رواية «الرمز المفقود»

كتب بواسطة: د. مسفر القحاني | في رجع الصدى . بتاريخ : May 12 2012 | العدد :66 | عدد المشاهدات : 2310

رواية  «الرمز المفقود»

نسخة للطباعة
 رواية "الرمز المفقود" هي الرواية الأخيرة لـ(دان براون) مؤلف الرواية الشهيرة (شيفرة دافنشي) التي احتلت قائمة أكثر الكتب مبيعاً في التاريخ ، فقد بيع منها أكثر من ثمانين مليون نسخة، وترجمت إلى أكثر من أربع وأربعين لغة عالمية.بعد قراءتي لروايته الأخيرة ومعرفتي بالانتشار الكبير الذي ستحظى به هذه الرواية، أتوقع أن يكون لها دويّ صامت في أعماق الغربيين على وجه الخصوص؛ فعلى الرغم من كل الأحداث والمعلومات والألغاز التي حوتها الرواية إلاّ أنها من وجهة نظري كانت تؤسس لعلاقة تكاملية بين العلم والدين، وتقرب الأسطورة بل والخرافة إلى أن تكون أقرب للعقل العلمي. هذه العلاقة التي قامت على التنافر التام طيلة عصور النهضة الأوروبية بدأت الأصوات العلمية نفسها تعود إلى حقائق الغيب واحتياجاته الروحية، وتُظهر الرواية أن مؤسسي أمريكا المتدينين من أمثال: واشنطن وفرانكلين وجيفرسون لم يفصلوا بين الدين والعلم، بل جمعوا بين متناقضات الماسونية السرية والمعارف العلمية والتبشير الديني للبروتستانتية.
هذه الرواية هي استجابة للمرحلة الثالثة التي تنبأ بها (مارسيل غوشيه) المؤرخ والفيلسوف الفرنسي في دراساته حول العلمانية؛ بأن الدور المنحسر للكنيسة سيقابله تديّن من نوع آخر، قد يكون على مستوى الدولة المدنية بمدها بالطقوس الدينية التي أثبتت جدواها في تاريخ الديانات القديمة، وهو ما أكّده من قديم (برتراند راسيل) الفيلسوف الإنجليزي بأن النسق الفلسفي لليبرالية كان هو النسق الديني معكوسًا؛ ففي مقابل الله كمطلق تمّ وضع الدولة القومية المعاصرة، الأمر الآخر في عودة الدين بناء على تقديرات (غوشيه) أن تكون من خلال بوابة العلمانية ذاتها بتفسيرات لا تمانع ثنائية الدين و الدولة.
ومن جهة أخرى تشير كثير من الدراسات السوسيولوجية في أوروبا إلى عودة الدين بقوة إلى الحياة العامة، سواء من حيث زيادة نسبة الإقبال على الكنائس ودور العبادة، أو من خلال ظهور جماعات وحركات تميل إلى تدين الفضاء العام وإعطاء الدين ثقلاً سياسياً واجتماعياً، وهي التي أصبحت معروفة بحركات التدين الجديدة والمعروفة اختصاراً بـ (NRMs)، وتضع المعتقد كأساس في نظرتها للآخر. صحيح أن الفصل بين الكنيسة والسلطة في معظم الدول الأوروبية لا يزال قائماً منذ أن حُسم الأمر لصالح الأخيرة قبل أربعة قرون، لكن البعد الثقافي والقيمي للدين لا يزال قائماً لدى البعض باعتباره ستاراً واقياً تجاه ما يعتبرونه محاولة للتمدد الإسلامي الواضح في المجتمعات الأوروبية.
أمام تلك المعطيات التي ستؤدي في المستقبل القريب إلى نموٍ كبير للفلسفات الدينية التي تعتبر الدين أساس الحقيقة ومنطلق العلم ومصدر الهويات الاجتماعية، يتوقع كل من يرصد هذه الظاهرة بتحوّل في العلاقات الحضارية؛ إما نحو الصدام الحقيقي الذي بشّر به (هنتجتون) أو تداول حضاري، تكون فيه الغلبة للديانة التوحيدية التي تنسجم مع معطيات العلم و براهين العقل، وتتوافق مع متطلبات الفرد والمجتمعات المدنية، ولا أظن أن ديناً يحمل تلك المعطيات مثل الإسلام إذا تجاوز ممارسات المتطرفين وجنوح المميعين المنهزمين. إنها الفرصة المستقبلية لنقدم الإسلام كبديل منقذ يفي بمتطلبات المجتمعات المعاصرة اليوم.
الحقيقة التي أود أن أختم بها مقالي هي أن الرواية بقدر ما تأخذك إلى عالمها المثير إلاّ أنها تجبر الخيال أن يسبح في المستقبل الذي لم يعد بعيداً، ويجبر العقل أن يكمل أحداث الرواية، ليس بين صفحاتها الصفراء، بل بين ما سيحدث في شوارع منهاتن أو أكسفورد أو الشانزليزية من متغيرات حتمية ولكن: كيف ومتى و من أين؟!