيته إلى مزيد من الدرس والتحليل ...
* عضو هيئة التدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود إسلامية